طفرة النفط وحتمية الوفاق السياسي في الجزائر

منشور 30 حزيران / يونيو 2022 - 05:22
طفرة النفط وحتمية الوفاق السياسي في الجزائر

يعتبر كشف وزير الطاقة الجزائري عن توقعات بلاده بتحقيق سقف 50 مليار دولار خلال العام الجاري من عائدات النفط والغاز، مكسبا لم تكن السلطة تحلم به إلى غاية أشهر قليلة، بسبب حالة اليأس التي خيمت على وتيرة الاقتصاد المحلي منذ العام 2014.

ورغم أن بيانات هيئات دولية تشدد على أن التوازنات الحقيقية للاقتصاد الجزائري لن تتحقق إلا ببلوغ سعر النفط 130 دولارا للبرميل، إلا أن أسعار الطاقة التي لم تنزل عن سقف الـ100 دولار منذ عدة أشهر، مكنت السلطة من التقاط أنفاسها بعد سنوات من التخبط والارتباك في التعاطي مع أزمة مركبة انصهر فيها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

لكن رغم ذلك يبقى الريع النفطي هاجسا حقيقيا للحكومات المتعاقبة في البلاد، فإذا انهار أدى إلى الشد القسري للأحزمة، وإذا استعاد عافيته أعاد سيناريو النهب والتبديد الذي صدم الجميع بعد ضياع أكثر من تريليون دولار في 15 عاما فقط.

ولحسن حظ السلطة أن طفرة أسعار الطاقة التي فجّرتها الأزمة الأوكرانية، أنقذتها من ثورة جوع كانت في الأفق، ولكن إفلاتها من ثورة الحراك الشعبي السلمي، لم يكفل لها بعد المرور إلى بر الأمان، لأن درجة الغليان الاجتماعي كانت عالية، حيث لم يبق لها إلا التقليص الحاد من الواردات رغم الاحتياجات المحلية المتصاعدة.

 وبات حينها من الصعب العثور على علبة “باراسيتامول” في الصيدليات، لأن الحكومة أوقفت كل ما هو مستورد بدعوى حماية المنتج المحلي، بينما الحقيقة كانت الحفاظ على ما بقي في خزينة النقد من عملات أجنبية.

يمكن إغراء الناس بزيادة الرواتب وتحسين الخدمات، لكن لا يمكن أن يكون الأمر ذا جدوى إن لم يترافق بحلحلة التداعيات المتصلة بالأزمة السياسية

وإذا كانت الصورة تعطي الانطباع بأن تنفس الصعداء على مستوى العائدات يتيح للسلطة إشهار ورقة السلم الاجتماعي مجددا، كما حدث مع استحداث منحة البطالة التي تكلف الخزينة العمومية إلى حد الآن نحو مليار دولار، فإن استغلال وتوجيه العائدات وتلافي السيناريوهات السابقة، يضع الحكومة في مواجهة متاعب التسيير المالي.

والسلطة الجديدة بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون، المهووسة بعقدة الشرعية الشعبية، لم يكن بوسعها أن تفتح الرهان على مغازلة الشارع، لولا ورقة العائدات النفطية التي توظفها في امتصاص غضب الشارع، وشراء السلم الاجتماعي، مرة بالرواتب وأخرى بالمنح الاجتماعية.

وإذا كانت العائدات النفطية قادرة على تفكيك الألغام الاجتماعية، وبإمكانها تحريك الوتيرة الاقتصادية وإتلاف إحدى أهم الأوراق الهامة التي تمسكها المعارضة، لأنها ترى بأن الفشل هو انطباع شامل للسلطة الحاكمة، فإن السلم الأهلي في حاجة أيضا إلى تهدئة الجبهة السياسية، فالنجاح إما أن يكون شاملا لمختلف الجبهات، وإلا لا صدى له إذا كان نسبيا أو إقصائيا.

يمكن إغراء الناس بزيادة الرواتب وتحسين الخدمات، لكن لا يمكن أن يكون الأمر ذا جدوى إن لم يترافق بحلحلة التداعيات المتصلة بالأزمة السياسية كما هو الشأن في الجزائر، لأن المنفق للمال العام لن يحوز على الثقة إذا لم يكن متمتعا بالشرعية السياسية اللازمة.

فكما يمكن للحكومة أن تقنع شعبها باتخاذ إجراءات مؤلمة إذا احتاجت إليها من أجل النهوض الاقتصادي، وتحوز على دعمه وتأييده لأنه يثق بها، يمكن لها أيضا أن توفّر المؤسسات التمثيلية والرقابية وتضمن مبدأ التداول على السلطة وتحافظ على الحريات والحقوق، لأنّ الاقتصاد يحتاج إلى استقرار سياسي وسلم اجتماعي ومناخ نزيه وشفاف.

والجزائر التي خرجت من عنق الزجاجة بفضل طفرة الطاقة، واستطاعت تفكيك العديد من الألغام الاجتماعية، تحتّم على السلطة الحاكمة إسباغ حالة من الاستقرار السياسي في البلاد، بكسر الفجوة الفاصلة بينها وبين الشارع، فالحديث عن جبهة داخلية متماسكة لا يمكن أن يتحقق بالخطابات الشعبوية وبالأذرع الموالية، وإنما بكسر الحواجز النفسية بينها وبين المعارضة الحقيقية لبلورة قواسم مشتركة تغطي الجميع مهما كانت الاختلافات السياسية والأيديولوجية.

ويبقى التوافق السياسي بين جميع الأطراف، هو المنصة الوحيدة لإطلاق أيّ خيارات أو قرارات اقتصادية واجتماعية، وتوجه الحكومة إلى مراجعة الدعم الاجتماعي الشامل هو واحد من التحديات التي تستوجب فتح نقاش جاد وعميق يشترك فيه الجميع، لتحقيق المعادلة المنشودة وهي الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة بعيدا عن العشوائية والفساد.

وما يتوجب على السلطة تجاوزه هو الخروج من دائرة المناورة السياسية، وتطليق أسلوب “المونولوج السياسي”، لأن انفتاح السلطة على أذرعها السياسية الأهلية، والرهان على نخب مهترئة، هو تكرار لتجارب فاشلة في الماضي، حيث بقي قطاع عريض من الجزائريين خارج صناعة القرار الاقتصادي والسياسي، والسلطة الحالية عاشت تجربة الحراك الشعبي ويمكن لها أن تلامس القوى الحقيقية والفعلية المؤثرة في الشارع.

ولعل أكبر درس يتوجب حفظه جيدا، أن الجزائر حققت عائدات خرافية فاقت التريليون دولار بين عام 1999 و2014، عندما اعتقد الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة أن شراء السلم الاجتماعي والذمم وإشاعة الرشوة والفساد هو ما يبعد العيون عن خلوده في السلطة، لينتهي به المطاف منبوذا من طرف شعبه. ولعل أكبر خطأ ارتكبه هو حصر السلطة في شخصه ونظامه ومحيطه، وغلق الأبواب في وجه الآخرين إلى أن اهتزت الأرض من تحت قدميه في فبراير 2019.

وضع مشابه أو مكرر ذلك الذي يعيشه الرئيس تبون، في الوقت الحالي، فتنفس خزينة الدولة وتحرك وتيرة الاقتصاد، لا يستوجبان أن يكون مصدر غرور للسلطة، وما تتطلبه المرحلة يحتم على السلطة إرساء جبهة داخلية حقيقية قوامها كل الجزائريين مهما كانت مواقفهم وتوجهاتهم، وإلا كان مجرد بوتفليقة آخر لا غير.

صابر بليدي - العرب


© 2000 - 2022 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك