بينما يرقد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على سرير الشفاء في مستشفى بيرسي العسكري بباريس، وسط غموض وتكتم شديدين حول سبب الداء الذي أصابه خاصة بعد استبعاد اصابته بسرطان الدم "اللوكيميا" تجددت الشكوك بقوة حول احتمال تعرضه للتسمم الامر الذي لم يعد مستبعدا وفقا لتصريحات كبار المسؤولين الفلسطينيين.
فرضية التسمم لم تعد مستبعدة
على الرغم من مرور اكثر من تسعة ايام على ادخال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الى المستشفي العسكري الفرنسي، لم تعرف حتى اللحظة حقيقية الداء الذي يعاني منه، او لم يعلن رسميا حتى الآن، خاصة من الجهة الفرنسية المشرفة على علاجه.
وقد دفعت هذه الحالة الى تنامي الشكوك والهواجس بين ابناء الشعب الفلسطيني بان رئيسهم ربما يكون تعرض لعملية تسميم او تسمم يتم التكتم حولها لاسباب عديدة.
وفي تصريح لم يكن الاول من نوعه للمسؤول فلسطيني، ولكنه جاء هذه المرة من اعلى مسؤول بعد عرفات هو السيد احمد قريع (ابو العلاء) لم يستبعد رئيس الوزراء الفلسطيني احتمال دس السم لعرفات.
وقال قريع ردا على سؤال لاحد الصحفيين، السبت، ان كل الاحتمالات تدرس".
وهو امر كان ايضا محل تصريحات مماثلة لامين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم ولعضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي واخرون.
وقال فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية السبت ان الفريق الطبي الذي يعالج الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في فرنسا سيكون لديه خلال فترة قصيرة نتائج فحوصات عن أسباب حالته "ومعرفة اذا كانت ناتجة عن تسمم او فيروس".
واضاف القدومي في تصريح صحفي عند وصوله مطار تونس قرطاج قادما من باريس بعد
زيارته للرئيس الفلسطيني في المستشفى العسكري الفرنسي ببيرسي ان الوضع الصحي لعرفات مستقر "وجميع الفحوص المخبرية التي اجريت كانت نتائجها ايجابية وليس هناك نتائج سلبية وبقي هناك فحوصات حول الاسباب التي تؤدي الى ضعف الصفائح الدموية".
والقدومي هو ثاني مسؤول فلسطيني رفيع يتحدث علنا عن احتمال تسمم عرفات.
وقال القدومي "لم يطرأ على حال الرئيس عرفات اي تغيير وهو يحتاج الراحة حتى لا تحصل اي مضاعفات سلبية".
واضاف القدومي ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك حرص على الاطلاع على نتائج الفحوصات "وقد صافحه الرئيس ابو عمار اثناء هذه الزيارة" في المستشفى الاربعاء الماضي.
وقال القدومي يوم الجمعة في باريس ان لا أحد مخول بالحديث عن الحالة الصحية لعرفات سوى الطاقم الطبي المعالج.
وقال نبيل أبو ردينة أحد كبار مساعدي عرفات ان الرئيس الفلسطيني البالغ من العمر 75 عاما
في حالة خطيرة في المستشفى العسكري الذي يعالج فيه حيث قال اطباء انهم غير قادرين على تحديد السبب في تدهور صحته بشكل مفاجيء الاسبوع الماضي.
عوارض تسمم
وقال طبيب فلسطيني لصحيفة "السفير" إنه بعد استبعاد الفحوصات الطبية التي أجريت لعرفات في فرنسا احتمالات الإصابة بالسرطان وخصوصا سرطان الدم (اللوكيميا)، عاد احتمال التسميم إلى الواجهة بقوة كبيرة.
وزاد من قوة هذا الاحتمال ما أذيع عن أن المستشفى الفرنسي طلب عينات دم قديمة من المقاطعة في رام الله وأرسل عينات دم "إلى بلد ثالث"، تردد انه ألمانيا، لفحص احتمالات التسمم.
ويؤكد أطباء فلسطينيون أنه بعد استبعاد احتمال السرطان بات من شبه المؤكد الحديث عن التسميم كعامل أساسي وراء تكسر الصفائح الدموية في جسد عرفات. ويقول الطبيب الفلسطيني إن أطباء مصريين عملوا في بغداد في الثمانينيات يؤكدون أن الحالة التي أصابت عرفات هي ذاتها الحالة التي أصابت في حينه المسؤول عن العمليات الخارجية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتور وديع حداد. فقد أصيب حداد بتسمّم أدى إلى تكسر الصفائح الدموية ثم اضطرابات معوية ومعدية متواصلة فنحول فوفاة.
ويرى الطبيب أن هذا ينبع من إصابة نخاع العظم المسؤول في الجسم عن إنتاج الصفائح الدموية بواحد من اثنين: إما سرطان الدم أو التسمم، مذكراً بأن اللوكيميا استبعد بالفعل نتيجة الفحوصات التي اجريت لعرفات.
وقبل ذلك، المح مسؤولون فلسطينيون الى احتمال ان يكون عرفات تعرض لمحاولة اغتيال كتلك التي يتردد انها اودت بوديع حداد عام 1978، والذي يقال انه توفي اثر تجرعه سما بطيئا تتهم إسرائيل تارة بدسه له، وتتهم المخابرات العراقية او الألمانية الشرقية بدسه تارة اخرى.
وتوفي حداد نتيجة نوع نادر من اللوكيميا بحسب ما ترجحه العديد من التقارير.
وعانى حداد الذي يعد المدبر للكثير من عمليات خطف الطائرات التي حدثت في السبعينيات، من اعراض مرضية نقل عن عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، قوله انها تشبه الى حد بعيد ما يراه حاليا في عرفات.
ونقلت وكالة انباء الشرق الاوسط المصرية عن وزير الشؤون الامنية السابق محمد دحلان قوله "لن استغرب اذا تبين ان رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون من شدة كراهيته لعرفات عمل على تسميمه".
واكد الطبيب الخاص للرئيس الفلسطيني الدكتور اشرف الكردي في تصريحات لـ"البوابة" ان احتمال تعرض ياسر عرفات لتسمم غذائي او دوائي امر "وارد".
وقال الطبيب الاردني اشرف الكردي لـ"البوابة" ان احتمال تعرض عرفات للتسمم "وارد من ضمن الاسباب التي ادت الى نقص الصفائح الدموية" المسؤولة عن وقف النزيف في جسم الانسان.
واضاف ان هذا التسمم "قد يكون أي تسمم"، سواء غذائيا او دوائيا.
ورفض الكردي، وهو طبيب اعصاب يشرف على الحالة الصحية لعرفات منذ سنوات طويلة، التكهن فيما اذا كان هذا التسمم ناجما عن عمل جنائي.
وقال "لا استطيع الاجابة عن ذلك..هذا..يجيب عنه طبيب شرعي".
وكان الكردي الذي اشرف لمدة سنوات طويلة على صحة الرئيس الفلسطيني ورافق الوفود الطبية المصرية والتونسية والفلسطينية عندما تدهورت صحة عرفات استبعد من مرافقته الى باريس.
وثارت تساؤلات في الشارع الفلسطيني حول دواعي استبعاد الدكتور أشرف الكردي عن مرافقة الرئيس عرفات إلى فرنسا، وحرمانه من أي معلومة دقيقة عن الحال التي آل إليها الرئيس المريض.
واكد عضو المجلس التشريعي الفلسطيني حاتم عبد القادر في اتصال هاتفي مع "البوابة" ان المسؤولين الفلسطينيين لا يستبعدون من ضمن الاحتمالات، احتمال تعرض عرفات للتسمم، وان كانوا لا يرجحونه.
وقال "هذا احتمال وارد، وهو احد السيناريوهات الذي نأخذه بعين الاعتبار، ولكنه ليس مرجحا، ولا توجد دلائل على ان هناك حدثا جنائيا".
وفضل المسؤول الفلسطيني عدم استباق الامور وانتظار صدور نتائج الاختبارات الطبية الجارية لعرفات، والمقرر ان ينشرها الاطباء الفرنسيون الاربعاء.
ونفى عبد القادر، وهو قيادي بارز في حركة فتح التي يتزعمها عرفات، تقارير تحدثت عن ان اجهزة الامن الفلسطينية فتحت تحقيقا في احتمال ان يكون عرفات تعرض للتسميم بعملية قصدية عبر دس سموم بطيئة في طعامه.
واكد انه التقى مسؤولين فلسطينيين بارزين، ومن ضمنهم مسؤولون امنيون نفوا له صحة هذه التقارير.
وقال "لا يوجد تحقيق حسب ما تم التأكيد لنا"، مضيفا انه ايضا "لا توجد مؤشرات او إجراءات حول هذا الموضوع".
وكانت تقارير اعلامية ذكرت ان الشرطة الفلسطينية فتحت تحقيقا في احتمال ان يكون احد دس سما بطيئا لعرفات في طعامه، واستدعت كافة من كانوا مسؤولين عن اعداد وتقديم الطعام له.
الأسئلة كثيرة وقد لا تعرف التوقف.
من سمم عرفات
ويبقى السؤال هو من سمم ياسر عرفات اذا صحت هذه الشكوك؟
اصابع الاتهام توجه الى الموساد في عملية التسمم، كما يقول تقرير لوكالة قدس برس، فعرفات، الذي كانا رهين المقاطعة لمدة ثلاث سنوات تقريبا، لم يكن بوسع أي جهاز استخبارات، غير الموساد، قادرا على الوصول إليه، وهو المحاصر في قبضة اليد الموسادية، بين جدران المقاطعة المحاصرة بغابة من السلاح والعيون والجواسيس الإسرائيليين من كل مكان.
الكاتب الصحفي الإسرائيلي أوري دان كان نشر في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الصادرة الخميس أن كتب التاريخ ستذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي آرائيل شارون كمن صفى عرفات، قائلا إنه يذكر جيدا "الجلسات التي حضرتها، والتي كان عقدها شارون كوزير للدفاع في العام 1982، حين كان يكرِّر السؤال لقادة الموساد متى أخيراً سيقومون بتنفيذ أمر قائدهم، رئيس الوزراء مناحيم بيغن، فيصفّوا عرفات؟"، معلقا على ذلك بالقول "أما الموساد؛ فقد ظهر في حينه بكامل قصوره وعجزه" عن قتل عرفات وتصفيته، وربما تكون الفرصة قد واتته أخيرا ليثبت هذا الجهاز لقادته كفاءته في تصفية الزعيم الختيار، مثلما واتت الفرصة شارون لروي غليله من غريمه التاريخي ياسر عرفات، الذي عاش شارون محرضا عليه، وحين واتته الفرصة لم يرحمه.
وإذا كان الواقع لا يفهم جيدا إلا بالنظر مليا في عيون الماضي، وإذا كانت التصريحات السابقة قد تكشف جليا الأفعال اللاحقة، فإن الكاتب الإسرائيلي أوري دان يذكر بأنه "في الرابع عشر من نيسان /أبريل الماضي، كما كشف شارون نفسه؛ أبلغ شارون الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه لم يعد يرى نفسه ملتزماً بما وعد به بوش في لقائهما الأول في آذار /مارس 2001، في عدم المساس بعرفات، فردّ عليه الرئيس بوش؛ بأنه لعله من الأفضل ترك مصير عرفات بيد القوة العليا، بمعنى الرب تعالى اسمه. فقال له شارون؛ إنه لعله أحياناً تكون حاجة إلى مساعدة الرب تعالى اسمه".
ويخلص الكاتب الإسرائيلي من ذلك إلى التساؤل "ما العجب، والفلسطينيون ينثرون نظرية المؤامرة، في أنّ إسرائيل وكأنها سممت عرفات، والطباخين الذين عملوا في مطبخه في المقاطعة خضعوا لتحقيقات قاسية في هذا الموضوع"، كما قال.
وإذن، فإن إعصار السم الزعاف الذي يهز اليوم جبل عرفات هزا عنيفا هو على الأرجح سم إسرائيلي. وليس غريبا أن يعجز الأطباء الفرنسيون عن حل شفرة هذا السم، ليتمكنوا من السيطرة عليه، فقد سبق للموساد أن سمم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في عمان، قبل سنوات، ولم يكن بالإمكان علاجه إلا على يد الإسرائيليين أنفسهم، الذي كشفوا شفرة السم، فأمكن علاجه منه، بعد أن احتجز الفلسطينيون جواسيسهم الذين حاولوا قتل الرجل غيلة. أما اليوم فلا جواسيس إسرائيليين محتجزين حتى يمكن إجبار دولة الاحتلال على حل الشفرة، وإنقاذ الزعيم عرفات.
اخيرا، فان من يجزمون بنظرية تسميم عرفات يقولن ان السلطة الفلسطينية وجميع الاطراف المعنية بمرض عرفات يتكتمون على الامر مخافة التوتر الشديد الذي سينجم عن الاعلان صراحة عن تسميم عرفات. بغض النظر عن من هو المسؤول عن هذه الفعلة او عملية الاغتيال.
ويذهب هشام احمد الكاتب واستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية الى حد القول ان كل نقاش عن انتقال سلمي للسلطة سيكون بلا معنى اذا ما تبين ان وفاة عرفات ناجمة عن تسميمه.
وقال "طالما ان احتمال التسميم لم يتم استبعاده فانه بامكاننا تصور درجة الاحباط التي تصيب الفلسطينيين ازاء اسرائيل ولكن ايضا ازاء القيادة (الفلسطينية) الحالية".
واضاف "لا يمكن ان يتم تسميم عرفات دون مشاركة مباشرة او غير مباشرة للمسؤولين في محيطه". وتابع "اذا ما صح ذلك فاننا سنواجه احدى اصعب المراحل واشدها دموية في تاريخنا"—(البوابة)—(مصادر متعددة)