دفن البابا بعد جنازة حضرها عشرات الزعماء وملايين المشيعين

تاريخ النشر: 08 أبريل 2005 - 01:45 GMT

جرى الجمعة دفن جثمان البابا يوحنا بولس الثاني بعد مراسم تشييع حضرها عشرات من زعماء الدول والاساقفة والملايين من اتباع الكنيسة الكاثوليكية، ووصفت انها الأكبر في التاريخ الحديث لأحد عمالقة القرن العشرين.

وقال متحدث باسم الفاتيكان ان التابوت الذي يحوي جثمان البابا دفن في الساعة 2.20 بعد الظهر بالتوقيت المحلي (1220 بتوقيت جرينتش) في قبو اسفل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان.

وجرى الدفن بعد مراسم تشييع استغرقت ثلاث ساعات وحضرها خمسة ملوك وخمس ملكات وما لا يقل عن 70 من رؤساء الدول والحكومات.

كما اجتمع حوالي اربعة ملايين شخص من مختلف أنحاء العالم في الشوارع المحيطة بساحة القديس بطرس التي شهدت طقوس الجنازة.

وبدأت الجنازة بوصول نعش البابا الذي توفي عن عمر الرابعة والثمانين، الى باحة كنيسة القديس بطرس يحمله اثنا عشر شخصا.

وقال الكردينال جوزيف راتسينغر لمئات الاف الاشخاص الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس "يمكننا ان نثق في ان البابا حبيبنا يقف اليوم في نافذة منزل ابيه وانه يرانا ويباركنا."

ورددت الحشود الضخمة بالايطالية عبارة "اجعله قديسا في الحال" مما عطل القداس أكثر من خمس دقائق فيما دوى التصفيق في أنحاء الساحة الشاسعة.

وبينما قرعت اجراس كنيسة القديس بطرس دقات الحداد حمل 12 شخصا الصندوق البسيط المصنوع من خشب السرو الذي زين بصليب وحرف "ام" في اشارة الى العذراء مريم خارج الكنيسة على أصوات افراد الكورال الذين رددوا ترانيم باللاتينية.

ووضع الصندوق على درج السلم في الكنيسة التي ظهر فيها نجم كارول فويتيلا قبل 26 عاما ليذهل العالم بحيويته وشخصيته الكاريزمية.

وكانت أبواب كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان قد أقفلت مساء الخميس، بعد أن ألقى اكثر من مليوني شخص النظرة الأخيرة على جثمان البابا.

وبالرغم من توزعهم في صفين فان الحشود التي تدافعت الجمعة للدخول الى ساحة القديس بطرس شكلت ازدحاما هائلا عند مدخل الساحة.

وصاح المتوافدون الذين نفد صبرهم بعد ساعات طوال من الانتظار "افتحوا، افتحوا" وهم يخشون من عدم تمكنهم من الدخول الى الساحة.

اما الاشخاص المعوقون فقد تمكنوا من جهتهم من الدخول الى الساحة قبل دقائق من فتحها رسميا، بينما بدأ رجال الاكليروس بدورهم اخذ اماكنهم.

وجرى الدخول الى الساحة بشكل بطيء اذ ان الشرطة تفتش حشود الوافدين وتوزعهم في صفين للمرور اولا تحت اجهزة كاشفة للمعادن موضوعة تحت الاعمدة عند مدخل الساحة.

وتضاعف عدد سكان روما تقريبا خلال الأسبوع الماضي حيث وفد الملايين عليها لحضور الجنازة، التي شاهدها مئات الملايين من الناس في العالم عبر شاشات التلفزيون.

واحتشد عشرات الاف المؤمنين حوالى الساعة الرابعة والنصف بتوقيت غرينتش في محيط ساحة القديس بطرس قبل ساعات من بدء مراسم الجنازة.

وفتحت الجادة المؤدية الى ابواب الفاتيكان امام الحشود بعيد الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش.

وتوافد ملايين المؤمنين على كنيسة القديس بطرس على مدى أربعة أيام لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان البابا.

وأغلقت أبواب الكنيسة الضخمة في الساعة العاشرة من مساء الخميس (2000 بتوقيت غرينتش) لإعطاء العمال فسحة من الوقت للإعداد لقداس الجنازة الذي سيقام في ساحة الكنيسة.

وقضى ألوف الأشخاص بينهم الكثيرون من بولندا موطن البابا الليل وافترشوا الشوارع حول الفاتيكان على أمل ان يتمكنوا من الوقوف في الصفوف الأولى عندما تفتح الساحة عند الفجر.

وتابع مئات الألوف من الاشخاص مراسم الجنازة على شاشات تلفزيونية عملاقة أُقيمت في أنحاء متفرقة من العاصمة الايطالية روما وستبث أيضا في شتى أنحاء العالم مما يعني ان مليارات البشر سيتاح لهم مشاهدة الوداع الأخير للبابا.

وأغلقت إيطاليا المجال الجوي فوق وسط روما واستدعت قوات إضافية وصواريخ مضادة للطائرات وزوارق دورية لحراسة الجنازة، في تدابير أمنية غير مسبوقة لتأمين حسن سير الجنازة.

وأمرت السلطات في روما باغلاق الادارات العامة والمدارس والمتاحف الجمعة وطلبت من السائقين عدم استخدام سياراتهم في محاولة لمنع فوضى مرورية.

وتم استنفار كل الجهات التي يمكن أن تساعد بما في ذلك الشرطة والدرك وسلاح البر وسلاح الجو وأجهزة الاستخبارات ورجال الإطفاء وحلف الأطلسي والدفاع المدني وعمال البلدية.

وقالت بلدية روما إن أكثر من 20 ألف عامل ساعدوا في هذه التدابير بالإضافة إلى 10 آلاف متطوع في الدفاع المدني.

وصية البابا
وأعلن الخميس، عن الوصية الأخيرة للبابا، والتي أشار فيها إلى أنه فكر في الاستقالة عام 2000 حينما بلغ الثمانين من العمر.

وكتبت الوثيقة المتضمنة في 15 صفحة، والتي ترجمت من البولندية لغة البابا الأصلية إلى الإيطالية، على مدار بابويته التي استمرت 26 عاما.

وفي الوصية توجه البابا بالشكر لأديان أخرى، ولعلماء وفنانين وسياسيين لدعمهم له طيلة حياته.
وفي ما يلي الترجمة الحرفية للنص الكامل لوصية البابا يوحنا بولس الثاني:
"كلي لك"!
بهذه العبارة الموجهة إلى مريم العذراء والتي شكلت شعار حبريته استهل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني وصيته الروحية التي باشر في كتابتها في السادس من آذار/مارس من عام 1979.
وكتب البابا "إن كلمات يسوع لتلاميذه "اسهروا لأنكم لا تعلمون أي يوم يأتي سيدكم" تذكرني باللحظة التي يناديني فيها الرب. أريد أن أتبعه وأود أن يعدني كل ما يشكل جزءا من حياتي اليومية لتلك اللحظة التي سأضع فيها نفسي بين يدي والدة ربي: "كلي لك". وأضع بين يديها الكنيسة وأمتي والبشرية كلها.
... "أوجه شكري إلى الجميع وأطلب المغفرة من الكل. وأطلب أن يصلى من أجلي."
..."لقد اطلعت مجددا على وصية قداسة البابا بولس السادس أثناء الرياضة الروحية وحملتني هذه القراءة على كتابة وصيتي هذه. وبعد وفاتي أريد أن تقام القداديس والصلوات من أجلي."
..."أريد أن تحرق ملاحظاتي الشخصية المدونة وأود أن يشرف الأب ستانيسلاو شخصيا على ذلك."
..."وإني أشكره على تعاونه ومساعدته لي خلال السنوات الطويلة الماضية".
..."أود أن أعرب عن ثقتي التامة بأن الرب وعلى الرغم من كل ضعفي سيمنحني النعمة اللازمة لأقوم بواجباتي كما تقتضي مشيئته وأفعل كل ما يطلب الرب إلى خادمه خلال حياته".
.."يجب أن يكون كل شخص مستعدا لمواجهة الموت، والمثول أمام الرب القاضي والمخلص والآب".
..."إن الأزمنة التي نعيش فيها صعبة وتحمل على القلق، والكنيسة تسير على دروب لا تخل من الصعوبات التي يتعيّن أن يواجهها المؤمنون والرعاة على السواء ... فالكنيسة تعاني من الاضطهاد في بعض الدول لا يقل خطورة عن الاضطهاد الذي عانى منه المسيحيون الأوائل".
..."أريد أن أوكل ذاتي مرة جديدة إلى رحمة الرب وأقول لمريم العذراء "كلي لك" في الحياة والممات. وآمل أن يمنحني المسيح نعمته في نهاية حياتي الأرضية، وأن تصب هذه النعمة في مصلحة القضية التي أسعى إلى خدمتها ألا وهي خلاص البشر، حماية العائلة البشرية وجميع الأمم والشعوب".
..."إن محاولة الاغتيال التي تعرضت لها في 13 من أيار/ مايو 1981 جاءت بمثابة تأكيد على ما كتبته في وصيتي خلال السنوات الماضي... إني أشعر أكثر فأكثر بأن حياتي موضوعة بالكامل بين يدي الله وأوكل نفسي بالكامل إليه وإلى والدته".
..."عندما تم انتخابي حبرا أعظم في 16 من تشرين الأول/أكتوبر من عام 1978، قال لي الكاردينال ستيفان فيزينسكي: "واجب البابا الجديد أن يقود الكنيسة داخل الألف الثالث". فقلت له: "لقد كنت شاهدا على رسالة "الرجل" الذي صنع التاريخ ووضعت نفسي بالكامل في تصرفه. ومع بداية عام ألفين ولى القرن العشرون، وشاء مخطط العناية الإلهية أن أعيش في هذا القرن الذي طبع بالصعوبات".
..."لقد أنقذتني العناية الإلهية من الموت بطريقة عجائبية بعد تعرضي لمحاولة الاغتيال في ساحة القديس بطرس. فقد شاء رب الحياة والموت أن يطيل عمري ويمنحني الحياة مجددا. وآمل أن يمنحني الرب القوة اللازمة لأتم الرسالة التي أوكلها إلي".
..."العقد الأخير من القرن العشرين خلا من التوترات التي كانت سائدة في الماضي غير أن هذا لا يعني أن المستقبل لن يحمل معه مشاكل وصعوبات جديدة... وشاءت العناية الإلهية أن تنطوي صفحة الحرب الباردة دون اللجوء إلى الصراع النووي الذي كان هاجسا يلقي بثقله على العالم بأسره".
..."أريد أن أعرب مرة جديدة عن امتناني للروح القدس على المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني... ومنذ بداية خدمتي الأسقفية اختبرت الشركة الأخوية في الأسقفية... وخلال حبريتي اختبرت التعاون الخصب الذي قدمه لي معاوني من كرادلة، ورؤساء أساقفة وأساقفة وكهنة ورجال ونساء مكرسين وعلمانيين. ويتوجه فكري أيضا إلى جميع الأساقفة في العالم وأخوتي المسيحيين غير الكاثوليك وحاخام روما والممثلين عن باقي الديانات".
..."ومع اقتراب نهاية حياتي الأرضية، أعود بالذاكرة إلى الماضي، لأفكر بوالدي وبشقيقي وشقيقتي التي لم أعرفها لأنها توفيت قبل ولادتي... وأفكر أيضا برعيتي في فادوفيتش حيث نلت سر العماد وبرفاقي في المدرسة والجامعة... وأفكر في رعية نييغوفيتش التي خدمتها ورعية القديس فلوريانو وبمدينة كراكوفيا وروما... وأود أن أقول لهؤلاء الأشخاص "جازاكم الله خيرا".
"بين يديك يا رب أستودع روحي".

(البوابة)(مصادر متعددة)