رجب والتقويم الاكثر غموضا في تاريخ البشرية

تاريخ النشر: 23 كانون الثّاني / يناير 2023 - 09:53
رجب والاشهر الحرم والتقويم الاكثر غموضا في تاريخ البشرية

شهر رجب عنوان بارز للتقويم الهجري الذي لا يزال الغموض يكتنف بداياته، مع انه يتحكم حاليا بايقاع حياة اكثر من ملياري انسان على الارض.

 

منذ ما ينوف عن 1400 عام، كانت البشرية على موعد مع ولادة التقويم الهجري الاسلامي، الذي يعد الاكثر غموضا وتأثيرا في مسار تاريخها.

والى اليوم، لا توجد رواية واحدة يمكن ان تقدم تفسيرا قاطعا يزيل الغموض عن تاريخ بدء العمل بالتقويم الهجري الذي بات يتحكم حاليا بايقاع حياة اكثر من ملياري انسان على وجه الارض.

هناك طبعا روايات كثيرة متناثرة في بطون كتب علتها صفرة القدم وتحاول تقديم الاجابات، لكنها تظل روايات في مطلق الاحوال، وليس ثمة طريقة علمية تمكننا من التوثق منها.

لا ضير من الرجوع الى الوراء قليلا لمعرفة جذور التقويم القمري العربي الذي كان موجودا قبل الاسلام بنحو مئتي سنة، ثم اعتمده المسلمون لاحقا قبل ان يقوموا بادخال تعديل جوهري عليه حتى يوافق معتقداتهم الدينية، ويصبح اسمه التقويم الهجري.

في الشائع من المرويات ان قبائل العرب (الجاهلية) اجتمعت لتضع لنفسها تقويما ينظم وقع حياتها وغزواتها المتبادلة، ويراعي في الوقت نفسه احد اهم طقوسها الدينية، والمتمثل في الحج الذي كان قائما لقرون قبل ظهور الاسلام.

معضلة الفجوة الزمنية 

بحسب الروايات -وكلها كتبت بعد الاسلام - فقد توافقت القبائل، او ممثلوها في ذلك الاجتماع، على اعتماد التقويم القمري الذي يقسم العام الى اثني عشر شهرا، واطلقت على كل شهر اسما يوافق حالة طبيعية او اجتماعية مرتبطة ببيئتهم.

""توافقت قبائل (الجاهلية) على التقويم القمري وحددت اربعة اشهر يحرم فيها القتال واهمها رجب
توافقت قبائل (الجاهلية) على التقويم القمري وحددت اربعة اشهر يحرم فيها القتال واهمها رجب​​​

 

فمثلا، اعطوا الشهر الذي تتفجر فيه خضرة المراعي اسم ربيع. والذي يتركون فيه ديارهم التي تغدو خاوية تصفر فيها الريح حين ارتحالهم طلبا للمرعى اسم (صفر). وشهر انكسار الحرارة مع مطر ما قبل الخريف اسم رمضان، وشهر رجب الذي يعني التوقف عن القتال، هكذا...

ووفقا لهذا التقويم، تصبح السنة مؤلفة من 354 يوما، حيث ان الشهر القمري ليس بالضرورة ان يُتم ثلاثين يوما، فربما ياتي تسعة وعشرين او حتى ثمانية وعشرين يوما.

وفي المقابل، كانت مناطق الشمال (فارس وروما) المتعاملة بالتقويم الشمسي (الميلادي) تقسم السنة الى 365 يوما وربع اليوم، معتمدة على دورة الشمس. وتقوم كل اربع سنوات باضافة يوم الى الشهر الثاني من السنة لضبط الزيادة الناجمة عن الارباع المتحصلة.

في المحصلة، كانت هناك فجوة زمنية مقدارها 11 يوما تقريبا بين التقويمين. وهي بالمناسبة فجوة معتبرة، حيث انها تعني ابتعاد التقويم القمري عن الشمسي بواقع شهر كل ثلاث سنوات، وعام كامل كل 33 سنة.

ولان تلك كانت فجوة من شأنها التسبب باشكاليات خلال تعاملاتهم التجارية النشطة مع مناطق التقويم الشمسي، فقد لجأ العرب الى تعويض الفارق عبر اضافة شهر الى تقويمهم بعد كل ثلاث سنوات، حتى يتطابق التقويمان.

ولكي يجدوا مكانا للشهر الذي ستتم اضافته، فقد حجزوا له اسما وموقعا مسبقا، فتارة يضعونه في الربيع تحت مسمى (ربيع الثاني وياتي بعد ربيع الاول)، ومرة يوقعونه في الشتاء باسم (جمادى الاخرة بعد جمادى الاولى).

اما بخصوص الشأن الداخلي المتعلق بضبط ايقاع صراعاتهم التي لا تكاد تتوقف على امتداد شبه الجزيرة العربية، فقد تم التوافق على الالتزام بهدنة كان معمولا بها قبلهم بزمن طوي ومدتها اربعة اشهر يحرم فيها القتال تماما باستثناء حالات الدفاع عن النفس.

22 كعبة و رجب محور الهدنة

جرى توزيع ايام الهدنة على فترتين متباعدتين من العام، وبما يتوافق مع مواعيد الحج خصوصا، حتى يأمن الناس على انفسهم خلال مسيراتهم المقدسة التي كانوا يشدون الرحال خلالها الى 22 كعبة متناثرة على صفحة الصحراء الشاسعة وخصوصا في رجب .

""تغيير التقويم كان بمثابة زلزال لا تزال ارتداداته تتوالى الى وقتنا الحالي
تغيير التقويم كان بمثابة زلزال لا تزال ارتداداته تتوالى الى وقتنا الحالي

 

وفيما تتصف ثلاثة من تلك الاشهر بالتتابع، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فان رابعها وهو الاهم في نظر واضعي التقويم كان شهر رجب ، والذي ينفصل عنها متوسطا العام، لاعتبارات تتعلق بما يقال انه اهم موعد للحج كان معمولا به لدى بعض اصحاب المعتقدات من تلك القبائل.

وقد استمر العمل بهذا الشكل من التقويم حتى بعد مجئ الاسلام، وطوال فترة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي شدد غير مرة وبصورة خاصة على حرمة القتال في الاشهر الاربعة من ذلك التقويم، وخصوصا في رجب .

 كما ان القران اشار الى الاهمية الخاصة لشهر رجب باعتباره محور الاشهر الحرم، وذلك في الاية التي تقول "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ" (البقرة 217). ونلمس هنا ان الاية لم تذكر رجب بالاسم، لكن من الواضح انها تتحدث عنه، باعتباره الشهر الحرام الوحيد المنفرد، بينما الاشهر الاخرى تاتي مجتمعة ومتلاحقة.

لكن حصل بعد وفاة النبي، وضمن ملابسات وظروف واعتبارات تتقارب وايضا تتضارب الروايات حولها، تغيير جوهري في صيغة التقويم، كان بمثابة زلزال لا تزال ارتداداته تتوالى الى وقتنا الحالي.

ما حصل هو الغاء الشهر الذي كان يضاف بعد كل ثلاث سنوات لتعويض الفجوة الزمنية بين التقويمين العربي (القمري) والشمسي (الميلادي)، والذي عرف اصطلاحا باسم شهر النسئ. وكلمة النسئ في اللغة العربية مشتقة من جذر (نسأ) بمعنى زاد او اضاف.

كان من شأن الغاء النسئ ان بدأت الاشهر بالتحرك بعدما كانت ثابتة مع فصول السنة، وبحيث ان شهر ربيع اول صار ياتي في الشتاء، وجمادى (من جمود الماء بسب البرد) في فصل الصيف.

وايضا تغير موعد شهر رمضان، الذي يمثل حجر الرحى في التقويم الذي اصبح من حينها يسمى (الهجري)، نسبة الى هجرة الرسول من مكة الى المدينة، كما تبدلت مواقيت الحج ومواقع الاشهر الحرم واهمها رجب وغيرها من الطقوس والمناسبات الدينية.

من الصعب اليوم، الخوض في اي نقاش او نقد علمي للاسباب التي دفعت الى هذا التغيير الزلزالي في تركيبة التقويم، من حيث انه جرى اكساؤه قداسة مستمدة تارة من القران الكريم واخرى من السنة النبوية.

اشكاليات فهم النصوص

لكن يمكن الاشارة الى ان التغيير جاء بناء على فهم الاولين لنص قراني كان يشير الى تلاعب العرب قبل الاسلام بشهر النسئ، حيث يوقعونه في فترات زمنية توافق الاشهر الحرم، وذلك من اجل اضفاء مشروعية على القتال خلالها.

""فهم النص لا يزال ينطوي على اشكاليات يعود سببها الى تعدد القراءات
فهم النص لا يزال ينطوي على اشكاليات يعود سببها الى تعدد القراءات

 

تقول الاية في القران الكريم: "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ" (التوبة 37).

فهم هذا النص لا يزال ينطوي على اشكاليات يعود سببها الى تعدد القراءات لبعض الالفاظ، والتي ادت بالتالي الى اختلافات في التفسير، وان كان هناك شبه اجماع بين علماء المسلمين الاوائل على مدلول، وليس منطوق، النص.

يقول النص "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ"، والبعض قرأ "زيادة" بتنوين الضم واخرون بتنوين الفتح. ويضيف النص "يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا"، وهنا ايضا قرأ بعضهم كلمة "يضل" بفتح الياء وكسر الضاد، وغيرهم بضم الياء وكسر الضاد، وزاد غيرهم بفتح الياء والضاد (يَضَلُّ).

وايضا، هناك نص من حديث منسوب للنبي يقول فيه "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم".

وهذا النص، الذي جاء في "حديث خطبة الوداع"، يؤكد ما ورد في الاية القرانية بخصوص عدد اشهر السنة والحرم منها، ويشير من يستدلون به الى العبارة التي تتحدث عن استدارة الزمان، باعتبارها اعلانا عن  الغاء العمل بالنسئ.

يرى باحثون في الوقت الحالي ان قراءة وفهم النصين ربما تشير الى ان القران والنبي كانا يقدمان توصيفا لحالة شاذة كان يتم التلاعب من خلالها بشهر النسئ ابان عصر (الجاهلية)، وليس حكما او قانونا جديدا يلزم بتغيير التقويم.

ويضيفون انه حتى لو كان الفهم صحيحا، فان الحكم جاء لعلة او سبب، وهو التلاعب، ومع انتفاء العلة ينتفي الحكم، حيث ان احدا اليوم لن يحاول التحايل على الاشهر الحرم بغرض شن حرب او اعتداء، في ظل ان الكل يقاتل الكل وفي كل وقت. علما ان غالبية علماء المسلمين 

علما ان غالبية علماء المسلمين افتوا بان الاية التي تحرم الحرب في الاشهر الحرم قد تم (نسخها) بمعنى الغاء حكمها بموجب اية اخرى تسمح بالقتال خلالها.

"استدارة الزمان" والعودة المستحيلة

الباحثون يلفتون ايضا الى ما يرونها اشكالات نحمت عن تغيير التقويم، ومنها مثلا ان بعض الناس اصبحوا يصومون احيانا عشرين ساعة في رمضان فيما يستمر صيام اخرين عشر ساعات، تبعا لاختلاف موضع الشهر مع تحركه عبر السنة.

""هناك مطالبات من البعض بالعودة الى العمل بشهر النسئ، لكنها اشبه بصرخات في واد
هناك مطالبات بالعودة الى العمل بشهر النسئ، لكنها اشبه بصرخات في واد

 

وبحسب ما يؤكدون، فان رمضان، وهو الشهر التاسع في التقويم العربي الاصلي، كان ياتي في فصل يتقارب ان لم يكن يتساوى فيه عدد ساعات الليل والنهار في معظم ارجاء الكرة الارضية، ما يعني عدالة اكثر بين الصائمين.

وايضا يشيرون الى ان تبدل مواقع الشهور ادى الى تغير مواعيد الحج، وبحيث صار الناس يحجون في اشهر شديدة الحرارة بعض السنوات، مع ان الموعد الاصلي للحج هو في الشهرين الاخيرين من العام، وهي فترة تتسم بطقس معتدل عموما.

وفيما يطرح هؤلاء الباحثون تساؤلات ويقدمون دراسات مستفيضة حول التقويم الهجري وتداعياته، فانهم يلفتون الى ان الرسول صام اخر تسع سنوات من حياته كما ادى فريضة الحج وفق التقويم القمري الذي كان معمولا به قبل الاسلام.

وطبعا هناك اشكالات تتعلق بمواعيد المناسبات الدينية كميلاد النبي صلى الله عليه وسلم و الاسراء والمعراج وغيرها، والتي فوتنا فرصة الاحتفاء بها في مواعيدها الاصلية، بعدما ضاعت مع موالاة الايام والشهور سباحتها في محيط السنة.

هناك مطالبات من البعض بالعودة الى العمل بشهر النسئ، لكنها اشبه بصرخات في واد، ويبدو من شبه المستحيل تحقيقها بعدما اكتسبت عملية تغيير التقويم قداسة مطلقة متكئة على افهام الاولين للنصوص، وتسليم المعاصرين بما قرره الاباء.


© 2000 - 2023 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك