اغلق دفتره المثقل بالأسئلة عن الوجود والعدم ومضى وحيدا يبحث عن اجابات الاسئلة التى ارقته بعد ان استنفد وقت الانتظار الذي طالب به مرارا .
أَيُّها الموت انتظر ! حتى أُعِدَّ
حقيبتي : فرشاةَ أسناني ، وصابوني
وماكنة الحلاقةِ ، والكولونيا ، والثيابَ .
هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ ؟ وهل
تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء ،
أم تبقى كما هِي في الخريف وفي
الشتاء ؟ وهل كتابٌ واحدٌ يكفي
لِتَسْلِيَتي مع اللاَّ وقتِ ، أمْ أَحتاجُ
مكتبةً ؟ وما لُغَةُ الحديث هناك ،
دارجةٌ لكُلِّ الناس أَم عربيّةٌ
فُصْحى.
في مساء التاسع من اب/أغسطس وضع الموت حدا لتساؤلات الشاعر الفلسطيني محمود درويش اثر تدهور حالته الصحية على اثر عملية القلب التي اجريت له في مستشفى ميموريال هيرمان في الولايات المتحدة الاميركية.
بعيدا عن مساحة الحلم قريبا من مساحة تشبه الوطن ودع درويش حقيبة السفر التي التصقت به والتصق بها بعد ان خبأ بداخلها سنبلة، حفنة ميرامية، غصن دالية، ثوما وبصلا للشتاء... وكل التعاويذ التي ازاحت عن كاهله احزان الرحيل الدائم.
من قرية البروة حيث ولد عام 1941 الى حيفا فالطريق الى زنزانة انبتت مفرداته على جدرانها مرج سنابل.
من الزنزاتة الى طريق يؤدي الى خارج الوطن ليعايش رحلة المتنبي الى مصر، الى بيروت حيث الدفاع عن جدار ليس له الى قبرص الى تونس الى عمان الى انقاض البروة، فتح درويش حقيبته لينثر في كل تلك الاماكن ملامحا لوطنه.
شاعر اعتراه الرحيل فاجاد الرحيل ليرحل في اللغة من الوطن الى الوطن ومن التراب الى التراب ومن تفاصيل اليوم الى تفاصيل اليوم.
فمن الصراع على تثبيت الهوية الى صخب المظاهرات الى تصوير الجرح اليومي الى رسم صورة للقصف العشوائي مثلت مفرداته التي انسابت غنائية مباشرة وقتها شعارات سياسية تدافع عن القدرة الانسانية في وجه محاولات التدمير المبرمج.
درويش عندما رحل باللغة لم يرحل بعيدا عن المضامين التي بقي عبقها حاضرا في ثنايا القصيدة، فهو لم يرحل من المكان بل من الزمان ليمتد الى ابعد ما يمكنه الوصول متسلحا في ذلك الرحيل بالجمال بعد أن كان سلاحه التلقائية والمباشرة.
بعد الرحيل اللغوي بدا واضحا اغراقه في فلسفة المأساة والغوص في تفاصيلها البسيطة واليومية ما خلق هوة شاسعة بين طموح الشاعر ومشروعه الشعري وانحياز القاريء الى بسيطه السابق.
الهوة التي اتسعت ردمها الشاعر في امسية عمانية عندما عقد صفقة مع جمهوره فقال": سأقرأ ما تريدون ثم سأقرأ ما اريد وما تريدون بعدها سأقرأ ما اريد"، وكانت الصفقة بان قرأ ما أرادوا فكانت "سجل انا عربي" و"مديح الظل العالي" وقرأ ما أرادوا وما أراد فكانت مقاطع من "ارى ما اريد" ثم قرأ ما أراد هو فكانت "الجدارية".
الصفقة التي عقدها درويش مثلت إصرارا لا مجال للشك فيه بأنه ماض في مشروعه الشعري نحو اللغة المستحيلة لاعادة انتاج صورة واقعية للمأساة صورة تتجاوز الحديث عن الشهداء لتمتد الى الحديث عن المرأة واحلام الاطفال.
متنقلا بين العواصم غارقا في تفاصيل الوجود والعدم رحيل محمود درويش بحثا عن الاجابات..!