عودة العنف تبرز تحولا في صورة القاعدة

منشور 13 حزيران / يونيو 2014 - 04:44

في العراق.. تهدد جماعة منشقة عن تنظيم القاعدة بغداد بعد أن سيطرت على مدن وبلدات رئيسية. في باكستان.. هاجمت حركة طالبان مطارا رئيسيا مرتين في أسبوع واحد. وفي نيجيريا.. تلقى باللائمة على جماعة بوكو حرام الإسلامية المتشددة في عملية خطف جماعي.

سلسلة الهجمات التي نفذها متشددون خلال الأسبوع الأخير ما هي إلا تذكرة بأن خطر تنظيم القاعدة الذي كان يعمل منفردا يوما أخذ منحى مختلفا منذ مقتل زعيمه أسامة بن لادن إذ انبثقت عنه فصائل إسلامية أصغر يعمل كل منها بشكل مستقل إلى حد كبير حتى أن بعضها يطغى في بعض الحالات على الجماعة الأم.

كل فصيل مختلف وتحركه دوافع سياسية ومذهبية محلية. لكن العنف الذي ازدادت وتيرته هذا الأسبوع يعد مقياسا لمدى مطامح هذه الجماعات والخطر الذي يحتمل أن تشكله على الغرب على المدى الطويل.

وبين عامي 2010 و2013 ارتفع عدد الجماعات المنبثقة عن القاعدة والمرتبطة بها بنسبة 58 في المئة وزاد عدد "الجهاديين السلفيين" بأكثر من المثلين وفقا لتقرير أعدته مؤسسة راند للأبحاث.

قال دانييل بنجامين منسق مكافحة الإرهاب السابق بوزارة الخارجية الأمريكية إنه كان "أكثر تفاؤلا بكثير قبل 18 شهرا عنه ... الآن."

وما من مثال أوضح من سقوط شمال العراق الذي أثار احتمال تفكك البلاد كدولة موحدة.

سيطر مقاتلو الدولة الإسلامية في العراق والشام -وهي جماعة سنية منشقة على القاعدة- على مدينة الموصل الشمالية يوم الثلاثاء ثم سيطروا على منطقة إلى الجنوب يوم الأربعاء واستولوا على مدينة تكريت وهم يهددون الآن العاصمة بغداد.

وذكرت مصادر أمنية يوم الجمعة إن بلدتي السعيدية وجلولاء سقطتا في أيدي المتشددين المسلحين بالإضافة لعدة قرى حول جبال حمرين والتي طالما كانت مخبأ للمتشددين.

ويستغل المتشددون الاستياء البالغ بين الأقلية السنية بالعراق التي فقدت السلطة حين أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين عام 2003. وظل إقصاء السنة عن حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي التي يهيمن عليها الشيعة وعن جيشه الذي دربته الولايات المتحدة يتزايد منذ الانسحاب الأمريكي في 2011.

وساعد هذا على تقدم مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام بشكل مذهل. وتسعى الجماعة لإقامة خلافة إسلامية في العراق وسوريا التي أصبحت فيها الجماعة واحدة من أشد القوى المقاتلة في الحرب الأهلية الدائرة هناك.

وتبرز الدولة الإسلامية في العراق والشام تعقيد المشهد الجديد الذي يضم العديد من الجماعات المتشددة. وكانت الجماعة قد انشقت هذا العام عن تنظيم القاعدة تماما بعد خلاف بين زعيمها وأيمن الظواهري الذي تزعم القاعدة بعد مقتل أسامة بن لادن.

* "نتكلم عن سنين"

حتى إن تمكن العراق من الخروج من الأزمة سالما فما من أحد يمكنه التكهن بالفترة التي ستستغرقها استعادة النظام. قال مستشار للمالكي "هذه حرب طويلة جدا ضد الإرهاب.. لا نتكلم عن شهور وإنما عن سنين."

واستغرق الوصول إلى النقطة المتدنية الحالية سنوات. فبعد غزو العراق عام 2003 كان السنة المستاؤون من الأوضاع هم مصدر هجمات استهدفت الجيش الأمريكي وحكم الغالبية الشيعية المتنامي.

وبدا أن الهجمات هدأت بحلول موعد مغادرة القوات الأمريكية في ديسمبر كانون الأول 2011. لكن شكاوى السنة ظلت قائمة وزادت مع ما اعتبروه حكما طائفيا على رأسه المالكي وإخفاقا في بناء حكومة وجيش يضمان كل الأطياف.

كان المقاتلون الذين انضموا لاحقا للدولة الإسلامية في العراق والشام -والذين كانوا يسمون جماعتهم آنذاك دولة العراق الإسلامية- يقفون على أهبة الاستعداد عندما بدأت الانتفاضة في سوريا عام 2011 واقتنصوا فرصة الفوضى. وبعد نجاحهم على أرض المعركة غيروا اسم جماعتهم إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام.

ومع تقدم الجماعة الخاطف في العراق في الأيام الأخيرة هجر آلاف الجنود العراقيين مواقعهم في الشمال. وفي بغداد.. تتزايد المخاوف من حدوث حمام دم طائفي.

وقال بنجامين الذي يعمل الآن في جامعة دارتماوث إن جماعات مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام وجماعة جبهة النصرة المنافسة في سوريا لا تمثل نفس الخطر المباشر على الولايات المتحدة وحلفائها الذي كان يمثله تنظيم القاعدة تحت قيادة بن لادن.

وأضاف "يجب أن نظل مدركين ذلك."

* التوترات محتدمة في باكستان

التوترات محتدمة أيضا في باكستان حيث شنت حركة طالبان الباكستانية هجوما جريئا على مطار في كراتشي هو أكبر مطار في البلاد مما أبرز عودة جماعة إسلامية ارتبطت طويلا بالقاعدة. وقتل عشرة متشددين في اشتباكات بالأسلحة النارية أودت بحياة ما لا يقل عن 34 آخرين.

وتعهدت طالبان الباكستانية بحملة واسعة ضد الحكومة والمنشآت الأمنية بعد مفاوضات سلام استغرقت شهورا دون أن تكلل بالنجاح. ومن المتوقع أن يكثف الجيش الباكستاني من الضربات الجوية في المناطق القبلية المضطربة.

وجنبت حتى الآن مدن مثل إسلام اباد ولاهور نوعية العنف التي هزت أجزاء أخرى من البلاد. لكن المراقبين لا يتوقعون أن يستمر هذا.

وتعمل طالبان الباكستانية عن كثب مع القاعدة التي لها قادة كبار ينشطون في المناطق القبلية. كما تعمل مع طالبان الأفغانية التي تمد رفيقتها الباكستانية بدعم مالي ولوجيستي.

ويتبنى رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف منذ فترة انتهاج طريق محادثات السلام مع طالبان لكن الصورة تغيرت بقوة بعد الهجوم على المطار مع ميل الرأي العام مرة أخرى إلى القيام بعملية عسكرية شاملة ضد المتشددين.

ومما يشير إلى تصعيد محتمل قال مسؤولون يوم الخميس إن طائرات أمريكية بلا طيار ضربت مخابئ تؤوي مقاتلين لطالبان في باكستان مما أدى إلى مقتل عشرة متشددين على الأقل وذلك ردا على هجوم المطار. وكانت هذه أول هجمات تقوم بها طائرات أمريكية بلا طيار في باكستان منذ ستة أشهر.

وصرح مسؤولون بالحكومة الباكستانية بأن إسلام اباد أعطت موافقتها على هذه الضربات لتكون هذه المرة الأولى التي تقر فيها باكستان بتعاون من هذا النوع.

* بوكو حرام

في نيجيريا صعدت جماعة بوكو حرام الإسلامية -وهي جماعة أخرى تستلهم نهج القاعدة- من هجماتها في الأشهر الأخيرة بعد خطف أكثر من 200 تلميذة في أبريل نيسان مما أثار موجة غضب دولية.

وقال سكان ووسائل إعلام نيجيرية إنه يشتبه في أن الجماعة وراء خطف ما يصل إلى 30 امرأة من تجمعات بدوية في شمال شرق نيجيريا الأسبوع الماضي بالقرب من المكان الذي خطفت فيه التلميذات. وتردد أن المتشددين يطلبون الحصول على أغنام كفدية مقابل إطلاق سراح النساء.

ويرى محللون أن هذه الهجمات الوحشية تستهدف -إلى جانب الرغبة في جذب اهتمام دولي- إحراج الحكومة النيجيرية وإعطاء بوكو حرام قوة تفاوضية أكبر لتحقيق مطلبها بفرض أحكام الشريعة الإسلامية في شمال نيجيريا.

وتسببت هجمات تفجيرية في العاصمة أبوجا في فترة الاستعداد للمنتدى الاقتصادي العالمي في مايو أيار في مقتل عشرات وأظهرت عجز قوات الأمن عن منعها.

وقبل انتخابات مقررة العام المقبل يبذل الرئيس النيجيري جودلاك جوناثان جهدا باديا لأن يظهر أن باستطاعة حكومته التعامل مع بوكو حرام إذ أمر بتنفيذ "عملية شاملة" ضد الجماعة وأجاز لقوات الأمن استخدام "أي وسيلة ضرورية وفقا للقانون".

لكن القول دائما أيسر من الفعل. فهناك صعوبات تواجه قوات الأمن في أكبر دول أفريقيا من حيث عدد السكان.

ويقول بعض المحللين إن أساليب بوكو حرام قد تكون شبيهة بأساليب القاعدة لكن الروابط بينهما هزيلة على أفضل تقدير.

وقال مارتن روبرتس وهو محلل كبير للشؤون الأفريقية بمؤسسة آي.إتش.إس للأبحاث "ليست لديهم مصلحة خاصة في مهاجمة أهداف غربية. هم يركزون على أهدافهم المتمثلة في تطبيق الشريعة والحصول على قدر من الحكم الذاتي وتقرير المصير في الشمال."

ومن الجماعات التي تضع عينها باستمرار على أهداف أمريكية تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ومقره اليمن والذي يعتقد أنه وراء محاولة فاشلة وقعت عام 2009 لنسف طائرة ركاب متجهة إلى ديترويت باستخدام متفجرات مخبأة في ملابس داخلية.

وفي رسالة وجهها الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الكونجرس يوم الخميس كرر تحذيرات إدارته من أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب هو "أنشط وأخطر فرع للقاعدة اليوم".

غير أن الجماعات المتشددة المنبثقة عن القاعدة تتطور بسرعة قد لا تجعل هذه المقولة صحيحة وبخاصة مع توسع الدولة الإسلامية في العراق والشام السريع ومع العمليات ضد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب باليمن.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك