البوابة-بسام العنتري
فرض مرض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات واحتمال وفاته او عدم تمكنه من العودة من رحلته العلاجية اسئلة ملحة وقلقا بشأن خلافته وطريقة انتقال السلطة الى خليفته الذي يرجح مراقبون ان يكون امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس او رئيس الوزراء احمد قريع.
وطار عرفات (75 عاما) الى مشفى عسكرية في باريس الجمعة اثر تدهور حالته الصحية. وكانت هذه المرة الاولى التي يغادر فيها مقره في رام الله، والذي يحاصره فيه الجيش الاسرائيلي منذ عامين.
واعلنت اسرائيل مرارا انها تسمح لعرفات بالخروج من مقره في رام الله، لكنها لا تضمن عودته اليه.
ووافق الرئيس الفلسطيني على الخروج من مقره والتوجه للعلاج خارج اراضي السلطة الفلسطينية بعدما تلقى تعهدات دولية بان تسمح اسرائيل له بعودته بعد انتهاء رحلته العلاجية.
ومنذ بدء الانتفاضة قبل اربع سنوات، سعت اسرائيل مدعومة من واشنطن الى عزل عرفات على امل بروز قيادة فلسطينية جديدة.
ورفضت الحكومة الاسرائيلية الحالية برئاسة ارييل شارون التعامل مع عرفات منذ وصولها الى السلطة، متهمة اياه بالمسؤولية عما تصفه بالارهاب. واصدرت العام الماضي قرارا اعتبره "عقبة" في طريق السلام "ينبغي ازالتها".
لكن القرار الذي لم يوضح الطريقة التي ستتم بها ازالة عرفات، ظل مجمدا ولم يتم تنفيذه بسبب الضغوط الدولية. بيد ان المسؤولين الاسرائيلين لم يفتأوا يلوحون به ويؤكدون انه قابل للتنفيذ في اية لحظة.
ورأى العضو العربي في الكنيست الاسرائيلي، طلب الصانع، ان حكومة شارون التي فشلت كافة جهودها في خلق قيادة بديلة لعرفات، يحدوها هذه المرة، تفاؤل حذر بان يفسح غيابه المجال امام بروز مثل هذه القيادة.
وقال الصانع ان "اسرائيل تنتظر الان ماذا سينتج عن غياب عرفات من خلال رغبتها في ان تكون هناك قيادة تلتزم بتنفيذ رغباتها".
وتوقع ان أي "قيادة فلسطينية جديدة ستواجه بالمطلب الاسرائيلي بضرورة محاربة ما يسمى بالارهاب وفك البنية التحتية للارهاب، أي ما فشلت اسرائيل في تحقيقه على مدار ثلاث سنوات.. وهي تريد ان ينفذ الفلسطينيون هذا من خلال الاقتتال" الداخلي.
وتابع ان اسرائيل، وفي حال رفضت القيادة الجديدة المحتملة الانصياع لمطالبها "فستقول انها لم تكافح الارهاب، وبالتالي هي في حل من اجراء مفاوضات معها".
ويرى مسؤولون امنيون اسرائيليون أن أي نظام يأتي بعد عرفات "قد تكون لديه القدرة على كسر حلقة العنف الحالية" التي بدأت مع انطلاق الانتفاضة في ايلول/سبتمبر 2000.
ومع رغبة اسرائيل الجامحة لبروز مثل هذه القيادة خلفا لعرفات، الا ان الصانع استبعد ان تتدخل بشكل علني في عملية بلورة القيادة الجديدة.
وقال "ظاهريا، هي ستقف موقف المتفرج، لان أي تدخل لها سيؤدي الى رد فعل عكسي، لكن هي ستحاول من تحت الطاولة ان تحرك بعض الخيوط لتؤثر في الاتجاهات التي ترغب بها".
وبالفعل، كان اعلان اسرائيل عن تاييدها لقادة فلسطينيين في السابق قد افقدهم شعبيتهم.
وفي اعتقاد الصانع، فان محمود عباس هو الشخص الاكثر احتمالا ان يخلف عرفات.
وقال "عمليا، ابو مازن (عباس) يحظى بمحبة الفلسطينيين، وهو من القيادة التاريخية لمنظمة التحرير، وبالتالي الكل يتوقع، واسرائيل كذلك، انه قد يكون الرئيس الفلسطيني القادم".
لكن الصانع يرى مع ذلك ان عباس او اية شخصية فلسطينية اخرى لا تستطيع ملء الفراغ الذي قد يتركه عرفات.
وقال "انا شخصيا لا اعتقد ان شخصا فلسطينيا واحدا يستطيع ان يملأ الفراغ الذي يتركه الرئيس ياسر عرفات".
ويكاد المراقبون يجمعون على ان أي شخصية اخرى غير عرفات لا تملك القدرة على السيطرة على الساحة الفلسطينية التي تعمها الفوضى في ظل غياب اجهزة امن قوية ومنظمة، وهو امر يثير قلقا واسعا بشأن احتمال ان يترافق انتقال السلطة مع مواجهات قد تكون دامية.
لكنهم مع ذلك يرون ان ضبط الاوضاع، وبخاصة في الضفة، لن تكون مهمة معقدة امام أي قائد جديد، في ضوء قضاء اسرائيل على قدرات الفصائل الوطنية والاسلامية فيها، وتحجيمها للفصائل الوطنية وبخاصة كتائب الاقصى التي بات نشاطها محصورا في جنين ونابلس.
وفي قطاع غزة الذي تعتزم اسرائيل الانسحاب منه، يرى المراقبين ان الامور شبه محسومة هناك لصالح السلطة الفلسطينية، في مواجهة الفصائل الاسلامية، وفي مقدمتها حماس.
وبحسب المراقبين، فان قيادة جديدة مقبولة من حماس، كعباس او قريع، سيكون في مقدورها احتواء الحركة من خلال اعادة فتح الحوار معها باتجاه دمجها في مؤسسات السلطة وادخالها في العملية السياسية، وهو الامر الذي ابدت الحركة مؤشرات ايجابية حياله في الاونة الاخيرة.
وشهد القطاع مؤخرا نزاعات بين قادة اجنحة من فتح سعى كل منها لاثبات قوته عشية انسحاب اسرائيل. لكن هؤلاء، بحسب المراقبين لا يملكون قواعد شعبية تؤهلهم لفرض انفسهم كما انهم وعناصر اجنحتهم لا يستطيعون الاستمرار في حال توقفت السلطة عن دفع مرتباتهم.
وفي الوقت الذي تاتي فيه توقعات الصانع هذه في اطار سيناريو وفاة عرفات المحتملة، الا ان البرلماني العربي الاسرائيلي يرى في سيناريو اخر يتحدث عن تعافيه، ان تسمح له اسرائيل بالعودة لممارسة عمله ومن مقره في رام الله.
وقال "استبعد كليا ان تمنع اسرائيل عودته..لان هناك التزامات واضحة ومحددة في هذه القضية، واذا نكثت اسرائيل بهذه الالتزامات، فستكون هي الطرف الخاسر (لان) الرئيس الفلسطيني يستطيع ان يمارس مهامه من كل مكان، مارس ذلك في لبنان وفي تونس..".
ومن جهته، لا يستبعد المحلل السياسي الاردني جواد العناني حصول سيناريو يقوم معه عرفات في حال تعافيه ومنعه من العودة، بقيادة السلطة من الخارج من خلال محمود عباس واحمد قريع اللذين يتوليان مسؤولياته حاليا على راس منظمة التحرير والحكومة.
واعتبر العناني ان "هذا ممكن جدا".
واشار الى ان منع اسرائيل لعرفات من العودة سيرفع شعبيته و"يعيد تدويره ليس على مستوى الضفة وغزة وانما ايضا على مستوى الفلسطينيين في الخارج" وبما يمكنه من قيادة السلطة من الخارج.
وفي راي العناني، فان سيناريو بقاء عرفات في الخارج سيقود في المحصلة الى احتمالين: يمهد اولهما لحل سياسي شامل مع اسرائيل، في حين ان الثاني ربما ينتهي به الى عزلة تجعل الداخل ينفصل عنه.
واوضح ان هذا الوضع "اما ان يمهد لحل شامل ومعاهدة سلم طويلة الاجل..تؤدي الى قيام دولة فلسطينية كما قال شارون، او انه (عرفات) يصبح في النهاية معزولا، وبالتالي يصبح هناك انقسام بين الداخل والخارج ويبقى الحل الممكن الوصول اليه داخل الاراضي الفلسطينية حلا سياسيا وليس حل اجيال".
وفي السيناريوهات المحتملة ايضا ان تطول مدة علاج عرفات في الخارج، وهو ما يرى العناني انه قد يخلق واقعا جديدا تصبح معه مقاليد الامور في ايدي اشخاص موجودين في قمة السلطة في الداخل، وبما يؤدي الى مزيد من الخلط للاوراق.
اما في شأن احتمال وفاة عرفات، فان العناني، وان كان يؤكد ان اية شخصية فلسطينية لا يمكن ان تملأ الفراغ الذي قد يخلفه، الا انه يرى ان الاكثر ترجيحا لخلافته هو احمد قريع.
ويبرر لهذا الترجيح بقوله ان الرجل "يتمتع بمرونة سياسية وهو اقرب الى ابو عمار (عرفات) ودخل اللعبة السياسية بشكل كبير".
وفي رأي مناقض لتوقعات العناني بشأن احتمال ان يقود عرفات السلطة من الخارج في حال منع من العودة، فان المحلل السياسي المختص بالشوؤن الاسرائيلية غازي السعدي، يؤكد انه لن يكون بامكانه ممارسة هذا الدور.
وسبق ان قاد عرفات مسيرة المقاومة الفلسطينية من دول عربية ابرزها لبنان وتونس.
لكن السعدي قال ان "الدول العربية لن تسمح لعرفات بالتحرك فيها..قد يقبل كضيف، لكنه لن يسمح له بالتحرك" سياسيا.
من جهة اخرى، رجح السعدي ان يساهم غياب عرفات، وتولي عباس وقريع مهامه، في خلق انفراجة في العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين واعادة الحوار المقطوع بينهم.
وكلا الرجلين حظي بقبول من جانب اسرائيل واواشنطن والاتحاد الاوروبي، وتمت مساندتهما من هذه الاطراف بشكل علني في مطالبتهما عرفات بمنحهما الصلاحيات التي تؤهلهما لتنفيذ برامج الاصلاح وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالاجهزة الامنية.
وتمكن عرفات من مقاومة الضغوط ورفض تلبية مطالب الرجلين، ما ادى الى استقالة الاول وتقديم الثاني استقالته ثم عدوله عنها لاحقا.
وبرغم توقعاته للانفراجة في العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية بحكم وجود عباس وقريع في سدة الحكم الفعلية حاليا، الان ان العناني يرى ان ذلك لن يقود الى "حل جذري للنزاع" وانما سيثمر في "تخفيف (اسرائيل) الاعباء عن الفلسطينيين والتوقف عن الاغتيالات والتصفيات".
واشار الى ان "هذه ليست قرارات معلنة من جانب اسرائيل ولكنها معلومات يتم تسريبها" من قبلها بهدف تعزيز مكانة الرجلين.
وقال ان "شارون يمر في ازمة، واختفاء عرفات يمكن ان يحل له ازمته، ولو في المرحلية الانية..وهو يفضل ان يجد جهة فلسطينية يتفاوض معها على الانسحاب من غزة على ان ينسحب من طرف واحد".
وكان عباس وقريع اعلنا في اول اجتماع لهما مع اطر منظمة التحرير والقيادة الفلسطينية بعد رحيل عرفات للعلاج في فرنسا، انهما سينسقان معه في كافة القرارات التي سيتم اتخاذها خلال فترة غيابه، وهو ما يعتبر متعارضا مع رغبة اسرائيل في قيادة غير عرفاتية.
لكن السعدي اعتبر ان اعلان الرجلين ليس اكثر من "مجاملة" و"لن تمنعهما من التحرك" باتجاه اسرائيل التي ستجد نفسها تحت ضغوط دولية، وبخاصة من واشنطن، من اجل التعامل معهما.
وفي ما يتعلق بسيناريو وفاة عرفات، فقد رأى السعدي ان ابرز المرشحين لخلافته هو محمود عباس، الذي قال انه "مقبول عربيا واميركيا واسرائيليا، اضافة الى انه من المؤسسين القدامى لمنظمة التحرير ما يجعله مقبولا شعبيا".
لكن عباس او غيره لن يكون بامكانهم من الناحية النظرية الوصول الى موقع الرئيس الا بعد شهرين على الاقل، ذلك ان القانون الاساسي ينص على ان يتولى رئيس المجلس التشريعي مهام الرئاسة لشهرين بعد وفاة الرئيس، على ان يصار بعد ذلك الى اجراء انتخابات.
واعتبر عضو المجلس التشريعي عبد الجواد صالح ان ما نص عليه القانون الاساسي يشكل صمام امان يحول دون وقوع صراعات على السلطة الى حين اجراء الانتخابات.
وارجئت الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية عدة مرات بسبب الاحتلال الاسرائيلي لمناطق السلطة الفلسطينية، ولا يبدو ان احتمال اجراء هذه الانتخابات في الوارد في حال توفي عرفات لعدم زوال اسباب الارجاء.
ومن شأن هذه المعضلة ان تضع الكرة في ملعب المجلس التشريعي الذي يملك صلاحيات تعديل القانون الاساسي وبما يتيح انتخاب الرئيس من قبل اعضائه، والذين هم في غالبيتهم من حركة فتح.
ولم يستبعد صالح هذا الاحتمال، وان بدا غير مرتاح له.
وقال "اذا كان هناك احد يريد تلفيق شئ ما، فهذا ممكن، الاكثرية من فتح كما تعرفون، وهم يستطيعون تمرير ذلك بكل سهولة".
وانتقد صالح الرئيس عرفات بشدة بسبب امتناعه عن تعيين نائب له قبيل مغادرته للعلاج، وبما يكفل انتقالا اكثر سهولة للسلطة في حال وفاته.
وقال ان "أي دولة تحترم نفسها، اذا خرج زعيمها حتى في زيارة عادية فانه يعين نائبا له".
واضاف ان عرفات ربما يعتقد انه "مخلد وسيظل في مركزه" ولهذا لم يعين نائبا له او انه "كان يخشى ان يكون قد خلق بديله بنفسه" في حال عين هذا النائب.—(البوابة)