في حين تعتزم إسرائيل بناء مئات المنازل في منطقة ضمتها إلى القدس وتعلن ضم مواقع مقدسة لقائمة التراث اليهودي تسجل الكاتبة المصرية أهداف سويف رؤية الإسرائيليين ليهودية الدولة وتلقي بظلال من الشكوك على تعاطف حركات احتجاجية مثل (السلام الآن) مع الفلسطينيين.
وتقول نقلا عن سائق سيارة أجرة قابلته في القدس إن "الإسرائيليين نبهاء" يبنون الحواجز التي يمكن إزالتها فينشغل بها الآخرون لكن "القضايا الحقيقية هي فيما يتعلق بالحدود. بالمستوطنات. بالقدس واللاجئين" وهي قضايا تدور بشأنها مفاوضات لا تنتهي.
وتسأل في كتابها (في مواجهة المدافع.. رحلة فلسطينية) عن دور "الأخيار. أصحاب الضمائر" مثل حركة (السلام الان) الإسرائيلية وهم يرون "حكومتهم تضطهد شعبا بأكمله" فتجيبها جودي بلانك -وهي أميركية من نيويورك بصحبة زوجها الذي يعمل أستاذا بالجامعة العبرية- قائلة إن هؤلاء الإسرائيليين "لا يعلمون. من السهل جدا ألا يرى المرء. يعيش في القدس الغربية أو تل أبيب ولا يحتاج أن يرى الفلسطينيين... هناك عنصرية عميقة في هذا المجتمع تجعل من الممكن أن يضحك المرء على نفسه فلا يرى ما يحدث."
وتجيب الفلسطينية ريما طرزي عن السؤال نفسه قائلة إن أعضاء هذه الحركة "لا يتعاطفون مع تطلعاتنا حتى النهاية" أما حاييم بلوخ الذي قدم مع أبيه من الولايات المتحدة ليقيم في إسرائيل ويقوم بتدريس القانون اليهودي بعد تخرجه في معهد ديني خاص فيقول لها "وعدنا الله بهذه الأرض. كانت دولة إسرائيل هنا منذ 2000 عام وقد وعد الله أجدادنا بهذه الأرض... لم تكن هنا دولة فلسطين... عليهم (الفلسطينيين) أن يفهموا أنهم يقيمون في دولة يهودية... يمكنهم الرحيل.."
ودعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفلسطينيين قبل أشهر الى الاعتراف بإسرائيل "كدولة الشعب اليهودي والقدس الموحدة عاصمة الشعب اليهودي."
وأعلنت إسرائيل في الآونة الأخيرة ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح لقائمة التراث اليهودي كما أعلنت خطة استيطان يهودية في الضفة الغربية تتضمن بناء 1600 منزل جديد لليهود.
واندلعت يوم الاثنين مواجهات بين طلاب فلسطينيين والجيش الإسرائيلي في مدينة رام الله بالضفة الغربية بعد قرار إسرائيل ضم مواقع مقدسة في الضفة إلى قائمة التراث اليهودي والإعلان عن نيتها افتتاح كنيس يهودي في القدس الشرقية.
والكنيس الذي جرى ترميمه يبعد بضع مئات من الأمتار عن الحرم القدسي الذي يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
ويقيم نحو 500 ألف يهودي في الضفة الغربية والقدس الشرقية التي استولت عليها اسرائيل في حرب عام 1967. ويوجد حوالي 2.5 مليون فلسطيني في المناطق نفسها.
ويقع كتاب (في مواجهة المدافع) في 198 صفحة متوسطة القطع وطرحت (دار الشروق) بالقاهرة طبعته الثانية بالتزامن مع فوز مؤلفته أهداف سويف بجائزة محمود درويش السبت الماضي مناصفة مع الكاتب الجنوب افريقي برايتن برايتنباخ.
وسجلت لجنة الجائزة برئاسة الناقد الفلسطيني فيصل دراج أن الكاتبة "تميزت بأعمالها الإبداعية والتي اهتمت بالدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني وإبراز هذه القضية على نطاق دولي واسع."
والكتاب محصلة عدة رحلات قامت بها الكاتبة المقيمة في لندن إلى الأراضي الفلسطينية بداية من عام 2000 -حين اندلعت الانتفاضة الثانية- بدعوة من صحيفة الغارديان البريطانية ورأت الكاتبة أن واجبها "مساندة الرأي العام في الغرب" واستغلال منبر غربي لنقل "صوت الشارع الفلسطيني للقاريء وللرأي العام الغربي... كنت أريد أن أنقل للقاريء بالضبط ماذا تعني الحياة تحت الاحتلال."
وتقول الكتابة ان رحلاتها مكنتها من إطلاع قطاعات من الجمهور الغربي على "حقيقة الأحوال في فلسطين والإهدار السافر لحقوق الإنسان الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية وإنسانية وعدل مطالب الشعب الفلسطيني التي تستند الى الشرعية الدولية."
وتضيف أن إسرائيل مادامت "تدعي أن حقها في فلسطين" مستمد وقائم على ما ورد في العهد القديم فان "حقها المزعوم لا يقتصر على تل أبيب وحيفا بل يشمل أيضا الضفة الغربية والقدس وفي الواقع يشمل ما يطلقون عليه (أرض إسرائيل) كلها تلك التي تمتد من الفرات الى النيل."
ولا يميل القلم في يد الكاتبة إلى أن يظل طوال الوقت سلاحا بل يسجل أيضا مواقف إنسانية تفيض دفئا إذ رحب بها الفلسطينيون حين عرفوا أنها مصرية وعرضت الفلسطينيات أن يستضفنها في بيوتهن ومن هؤلاء عرفت أنه "ليس هناك طفل واحد ليس له أب أو أخ مبعد أو سجين أو شهيد" كما قالت لها الفلسطينية فاطمة جبريل التي أخبرتها أيضا كيف يتعمد الجنود إهانة الأب أمام أبنائه.
كما ترسم صورة للحياة الاجتماعية تحت القصف والموت فحين يقتل شاب فلسطيني يأتون بأمه ويسندونها إلى جوار قبره ويقولون لها "زغردي يا أم الشهيد. يقولها أصحابه الذين قد يقتلون غدا. تقول لي سيدة.. لا تسمعين الزغاريد اليوم إلا في مواجهة الموت. انقلب عالمنا رأسا على عقب."
وتقول سويف "إن الخيار في يد إسرائيل. يمكنها أن... تعيش داخل حدود 67 كأمة وسط الأمم. أما أهل فلسطين فلا خيار أمامهم" لكنها تورد قول أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي لها في 2000 "ان الانتفاضة هي الطريق الوحيد للشعب أن يبعث بصوته وبإرادته الى داخل المفاوضات."
ويتزامن صدور كتاب سويف أيضا مع مناقشة رسالة دكتوراه في العلوم السياسية بمعهد البحوث العربية بالقاهرة مقرر لها يوم الثلاثاء أعدها البرغوثي في سجنه حيث يقضي عقوبة السجن مدى الحياة خمس مرات.
وفي فصل عنوانه (أمريكا وإسرائيل والعدوى المتبادلة) تقول سويف إن إعلام الدولتين يصورهما كمقاتل اضطر للقتال وهو لا يرغب فيه وليس أمامه خيار آخر.
وترجح أن الأميركيين والإسرائيليين تجمعهما "رؤية أنفسهم كشعب مختار" وهذا ينطلق من العهد القديم في حالة إسرائيل أما في حالة أميركا فتقول المؤلفة إن 92 بالمئة ممن شملهم استطلاع من الأميركيين "يؤمنون بأن الله يحبهم بشكل شخصي وفردي وأنهم يؤمنون بالتناسخ بين كون الإنسان أميركيا وكونه خيرا."
وما تسجله الكاتبة المصرية يتفق مع ما ذهب إليه الكاتب الأميركي صمويل هنتنغتون (1927-2008) في كتابه (من نحن.... المناظرة الكبرى حول أميركا) قائلا إن التدين يميز الأميركيين عن معظم الشعوب الأوروبية فالأميركيون "مسيحيون بشكل طاغ."
ويضيف في الكتاب الذي صدرت ترجمته العربية بالقاهرة في الآونة الأخيرة أن "تدين الأميركيين يقودهم إلى أن يروا العالم على أساس الخير والشر" بدرجة تفوق رؤية الآخرين لهذه الثنائية.