عثمانية أردوغان تزداد شعبوية مع اقتراب موعد الاستفتاء

منشور 22 آذار / مارس 2017 - 09:09
عثمانية أردوغان تزداد شعبوية مع اقتراب موعد الاستفتاء
عثمانية أردوغان تزداد شعبوية مع اقتراب موعد الاستفتاء

يرى مراقبون أتراك أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يملك معطيات تجعله قلقا من مآلات الاستفتاء حول الإصلاحات الدستورية المزمع إجراؤه في الـ16 من أبريل المقبل. ورغم أن لا إحصاءات أو توقعات ذات مصداقية بالإمكان التعويل عليها في تركيا، إلا أن نظام الحكم في أنقرة ليس ضامنا لحصول التعديلات على نسبة تصويت مؤيدة عالية والتي من شأنها تمرير التعديلات التي ستمنح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صلاحيات واسعة تجعل منه الحاكم الأساسي للبلاد.

ويعتبر بعض الدارسين الغربيين للشؤون التركية أن تركيا فقدت بعد محاولة الانقلاب في يوليو من العام الماضي الشفافية التي تسمح لها بقياس توجهات الناخبين وتقلب مزاجهم الانتخابي. ويستند هؤلاء في تقييمهم هذا على حملة القمع الكبرى التي طالت قطاعات تركيا المختلفة سواء داخل مؤسسات الدولة أو المؤسسات الرقابية الأهلية التي تتناسل من المجتمع المدني والصحافة والإعلام.

وطالت تدابير التطهير مئات الآلاف من العاملين في قطاعات القضاء والتربية والتعليم والشرطة والجيش وغيرها من مؤسسات الدولة، كما طالت التدابير صحافيين ومؤسسات إعلامية وصحافية، ناهيك عن اعتقالات طالت الأوساط المعارضة تحت مسوغ الارتباط بمنظمات إرهابية.

الكثير من مؤيدي حزب العدالة والتنمية لا يوافقون على تحوله إلى حزب حاكم كما في الأنظمة التوتاليتارية المتقادمة

 

الكيان الموازي

 

بغض النظر عن التقارير الدولية التي تحدثت عن تراجع مستوى الحريات وحقوق الإنسان في تركيا، فإن رد فعل السلطات التركية منذ محاولة الانقلاب جعلت شبهة العلاقة بما يطلق عليه في تركيا “الكيان الموازي” أضحت تلصق بسهولة بأي صوت معارض أو أي جماعة أو تيار يعبر عن تبرّم من سياسات الحكومة ومواقف رئيس الدولة.

وفيما استطاع حزب العدالة والتنمية من تمرير التعديلات الدستورية في البرلمان مستندا على تحالفات تسوية مع برلمانيين من خارج الحزب الحاكم، فإن إخضاع هذه التعديلات للاستفتاء الشعبي قد يحمل مفاجآت غير سارة، خصوصا وأن ذلك الاقتراع، بحكم طابعه الشعبي، لا يخضع لحسابات الأحزاب وصفقاتها الداخلية كما لا يتأثر بحسابات المواقع والمناصب التي تؤثر على سياق الانتخابات التشريعية أو البلدية.

وتخشى أوساط الحزب الحاكم من الذهاب بعيدا في التعويل على الكتلة الناخبة المضمونة لحزب العدالة والتنمية، ذلك أن مؤيدي الحزب قد يصوتون بحماسة لمنحه موقعا رحبا في صدارة المشهد السياسي الحاكم في البلاد، وقد يسرّهم تثبيت رجب طيب أردوغان على رأس البلاد، لكن الكثير منهم قد لا يوافقون على تحوّل الحزب إلى حزب حاكم كما في الأنظمة التوتاليتارية المتقادمة، وقد لا يوافقون على تحوّل أردوغان إلى رئيس فوق العادة تجعله التعديلات “سلطانا” على حواف الدكتاتورية.

ورغم أن المعارضة التركية جاهرت برفض هذه الإصلاحات الدستورية ورفضت انتقال تركيا إلى النظام الرئاسي، إلا أن اللعبة البرلمانية وحسابات الحصص داخل البرلمان أجهضتا سعيها لتقويض مسعى الحكومة التركية في هذا الصدد. والظاهر أن هذه المعارضة بمشاربها التركية الأتاتوركية العلمانية والقومية واليسارية، أو تلك الكردية التي تشكل كتلة اقتراعية وازنة، تعوّل على اقتراع أبريل المقبل للتعبير عن تمردها على مسلمة “العدالة والتنمية” وزعيمه في حكم البلاد، وهي تستغل المناسبة التي أرادها الحزب تتويجا لحكمه وحكم زعيمه من أجل النجاح في إعادة ضبط عقارب الرئيس أردوغان وفق الساعة التي يفضلها الأتراك في القرن الحادي والعشرين.

وتجمع الأوساط التركية المراقبة على أن توجّه أردوغان نحو الناخب التركي في أوروبا هدفه تعويض ما يمكن أن يخسره من داخل الكتلة الاقتراعية لأتراك الداخل. وتتحدث المعلومات عن أن أتراك الخارج تجمعهم العصبية التركية كأقلية داخل المجتمعات الأوروبية أكثر مما تفرقهم الانتماءات السياسية، وبالتالي بالإمكان الاشتغال على هذا العامل للغرف من داخل هذه الكتلة لصالح التعديلات الدستورية. ثم إن حراك المواطنين الأتراك من أصول كردية في الخارج يسعّر من تلك الحساسية التقليدية القديمة التي تفصل العصبيات التركية والكردية، وبالتالي فإن الاشتغال على هذه المسألة أيضا يسوّق لأردوغان الدفاع عن الأتراك والعصبية التركية في داخل البلاد كما في خارجها. ويرصد المراقبون قواعد يعمل على أساسها الرئيس التركي لإقناع الناخبين بصحة الخيار الدستوري الذي سيحول تركيا نحو النظام الرئاسي. ففيما كانت حجج الرئيس التركي تستند على نفي أي طابع دكتاتوري عن النظام الرئاسي مستعينا بمثال النظم الرئاسية المعمول بها في الولايات المتحدة وفرنسا مثلا، أضحت هذه الحجج تأخذ طابعا مدافعا عن تركيا بصفتها دولة مسلمة تتعرض لهجمات وانتقادات وأطماع من قبل العالم غير المسلم.

 

لغة شعبوية

يرى المراقبون أن هذا المنحى نقل النقاش من إطاره القانوني الدستوري السياسي الداخلي إلى إطار وضع الأمر في سياق الدفاع عن تركيا وعن الإسلام. ويستنتج العارفون في شؤون السياسة التركية أن أردوغان بات يعوّل على مخاطبة العامة بلغة غريزية بسيطة تشبه تلك التي استخدمت لتمرير البريكست البريطاني وتلك التي نجحت في انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. ويضيف هؤلاء أن أردوغان يعرف أنه لا يستطيع أن يربح لدى الشرائح التركية المرتبطة بقيم الحداثة أو تلك المتعلقة بالقيم الأتاتوركية، كما لا يمكنه اختراق الشرائح الكردية أو الشرائح التي تنتمي إلى الأقليات الدينية والعرقية.

وعليه فإن الرجل يلح في طلب الدعم من العامة الذين تقودهم عصبيتهم التركية والإسلامية على حد السواء. ويؤكد دبلوماسيون أوروبيون أن الأوساط الأوروبية تدرك تماما الحوافز الانتخابية للتصعيد الذي يتقصده الرئيس التركي ضد دول الاتحاد الأوروبي، وتعرف أن كلام الحملات الانتخابية سينسى حال تحقيق أردوغان ما يصبو إليه في اقتراع أبريل. لكن هذه الأوساط تعترف أنها لم تكن تتوقع أن يصل حجم الشتائم التي يكيلها أردوغان لحكومات أوروبا، لا سيما هولندا وألمانيا، إلى هذه الدرجة من الإسفاف الذي لا يتسق مع قواعد تعامل الدول في ما بينها، خصوصا بين تلك التي تجمعها اتفاقات ومعاهدات، سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو داخل الناتو.

وتقول أوساط أوروبية مراقبة إن أردوغان لا يدرك الوقع التاريخي لاستخدام تهمة النازية التي ألصقها بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته، ومعانيها الجارحة لدى المجتمع الألماني ونخبه السياسية، وأن شتائمه لم تفعل إلا تشويه صورة أردوغان نفسه لدى المجتمع الغربي برمته دون أن يكون الاتهام بالنازية عاملا ضامنا لتقوية شعبيته لدى أتراك أوروبا.

وفيما يؤكد مراقبون أوروبيون أن أردوغان استفاد من تصعيده المفتعل ضد بعض الزعماء الأوروبيين في تصليب عصبية تركية لدى المواطنين من أصول تركية في دول الاتحاد، وبالتالي من ضمان صب أصوات أكثرهم لصالحه بصفته الرئيس المدافع عن هذه العصبية بلدا وشعبا، لكنه يخاطر بهذه المناسبة، بمستقبل هؤلاء الأتراك في أوروبا كما بمستقبل تركيا نفسها مع الاتحاد الأوروبي.

ويلفت مراقبون أتراك إلى مفارقة سوريالية لجهة أن أحد الروافد الأساسية لحكم أردوغان وحزبه استند على الاتفاقات الاقتصادية التي تم توقيعها مع الاتحاد الأوروبي والتي تقف وراء نسب النمو التي سجلتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، فيما يبدو أن بقاء أردوغان وحزبه في السلطة بات يستند على رافعة جديدة عمادها الهجوم على أوروبا وزعمائها والعمل على تعميق الهوة بين تركيا والاتحاد كما بين الأتراك والأوروبيين.

مواضيع ممكن أن تعجبك