أثار دهشتي كثيرا القيادي في حركة حماس وعضو مكتبها السياسي محمد نزال بتصريحاته التي أدلى بها لموقع " الجزيرة نت " يوم الأربعاء, ذلك لان هذه التصريحات بينت بشكل واضح أن السيد نزال رغم منصبه الرفيع في حركة حماس إلا انه يفكر بعقلية من ليس له أية مسئولية سواء وطنية أو تنظيمية.
السيد محمد نزال قال في تصريحاته " نظاما برأسين لا يمكنه الاستمرار طويلا " قاصدا السلطة الوطنية الفلسطينية التي يقودها رئيس منتخب يتبع لحركة فتح وحكومة تتبع لحركة حماس وافق عليها مجلس تشريعي فلسطيني منتخب أغلبيته تتبع لحركة حماس.
السيد نزال ومن خلال عبارته تلك حاول أن يصور الوضع الفلسطيني وكأنه ضرب من اللاواقعية, أو كأنه حالة سياسية لم تحدث في تاريخ الشعوب والدول.
وهنا نقول للسيد نزال أن دولا ديموقراطية كثيرة مرت عليها أوقات كان رئيسها يتبع لحزب بينما كانت الحكومة أو الأغلبية البرلمانية تتبع لحزب آخر مخالف لحزب الرئيس, وقد حصل هذا في عهد الرئيس الأمريكي كلينتون في ولايته الثانية " على سبيل المثال ", ولم يخرب هذا الأمر النظام السياسي الأمريكي, واستمرت المؤسسة الأمريكية تعمل وفقا لمؤسساتها كل حسب اختصاصه ووفقا لصلاحياته التي يحددها له القانون والنظام الأساسي للدولة.
لكن السيد محمد نزال أراد باتهامه الصريح والواضح لمؤسسة الرئاسة الفلسطينية فيما اعتقد تحقيق غايتين: أولاهما تصدير الأزمة التي تعيشها حركة حماس إلى مؤسسة الرئاسة الفلسطينية, والثاني تخريب العلاقة الطيبة التي ما زالت سائدة حتى الآن ما بين مؤسستي الرئاسة الفلسطينية والحكومة, رغم كل هذه التباينات التي حدثت والتي من المتوقع أن تحدث مستقبلا في وجهات نظر المؤسستين.
نقول ذلك لان حركة حماس وكما هو واضح لكل مراقب أنها باتت تعاني شرخا واضحا في العلاقة ما بين مؤسستي الحكومة و الحركة من جانب وبين قيادتي الداخل والخارج من جانب آخر.
ونحن إذ نقول ذلك لا نقوله جزافا إذ أن ما حدث اثر خطاب خالد مشعل الأخير من سوريا والذي أطلق عليه فلسطينيا " خطاب الفتنة " وما تلاه من تصريحات لنائب رئيس الوزراء الدكتور ناصر الدين الشاعر " حماس " من أن تصريحات مشعل لا تمثل الحكومة, ومن ثم خروج ناطقين باسم حركة حماس عادوا وقالوا أن تصريحات مشعل إنما تعبر عن وجهة نظر الحركة وأنها بينت الأمور ووضعتها في نصابها الصحيح, إنما يدلل بشكل واضح على ما طرحناه في نقطتنا الأولى المتعلقة بوجود تباين بين مؤسستي حماس في الحكومة و قيادة التنظيم.
كما أن رفض حركة حماس اقتراح عقد مؤتمر وطني للحوار دعا إليه الرئيس الفلسطيني والذي جاءه عبر اقتراح قدمه له رئيس المجلس التشريعي, متعللين بقصة عدم وضوح أجندة المؤتمر إنما يدلل أيضا على وجود الخلاف بين مؤسستي الحكومة سواء بشقها التشريعي أو التنفيذي وبين قيادة حركة حماس.
الدليل الأخر على ما نقول هو رغبة قادة حماس في الخارج توتير العلاقة بين مؤسستي الحكومة و الرئاسة الفلسطينية " أو بعبارة أخرى توريطهم بخلافات" عبر الخروج بين الفينة والأخرى و فيما يبدو انه أمر مدروس وممنهج بتصريحات تخرب هذا الود بين الطرفين والذي يصر رئيس الوزراء الفلسطيني دائما على التأكيد عليه وعلى انه حبل لن يقطع وان الحوار بين مؤسستي الرئاسة والحكومة هو من سيسود العلاقة دائما.
أما دليلنا على النقطة الثانية والمتعلقة بوجود خلاف بين قيادتي الداخل والخارج فهو دليل واضح قد يتعدى وجود الخلاف وفقا لحالته الطبيعية ليصل إلى حالة التوريط لقيادة حماس الداخلية.
فما أُطلِقَ من ردود فعل للناطقين من حركة حماس في الداخل اثر إعلان المملكة الأردنية الهاشمية عن محاولة حماس تهريب سلاح إلى الأردن إنما يدلل بشكل واضح على نية قيادة حماس في الخارج توريط قيادة حماس في الداخل في مشاحنات وملاسنات إعلامية مع حكومة عربية هي حكومة الأردن, دون أن يحرك احدهم ساكنا يعلق به على التصريحات الأردنية.
ففي خضم عدة أيام شهدت سجالا إعلاميا بين ناطقي حماس من الداخل وبعض أعضاء حكومتها وبين الناطق باسم الحكومة الأردنية لم نشهد أحدا من قادة حماس في الخارج والموجودين في سوريا التي قالت الأردن أن الأسلحة المهربة جاءت منها والتي قالت أيضا أن احد قادة حماس المقيمين فيها هو من أصدر الأوامر للمجموعة التي هربت, والذين بالأساس هم مواطنون أردنيون. هؤلاء القادة لحماس في الخارج لم يقم أي احد منهم بالحديث ولو بمجرد كلمة لنفي التهم الأردنية بينما انبرى قادة حماس في الداخل بالدفاع عن حركتهم فيما هم ليسوا متهمين به.
وقد كان الأولى أن يقوم قادة حماس في الخارج بتوضيح الأمور الذين اتهموا هم بها, ولكن على ما يبدو أن رغبتهم بتوريط قيادة الداخل بهذا الأمر هو ما جعلهم يسكتون عن النطق ولو بكلمة واحدة.
ومن هنا فإننا نقول بما لم يعد به مجال للشك بان حركة حماس التي حذرنا مرارا وتكرارا من خلال مقالاتنا وكتاباتنا من إفشالها من خلال ممارسة ضغوط عليها باتت في حيرة من أمرها أو باتت تعيش " حالة اضطراب " داخلي وتنظيمي إذا ما استمرت فإنها ستنعكس بالسلب على الواقع الفلسطيني.
بصراحة نقول : نحن لا نتمنى لحركة حماس إلا النجاح والتوفيق في إدارة الشأن الفلسطيني, فأداء حماس إذا ما كان جيدا سواء على الصعيد التنظيمي أو من خلال مؤسسة الحكومة فانه سينعكس بشكل رائع على الجمهور الفلسطيني, أما إذا ما كان هذا الأداء غير ذلك فان شعبنا لن يحصد سوى مزيد من الماسي والأزمات.
ومن هنا فإننا ندعو الأخوة في حركة حماس لترتيب بيتهم التنظيمي وفق رؤية واضحة وبرنامج سياسي واضح تتحدد فيه الصلاحيات والمسئوليات و طبيعة العلاقة مع الأخر " أي آخر كان " بعيدا عن التباين والاختلاف.
ونحن عندما ننتقد حركة حماس ونقدم لها النصيحة إنما ننطلق من خلال حرصنا على مجتمعنا الفلسطيني وعلى استمراره في التقدم نحو مزيد من الحرية والديموقراطية ونحو مزيد من انتزاع كل ما هو ممكن من الاحتلال.
نصائحنا هذه قد تجد أذانا صاغية تستفيد منها, وقد لا تجد سوى من يشكك في نوايانا ممن لا يرون في الوطن إلا مصلحة شخصية أو حزبية.