صادقت حكومة الاحتلال أمس على تعيين وزير الأمن الداخلي السابق غلعاد أردان مندوبا لها في الأمم المتحدة وفي واشنطن، وهو وزير سابق تميز بعدوانيته المفرطة للفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر.
وُلِد أردان عام 1970، في مدينة أشكلون (عسقلان) لعائلة تنتمي للتيار الديني القومي- المفدال، عمل والده، مُدرّسا، ومن ثَمّ درس المحاماة، وزاول مهنته في مكتبه الخاص، هاجر إلى إسرائيل من رومانيا. والدته، تعمل كأخصائية نفسانية، هاجرت من هنغاريا.
درس أردان في مدرسة دينيّة مرموقة في مدينة القدس المحتلة وسُرِّح من خدمته العسكرية برتبة نقيب من بعدها، التحق بجامعة بار إيلان، ودرس فيها الحقوق وكذلك التحق بجامعة تل أبيب، ودرس فيها ماجستير العلوم السياسية. وحسب سيرة ذاتية أعدها مركز “مدى الكرمل” للأبحاث الاجتماعية التطبيقية في حيفا، برز نشاط أردان السياسي المتشدد عندما كان طالبا في الجامعة، حيث قاد تظاهرة ضد اتفاقيات أوسلو.
بعد تخرّجه من الجامعة، تدرّب كمحامٍ في مكتب دوف فايسغلاس، الذي كان مستشار أريئيل شارون لسنوات عديدة. عمل أردان مستشارا لشارون، قبل أن يصبح الأخير رئيسا للحكومة، وعمل مستشارا لرئيس حكومة الاحتلال الحالي، بنيامين نتنياهو. كذلك شغل أردان منصب رئيس اتحاد مقاولي البناء في إسرائيل، ومنصب رئيس “شباب الليكود”.
الحياة السياسيّة
انضم غلعاد أردان إلى حزب الليكود عندما كان طالبا في جامعة بار إيلان حيث توجّه إليه، آنذاك، عدة زملاء لإحياء خلية الليكود في الجامعة بالتزامن مع محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وعندها، بدأ أردان بتنظيم تظاهرات ضد التوقيع على اتفاقيات أوسلو. وعارض خطة الانفصال أحاديَ الجانب عن غزة عام 2005، بشدّة، ووصفها بالجريمة الوطنيّة.
وداخل “الليكود” فاز في السنوات الأخيرة بمواقع متقدمة ويبدو أنه استمد شعبيته من مواقفه المعادية جدا للفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر. في الانتخابات التمهيديّة لحزب الليكود، قبيل انتخابات الكنيست العشرين عام 2015، جاء ترتيبه الأول، أي الثاني في قائمة المرشحين للكنيست بعد بنيامين نتنياهو، وشغل في حكومته السابقة منصب وزير الأمن الداخلي.
تعامله مع مشاكل العنف في المجتمع العربي
يعترف الوزير الإسرائيلي أردان أن عدد عناصر الشرطة الذين يعملون داخل البلدات العربية لمكافحة الجريمة، هو عدد قليل مقارنةً بالمهمّات التي تقع على عاتقهم. كما يدعي أن عمل الشرطة هو أساس كل شيء في المجتمع العربي؛ لأنّه، وحسب أقواله، بدون معالجة مشكلة الجريمة والعنف فإنّه لا يمكن الاستثمار بالاقتصاد، والتربية، والصحة.
ووفقاً لمزاعم أردان، فإن الوطنية والعادات العربية تشكلان صعوبة، وتؤدّيان لازدياد الجريمة في المجتمع العربي، وأن الأسلحة المنتشرة في المجتمع العربي مصدرها الجيش الإسرائيلي، وقد وصلت للمجتمع العربي إما بواسطة السرقة، وإما بواسطة البيع، أو بواسطة التهريب.
في المقابل يوجه المجتمع العربي لأردان إصبع الاتهام بتعمد إهمال الجريمة في البلدات العربية، ويعتبرون حديثه عن “ثقافة عنف عربية” واحدا من تجليات عنصريته ومحاولات تهربه من القيام بواجبه في مكافحة الجرائم والمجرمين.
من جهته يتّهم الوزير أردان أعضاء الكنيست العرب بالنّفاق لمطالبتهم المستمرة بجمع الأسلحة من المجتمع العربي، لأن هذا الأمر يتطلب عملا استخباراتياً دقيقاً، خاصة وأن الناس لن يتنازلوا بسهولة، ولن يعترفوا بوجود هذه الأسلحة، كما وقد يؤدي جمعها لمواجهات عنيفة.
أعضاء الكنيست العرب، بدورهم، يستخفون بتصريحات أردان هذه، ويؤكدون قدرة قوات الأمن على الكشف عن كل جريمة خلال ساعات حينما تكون الضحية عربية مثلما أنها تستطيع معرفة كل تحرك في إيران أو سوريا، ويتساءلون كيف لها الزعم بأن ملاحقة المجرمين مهمة صعبة أو غير ممكنة؟
وبخلاف مزاعمه بأنه يطمح بفتح محطات شرطة في بلدات عربية لمكافحة المجرمين، فقد تورط بتحويل ميزانيات حكومية معدة لتلك لمشاريع خاصة ببلدات يهودية وتم فضح الأمر قبل نحو عامين.
وزير الأمن الداخلي
منذ استلامه منصب وزير الشّرطة، عام 2015، حاول غلعاد أردان، من خلال التشريعات، توسيع صلاحيات الشرطة لتضييق الخناق على الفلسطينيين في إسرائيل، وفي الضفة الغربية.
وعند استلامه لهذا المنصب، حاول نقل الوحدة القُطرية لتطبيق قوانين التخطيط والبناء من وزارة الداخلية إلى وزارة الأمن الداخلي. هذه الوحدة هي المسؤولة عن إصدار أوامر هدم البيوت غير المرخصة.
في صيف 2015، وفي جلسة الكنيست الأخيرة وقبل خروجه لعطلته السنوية، أقر الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة، تعديل قانون السجون، أو ما أُطلق عليه تعديل التغذية القصرية، بالرغم من معارضة نقابة الأطباء للتغذية القصرية، وتهديدهم بعدم تنفيذ القانون بعد إقراره لأنه يعتبر تعذيباً للمضرب عن الطعام ومنافياً لأخلاقيات قَسَم الأطباء، وهذا التعديل قدّمه غلعاد أردان.
حسب القانون، يحقّ لمفوّض السجون، بموافقة المستشار القضائيّ للحكومة، أن يتوجّه لرئيس المحكمة المركزية بطلب السماح بمعالجة الأسير المضرب عن الطّعام طبياً من أجل كسر إضرابه عنوة. كما دعم أردان اقتراح تعديل قانون توسيع صلاحيّات الشّرطة، أو ما أطلقت عليه الصّحافة قانون التفتيش الجسدي.
وحسب القانون المعدل يحقّ لضابط لواء في شرطة إسرائيل، إذا كان لديه قلق حقيقي من أن مكاناً ما سيكون مسرحا لعمليات عدائيّة، أن يعلن عنه كمكان يُسمح فيه لأفراد الشّرطة أن يجروا تفتيشاً جسدياً على الأشخاص، حتّى إذا لم يشتبه بهم.
كذلك وضمن توجهاته الفاشية والعنصرية الوحشية، حاول أردان توسيع صلاحيات الشّرطة، وفرض الغرامات على الـمُشغِّلين في إسرائيل بكل ما يتعلّق بتشغيل الفلسطينيين من الضّفة بدون تصريح إسرائيليّ (تطلق عليهم إسرائيل مقيمين غير قانونيين).
وفي معرض تضييقه على الفلسطينيين وقمعهم، نجح الوزير أردان، نهاية عام 2015، في إخراج جمعيات المرابطات والمرابطين في المسجد الأقصى عن القانون، وذلك لتسهيل دخول المصلّين اليهود للأقصى. حاول أردان تنفيذ هذه التضييقات، بدايةً من خلال تشريع قانون بإخراج تلك الجمعيّات عن القانون، إلّا أنه تراجع، وتوجه لوزير الجيش، موشيه يعلون، ليخرج أمراً عسكرياً لتنفيذ خطوته.
يشار إلى أن هذه الخطوة جاءت بإيعاز من ناشطين صهاينة متطرفين، يسعون من أجل تقسيم مواعيد الصلاة في الأقصى. وهذه المجموعة كانت قد حاولت سابقا، في عهد وزير الأمن الداخلي السابق، أهرونوفيتش، ولم تنجح في مخططاتها، ولاقت أذناً صاغيةً لدى الوزير أردان.
وزير البيئة
كان منصب وزير البيئة هو المنصب الأول الذي يتسلّمه غلعاد أردان، وقد أغدقت عليه الصحافة مديحاً في ذلك الحين، عام 2010، لما كان له من نشاط مع جمعيات حماية الطبيعة، والجمعيات الخضراء في الحفاظ على الشاطئ من مقاولي البناء وحيتان الأعمال والمال.
ولاحقا استطاع أردان، في منصب وزير الاتصالات، أن يُحدث بعض التغييرات في سوق الاتصالات الإسرائيلي، حيث فكّك سلطة الإذاعة والبث، وألغى “ضريبة التلفزيون”، التي كانت المحفّز وراء تفكيك سلطة الإذاعة.
إعادة الجثامين الشهداء
منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، 2015، وبعد “هبّة القدس” ازدادت محاولات وعمليات الطعن التي ينفذّها فلسطينيون ضد إسرائيليين. في معظم الحالات أو المحاولات، غالبا ما تُطلق النار على المنفّذ، ويردى قتيلا، ومن ثم يحتجز جثمانه.
تنتهج إسرائيل سياستين في موضوع إعادة الجثامين للعائلات الثكلى؛ فإذا كان المنفّذ من سكان الضفة فهو يخضع في هذه الحالة، لسياسات وزارة الأمن، والتي تنصّ على إعادة الجثمان بعد فحصه، وعدم احتجازه لديها.
بينما إذا كان المنفّذ من سكان القدس الشرقية، فهو خاضع لسياسات وزارة الأمن الداخلي، (التي كان يقف على رأسها الوزير غلعاد أردان)، والتي تحتجز الجثامين لديها بأمر من وزير الأمن الداخلي.
في مقال كتبه أردان، ونشرته صحيفة هآرتس حول موضوع إعادة الجثامين في محاولة منه للدفاع عن موقفه، يقول إن “هدف عدم إعادة الجثامين هو عدم استغلال الجنازات لتظاهرات تحريضية، وتظاهرات لإلهاب الجماهير، وتعزيز الإرهاب وتشجيعه”.
وعلى حد قوله، فإن العائلات التي توافق على الدفن بجنازات صغيرة ليليّة تعاد لها جثامين أبنائها. وفي مقاله هذا، يقارن الوزير أردان بين دفن جثمان الإرهابي اليهودي باروخ غولدشتاين، منفّذ مجزرة الحرم الإبراهيمي، وبين تعليماته وشروطه لتسليم جثامين منفّذي عمليات الطعن المقدسيين.
موقفه من الفلسطينيّين
يعتبر الوزير أردان من المتطرّفين في مواقفهم تجاه الفلسطينيين، ولكنّه لا يختلف عن آراء زملائه في حزب الليكود. يؤمن أردان أن الأردن هو الدولة الفلسطينية، ولا يؤيّد إقامة دولة فلسطينيّة ذات سيادة كاملة، وإنّما يكتفي بتأييد إقامة دويلة محدودة، تقتصر مهامها على الشؤون الإدارية بدون سيادة، وذلك بشرط أن تحقيق السلام، وفقط إذا كانت هناك ضغوط دولية على إسرائيل.
كذلك، يعارض أردان إيقاف بناء المستوطنات في الضفة. وحسب أقواله، فإن المستوطنات، مثل بيت إيل وشيلوه، ذات صلة للشعب اليهودي أكثر من مناطق أخرى تحت النّفوذ الإسرائيلي.
أما بالنسبة لمطالب الفلسطينيّين بسيادة على 100% من أراضي الضفة والقطاع، فيقول أردان إن الحل يجب أن يكون إقليميا، وأن على الأردن ومصر أيضا أن يتنازلا عن أراضٍ من أجل إقامة الدّولة الفلسطينية؛ لأن الحل لا يقع على عاتق إسرائيل وحدها.
خلاصة
في السنوات الأخيرة، لمع نجم الوزير أردان بين أعضاء وناخبي الليكود. وهناك من يرى أن أردان استطاع القفز من أسفل السلم إلى أعلاه في حزب الليكود من خلال تشريعاته، لأنها تتميّز بصلتها المباشرة مع المستهلك، مثل قانون ضريبة التلفزيون- سلطة البثّ، وخوذة الرّأس لسائقي الدراجات الهوائية، ومنع التدخين في الأماكن العامة، وفصل زوايا التدخين، وغيرها.
من جهة أخرى، تتميّز تشريعاته بتضييقات على الفلسطينيين، بشكل عام، وعلى الفلسطينيين المقدسيين، بشكل خاص.