شكراً أمي..جعلتني لقيطاً!

منشور 15 أيلول / سبتمبر 2007 - 10:17

تقرير: بسام العنتري

صور الرضيعة التي كادت تهرسها سيارة النفايات تملأ الصحف ولا بد ان امها رأتها، فهل شعرت بالندم؟ ام انها استشاطت غضبا لنجاة وئيدتها الغضة من الميتة البشعة التي دبرتها لها؟!.

ربما ستبقى اجابة هذا السؤال مجهولة، حال هوية تلك الام والاسباب التي دفعتها الى لف وليدتها ببشكير اخضر قبل دسها داخل كرتونة القتها في احدى الحاويات بمنطقة زهران في العاصمة الاردنية عمان.

الرضيعة التي بدا ان امها كانت في عجالة للتخلص منها حتى انها لم تنتظر فصل حبلها السري، دخلت الان سجلات "مجهولي النسب"، لتنضم بذلك الى 26 طفلا آخر التقطهم الناس من على قارعة الطريق منذ بداية العام.

ويشمل هذا العدد لقيطين اخرين عثر عليهما في عمان خلال اليومين اللذين تليا حادثة هذه الرضيعة.

ويعتبر هذا العدد قياسيا بالمقارنة مع عدد اللقطاء الذين يعثر عليهم سنويا في الاردن، والذي يتراوح بين 12 و16 لقيطا بحسب رئيس المركز الوطني للطب الشرعي مؤمن الحديدي.

على ان بعض هؤلاء يعثر عليهم بعد ان يكونوا قد فارقوا الحياة كما يوضح الحديدي.

ويعتمد بقاء اللقطاء على قيد الحياة الى حد كبير على الظروف والامكنة التي يلقون فيها من قبل امهاتهم اللواتي يلذن بالفرار متسترات بعتمة الليل.

وعادة يجري التخلص من اللقطاء في اماكن يسهل على الاخرين العثور عليهم فيها، كالمساجد والارصفة وعتبات البيوت والمؤسسات الخيرية.

وفي حالة اللقيطين اللذين عثر عليهما اخيرا، فقد وضع احدهما داخل مسجد في جبل الحسين والاخر على رصيف شارع خلف الجامعة الاردنية.

وبالنسبة للقيط الاول، وهو طفلة، فقد ذكرت صحيفة "الغد" نقلا عن مصدر امني ان امها تركتها داخل المسجد حيث عثر عليها المصلون وقاموا بابلاغ الشرطة التي سلمتها بدورها الى الجهات المختصة.

وعثر على اللقيط الثاني خلف الجامعة بعد ان سمع احد المارة صوت بكائه. وعلق مصدر امني للصحيفة على حادثة العثور على اللقيطين قائلا "إن وراء كل طفل لقيط جريمة بشعة، حيث ان اللقيط يكون آخر آثار الجريمة التي تحاول الام الخلاص من نتائجها من دون اكتشاف هويتها".

تململت فكتبت لها النجاة!

وفقا للظروف التي عثر فيها على الرضيعة التي القيت في الحاوية، فقد كانت احتمالات مقتلها هرسا في سيارة النفايات كبيرة جدا، لكن تململها داخل الكرتونة التي دستها امها فيها انقذها من هذه الميتة البشعة.

وبحسب ما تذكره وكالة الانباء الاردنية (بترا)، فقد نبهت حركتها في اللحظات الاخيرة عامل النظافة

الذي كان يهم بالقامها الى كابسة النفايات.

وتنقل الوكالة عن رئيس قسم البيئة في منطقة زهران في العاصمة قوله ان عامل النظافة ويدعى عبدالله موسى "وقبل أن يلقي بكيس القمامة في الكابسة النفايات شعر بحركة داخل الكيس فأبلغ زميله كايد نبيل بأن هناك شيئا ما يتحرك بالكيس ففتحه ليجد بداخله كرتونة وفيها طفلة ملفوفة ببشكير أخضر اللون".

واوضح مدير المستشفى محمد الروابدة أن الرضيعة "لا يتجاوز عمرها الساعتين الى ثلاث ساعات حسب تقدير طبيب الاطفال ويبلغ وزنها 2 كيلوغرام و750 غراما وحالتها الصحية مستقرة".

وقال الروابدة أنه "تم اجراء الفحوصات المخبرية اللازمة للطفلة ونظرا لعدم انتظام ضربات القلب طلب طبيب الأطفال بأخذ صورة "ايكو" لاشتباهه بوجود تشوه خلقي في القلب وتم اعطاؤها المضادات الحيوية اللازمة الاحترازية كونها وجدت في مكان ملوث".

وبين أن "الحبل السري للطفلة وجد مربوطا بملقط طبي يستخدم في غرف عمليات الولاده بالمستشفيات"، موضحا أن "هذا النوع من الملاقط الطبية يستخدم من قبل القابلات القانونيات ايضا كونه يباع من قبل شركات الأجهزة الطبية".

واستبعد الروابدة ان تكون الطفلة ولدت في مستشفى حكومي بسبب ان هذه المستشفيات تشترط "إحضار دفتر العائلة للولادة عند الدخول".

ولاحقا اعلن مدير مديرية الاسرة والحماية في وزارة التنمية الاجتماعية محمد الخرابشة للوكالة ان الرضيعة جرى ادخالها الى قسم حديثي الولادة الذي يستقبل المواليد من عمر يوم الى سنة ونصف السنة في مؤسسة الحسين الاجتماعية التابعة للوزارة.

واضاف ان الطفلة تلقت الرعاية الطبية واجريت لها الفحوصات الطبية..موضحا انه تم اطلاق اسم عليها الا انه بحسب قانون الاحداث يمنع نشر اسم الطفلة او التقاط صور لها. ومن جانبها اعلنت مديرية الامن العام التي فتحت تحقيقا "لمعرفة ملابسات القصة" انها قررت غلق هذا الملف. وقال الناطق الاعلامي في مديرية الامن العام الرائد بشير الدعجه لوكالة الانباء أن ملف القضية "تم اغلاقه نتيجة عدم التوصل الى معرفة ذويها وتم تسليمها الى مؤسسة الحسين الاجتماعية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية لتصبح من مسؤوليتها بتقديم الرعاية لها".

على قوائم الاحتضان

الرضيعة، وبحسب الخرابشة سيوضع اسمها على قوائم الاحتضان ليصار الى احتضانها من قبل الاسرة المستوفية للشروط ليتم مخاطبة دائرة الاحوال المدنية لاصدار شهادة ميلاد وجواز سفر لها بعد اختيار اسم ثلاثي او رباعي لها لا علاقة له باحد. ووفقا لشروط خاصة، يحق لأسر لا يوجد لديها أطفال التقدم بطلب لاحتضان طفل من مجهولي النسب، بحسب الخرابشة الذي أوضح لصحيفة "الغد" أن نحو 21 طفلا من هؤلاء استفاد من برنامج الاحتضان منذ مطلع العام الحالي مقابل 25 طفلا العام الماضي.

وتشمل تلك الشروط أن تكون الأسرة مسلمة وأمضى الزوجان 5 سنوات في زواجهما، فضلا عن كون الزوج أو كلا الزوجين غير قادرين على الإنجاب.

كما يشترط أن لا يزيد عمر الزوج على 55 عاما ولا يقل عن 35، وأن لا يزيد عمر الزوجة على 50 ولا يقل عن 30 عاما.

وتنص كذلك على ضرورة تمتع الزوجين بأوضاع صحية ونفسية جيدة، والقدرة على توفير وسائل الرعاية الصحية والتعليمية والأسرية الجيدة كافة. كما تشترط أن لا يقل دخل الأسرة عن 350 دينارا.

ويعمل في الاسلام بمبدأ الاحتضان، وليس التبني بمعني إلحاق اللقيط بغير أبيه أو إعطائه اسم ملتقطه ذلك ان هذا لا يجوز قطعاً لقوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم}.

ومجهولو النسب وفق اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية هم "في حكم اليتيم لفقدهم لوالديهم، بل هم أشد حاجة للعناية والرعاية من معروفي النسب لعدم معرفة قريب يلجأون إليه عند الضرورة".

ثمرة الخطيئة والفقر

اللقطاء وفق الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، هم نتاج علاقات محرمة وانحرافات جنسية او اوضاع اقتصادية خانقة.

ويجمل الخبراء اسباب الظاهرة في الفقر والعلاقات غير الشرعية المحرمة، وازدياد الاختلاط بين الذكور والإناث، ونقص التوعية الجنسية لفئة المراهقين ونقص الوازع الديني، والتمييز بين الجنسين بما قد يؤدي إلى التخلص من الإناث عن طريق رميهن.
ويضاف الى ذلك فقدان الحب والروابط الأسرية مما يؤدي بالفتيات إلى البحث عن الحب خارج الأسرة وقد يتعرضن للخداع.
ولا يمكن اهمال تفشي الزواج العرفي والتخلي عن الأطفال، وكذلك البطالة والفقر وما يرتبط بهما من زيادة معدلات الجرائم ومنها الاغتصاب.

رسالة من لقيط

وبعيدا عن التحليلات للاسباب والدوافع، يظل اللقطاء هم الضحايا الذين يدفعون اثمان خطايا لا يد لهم فيها، ويعيشون حياتهم مطاردين بكابوس تلك الخطايا كأنهم من اقترفها.

وفي رسالة من لقيط مجهول يتم تداولها عبر مواقع الإنترنت يعرض هذا الكائن البشري معاناته والامه النفسية والعاطفية مع واقعه كلقيط..تقول الرسالة:

"اليوم قررت أن أخترق حواجز الصمت لتصلكم صرخاتي، غير أنني لا أدري لمن أوجهها ومن أين أبدأها؟".

"هل أبدأها حين لم أكن أعي غير أنني طفل يضمه بيت كبير يسمونه ملجأ وحوله أطفال كثر لم أكن أعرف عنهم الكثير؟ أم من سنوات المراهقة، حين اكتشفت أن مكونات الأسرة هي أب وأم وأبناء!".

"لكن من هو الأب؟ ومن هي الأم التي يسمونها نبع الحنان؟ بالأمس نظرت في المرآة، تأملت وجه شاب ليس غريباً علي تبسمت وسألت نفسي هل أشبه والدي؟ أم أشبه والدتي؟ لا بد أن شعري الناعم مثل شعر أمي؟! سؤال غبي فليس من حقي أن أعرف هذه المعلومات".

"البعض يهرب مني والبعض الآخر يحذر أبناءه مني، هل تعلمون أنني إنسان مثلكم هل تعلمون أنني لا أحمل مرضاً معدياً لتفرّوا مني؟!".

(ينشر بالتزامن مع صحيفة "النشمية")


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك