استحوذ عشق مفاجئ لسنة العراق على الاكراد والشيعة الذين راحوا يتسابقون مؤخرا على كسب قلب عدو الامس، كما تملك هذا العشق حلفاءهم الاميركيين الذين تحولوا الى السنة بهواهم باعتبارهم "المخلص المنتظر" لقواتهم وللبلاد، وليس الشيعة كما توهموا حين "نزوة".
فقد اعلن الحزبان الكرديان الاساسيان اللذان كانا بمثابة بيضة القبان التي اوصلت الشيعة الى الحكم، انهم وقعوا اتفاقا ثلاثيا مع الحزب الاسلامي ابرز احزاب العرب السنة في البلاد، والذي كان بالامس عدوا معلنا.
واعلن الاتفاق في مؤتمر صحافي في منتجع في كردستان العراق بحضور الرئيس العراقي جلال طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني ورئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني ونائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي رئيس الحزب الاسلامي.
وفي مسعى لطمأنة الشيعة، وربما تحاشي غضبتهم، اعلن طالباني "ان هذا الاتفاق ليس موجها ضد احد" موضحا ان "هذا التحالف قديم واليوم وثقت هذه العلاقة بين الاحزاب الثلاثة".
واضاف "تم التوقيع على وثيقة سبق ان تناولناها بيننا منذ سنة وهي ليست ضد اي تحالف بل بالعكس هي تكملة للتحالفات الاخرى ونحن ملتزمون بتحالفاتنا السابقة كما الاخوة في الحزب الاسلامي ملتزمون بتحالفاتهم الاخرى".
من جانبه اعتبر هاشمي ان الاتفاق يكشف عن ان "الطيف السياسي والتكتلات السياسية معرضة للتغير بسبب ركود العملية السياسية اليوم".
وتوقع "ان تحصل تغييرات كثيرة في التكتلات السياسية القائمة حاليا وفي مستقبل قريب" مضيفا ان مذكرة التفاهم التي وقعت "لا ترقى الى مستوى التكتل السياسي ولذلك لا نريد ان نوصل رسالة مغلوطة ان هذا التفاهم الذي تحقق اليوم (الاثنين) هو موجه ضد طرف معين".
وتابع الهاشمي "نحن كحزب اسلامي منفتحون على اي خيارات تخدم المشروع الوطني وتدفع بالعملية السياسية الى الامام وتنشط مشروع المصالحة الوطنية".
واكد ان "مذكرة التفاهم هذه ليست بديلا عن التحالف الرباعي" في اشارة الى التحالف الذي ابرمه الحزبان الكرديان مع المجلس الاعلى الاسلامي بزعامة عبد العزيز الحكيم و حزب الدعوة بزعامة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
وكان تشكيل التحالف الرباعي محاولة من المالكي لتعزيز حكومته التي اضعفتها النزاعات بين قادة الكتل الشيعية والاكراد والسنة حول مسائل امنية وسياسية واجتماعية ما ادى الى تاخير سن قوانين مهمة خصوصا بعد انسحاب الوزراء السنة من الحكومة.
ترحيب شيعي!
وفي موقف غير متوقع، رحب سامي العسكري القيادي في حزب الدعوة الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء نوري المالكي بالاتفاق الثلاثاء، واعتبره خطوة في اتجاه انضمام الحزب الاسلامي الى التحالف الرباعي.
وقال العسكري لصحيفة "الشرق الاوسط" الاربعاء، ان الاتفاق "خطوة ايجابية لصالح الحكومة". واضاف انه يرمي الى عودة الوزراء المستقيلين الى حكومة المالكي.
وكانت جبهة التوافق، التي يعد الحزب الاسلامي احد اركانها، قد سحبت مطلع اب/أغسطس وزراءها من الحكومة احتجاجا على عدم تلبية مطالبها التي تدعو الى منح الجبهة دورا اكبر في العملية السياسية.
وكشف العسكري أن طالباني "نسق هذا الأمر مع المالكي..لضم الحزب الاسلامي الى التحالف الرباعي".
واتفق النائب محمود عثمان عن التحالف الكردستاني مع تصريحات العسكري وقال ان "الجانب الكردي له علاقات طيبة مع الحكومة ويطمح ان تكون له علاقة مع المكون السني". وقال عثمان ان التحالف الكردستاني يحاول ان "يضم الحزب الاسلامي الى التحالف الرباعي ليصبح تحالفا خماسيا".
هوى اميركي
وفي موازاة مساعي الاكراد والشيعة لاستقطاب السنة راحت واشنطن، التي لعبت دورا كبيرا في الضغط لدمج السنة في العملية السياسية، تغدق المديح على قوات الصحوة التي شكلتها العشائر السنية، وترفع الصوت بالرفض لضغوط الشيعة الرامية الى حل هذه القوات.
وجاء هذا الموقف من تلك القوات متساوقا مع هوى واشنطن الذي مال الى هذا الطيف العراقي منذ ازاح عن كاهلها كابوس العنف في المناطق الغربية من العراق خصوصا، وذلك في وقت كان الشيعة الذين اعتبروا في احد الاوقات حليفا صلدا، يواصلون اثارة القلاقل في مناطق كان مفترضا ان تكون آمنة، معيقين بذلك مساعي ادارة الرئيس جورج بوش لتهيئة الاجواء لسحب بعض قواته من العراق وتخفيف الضغوط التي يرزح تحتها في بلاده.
ولعل ما لعب دورا ايضا في هذا التحول الاميركي ما يشاع عن اتفاق سري ابرمته واشنطن مع طهران والتزمت الاخيرة بموجبه بلجم الاحزاب الشيعية وتقييد هجماتها التي تستهدف السنة بهدف اتاحة المجال لهؤلاء للتحرك ضد القاعدة في مناطقهم.
وبدا الموقف الاميركي في اوضح تجلياته عبر دعوات قائد عسكري أميركي كبير إلى الاعتراف بمجالس الصحوة ومكافأة عناصرها على جهودهم في استتباب الأمن، محذرا في حال عدم استيعابهم من ضياع المكاسب الأمنية التي تحققت في الأشهر الستة الماضية.
ويأتي هذا التحذير بعدما وأشار قائد كتيبة المشاة الثالثة في الجيش الأميركي الجنرال ريك ليانتش إلى أن الفضل في استتباب الأمن في المنطقة التي يقودها جنوب بغداد يعود لقوات الصحوة، معترفا أن مجالس الصحوة خفضت العنف في المنطقة بنحو 75%.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن الجنرال الأميركي تحذيره من عودة المسلحين في مجالس الصحوة لقتال القوات الأميركية والعراقية إذا لم توفر لهم وظائف.
وأوضح أن عدد عناصر مجالس الصحوة في منطقته بلغ 26 ألفا من أصل سبعين ألفا منتشرين في أنحاء العراق، متوقعا زيادة عدد المسلحين المنضوين تحت هذه المجالس بـ45 ألفا إضافية في الأشهر القليلة القادمة.
ويخطط المسؤولون الأميركيون إلى دمج عشرين ألفا من عناصر الصحوة في قوات الأمن العراقية.
ومع اشتداد حدة الخلاف بين أطياف السياسة العراقية بشأن الموقف من قوات الصحوة، حذر طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي الاثنين من أن الفشل في دمج قوات الصحوة بقوات الأمن العراقية سيعرض للخطر التحسن الذي طرأ مؤخرا على الأوضاع الأمنية.