هل ضاق السعوديون بهيئة الأمر بالمعروف؟؟

تاريخ النشر: 21 أبريل 2007 - 08:40 GMT

افاد تقرير اعلامي ان الاعتداءات والتظلمات والشكاوى على هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر زادت في الاونة الاخيرة بما يضع الهيئة على "المحك".

وقار تقرير نشرته صحيفة "الوطن السعودية" ان بعض رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعرضوا للضرب في مناطق متفرقة من السعودية.

واضافت الصحيفة قولها "مشاجرات عابرة، إطلاق نار، طعن بالسلاح الأبيض، وبين هذا وذاك شكاوى تُرفع ضدّ بعض الأعضاء، وتظلمات توجه لهم واتهامات بالاعتداء والإهانة، وإزاء حالة كهذه، بات وضع "دور الهيئة" على المحكّ أمرا مطلوبا من خلال بحث حيادي يأخذ في اعتباره حماية المجتمع الذي تؤدي فيه الهيئة دورها التوعوي المطلوب، فعلى أرض الواقع تزايدت حالات العنف ضد أعضاء الهيئة وتجاوزت 21 حالة خلال العام الماضي وحده.

ووصف الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ إبراهيم عبدالله الغيث ما يتعرض له أعضاء الهيئة من اعتداءات بأنه "مسلك مشين وممارسات خاطئة"، وقال الغيث "أدعو إلى الكفّ عنها والوقوف مع رجال الهيئة الذين يحرصون على حفظ الأمن وأعراض المسلمين".

وأضاف " كافة الحقائق التفصيلية لهذه الاعتداءات أتركها دون تعجل للجهات المختصة وأشيد بدور رجال الأمن في القبض على الجناة المعتدين بحق أعضاء الهيئة". وحول تكرار المواجهات وارتفاع حالات الاعتداء على أعضاء الهيئة قال الغيث "لا بد من أن ندافع عن منسوبينا ونحن لا نرضى أن يضرهم أو يتضرر منهم أحد فهذا هو العدل الذي أوصانا به الله تعالى". وأكد الغيث على أن "هذه الممارسات لن تفت عضد رجال الهيئة عن القيام بواجبهم المكلفين به".

وعبر الغيث عن استغرابه ممن "يدعون أن هذه المواجهات قد نجمت عن عنف غير مبرر من بعض منسوبي الهيئة" مؤكداً على أن "دور رجال الهيئة هو المحافظة على الأعراض وحراسة الأمن الأخلاقي".

التأسيس

وبالنظر في تاريخ هذا الجهاز فقد تأسست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز الذي أوكل أمر إدارتها إلى الشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ ومنذ تأسيسها وهي "تتحمّل مسؤوليات إزاء تصحيح بعض أخلاقيات المجتمع وممارساته الدينية، انطلاقاً من المبدأ الإسلامي الواضح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وكما يرى بعض المراقبين فإن من الواضح أن الهيئة قد بنت لها تاريخاً من "الهيبة" في المجتمع السعودي المهيأ تلقائياً للتعامل مع المسائل الأخلاقية من المنطلق ذاته الذي تنطلق منه الهيئة. وبما أن المجتمع متدين بطبعه، فإن ممارسات الهيئة في الأسواق والمواقع العامة راحت تراقب الأوضاع الأخلاقية والدينية وتفرض سلطتها على ما يمكن وصفه بـ "حالات شاذة" بالمفهوم الديني والاجتماعي.

المبدأ والتطبيق

من ناحية المبدأ تتفق الهيئة وأفراد المجتمع على عدة أمور تمارسها الهيئة وتعتبر من صميم عملها ويقرّ أفراد من المجتمع ضرورة تفعيل دور هذه المؤسسة الدينية لصيانة الفضيلة. إلا أن الإشكالية المركبة تكمن في اختلاف "المبدأ" عن "الممارسة" في بعض الحالات من جهة. والواقع الاجتماعي الحالي الذي تعرض لتغيرات كثيرة جعلت الأدوار التي يقوم بها أكثر من 5 آلاف عضو هيئة تصطدم ببعض تلك المتغيرات وما طرأ على حياة الناس، فحين تأسست الهيئة قبل عقود طويلة، لم يكن أحد من السعوديين يستحسن صحبة زوجته في مطعم فاخر، أو كورنيش بحري، أو حديقة في طرف مدينة. المجتمع، ذاته، كان "يستغرب" مثل هذه "الطلعات" الحالمة. أما اليوم، فقد اختلف الأمر. وصار بإمكان المخطوبين الخروج والتنزه والتسوق والمرح في أي مكان، لأن المجتمع لم يعد يرى بأساً في ذلك طالما ارتبط الشاب والشابة بعقد شرعي.

ولكنّ هذه الحالة المشروعة، يمكن أن تتحوّل إلى مشكلة، حين يتسرّب شكّ إلى عضو في الهيئة مرّ مصادفة. فتبدأ الأسئلة التي تشكك في شرعية العلاقة، وشرعية الوجود معاً.

يقول المواطن عبدالله الورثان: "الناس لديها حساسية من هذه الأسئلة"، ويتفق معه في ذلك فرج الدوسري حيث يقول:" إن استدعاءك في مكان عام وتفتيشك وسؤال زوجتك لمجرد الشك أمور غير مقبولة".

في حين يصف صالح العيد مثل هذا الموقف بأنه "إهدار للكرامة"، وتتكرر مثل هذه المواقف في المطاعم وبعض المقاهي وفي الشوارع العامة".

خصوصيات الناس

ومكمن الخطورة عند الورثان - على حد قوله - في " أن ارتباط عمل الهيئة بعموم الناس، وتداخله مع حياتهم اليومية، ومتابعة أمور حساسة جداً تمس التديّن والأخلاق والعرض، ولذلك فإن أي موقف مع عضو الهيئة ينطوي على اتهامٍ قائم على الشك، ويضطر فيه المواطن ـ أو المقيم ـ إلى إثبات براءته، ولو في الشارع العام".

"ومن الطبيعي أن تثير أخطاء على هذا النحو حفيظة الناس. وحين تتكرر الأخطاء "طبقاً لاجتهادات فردية وقناعات خاصة وحسب المحصلة العلمية والسلوكية لرجل الهيئة" كما يقول صالح العيد، مضيفا " إن أفراد الهيئة يعملون وفق مفاهيم غامضة وليست لوائح تحدد صلاحياتهم كما هو موجود في المؤسسات الحكومية الأخرى، وحين نربط هذه الإشارة بنفسيات عوام الناس، فإن النتيجة، بالتأكيد، لن تكون محسوبة. فرجل الهيئة المكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد له من ضبط أعصابه في كل الأحوال".

اعتذار وشكوك

ويقول سالم العميري: "المشكلة القائمة هي أن الهيئة قد تقبض على الرجل لمجرد الشك فيه، أو بحثاً عن شيء مخالف، وتتمّ مساءلته هو والمرأة التي معه، وحين تفضي المساءلة والتفتيش إلى سلامة الحالة، يكتفي رجال الهيئة بالاعتذار". ويضيف العميري: "مثل هذا الاعتذار لا يتساوى وحجم الحرج الذي ناله الرجل وزوجته أمام الناس، وقد تصدر منه ردة فعل عنيفة تجاه رجال الهيئة".

ويشيد جابر الحقوي بإنجازات الهيئة في مواجهة المخالفات الأخلاقية والدينية - على حد قوله - ويشير إلى أن من بين حالات كثيرة أصاب فيها رجال الهيئة هناك حالات كثيرة، أيضاً، لم يصيبوا من حيث أرادوا الإصلاح.

مضيفا "لو قارنا بين رجال الهيئة ورجال مكافحة المخدرات، مثلاً، فإننا سنجد المجموعة الثانية تعمل وفق لوائح ونُظم واضحة بحيث لا تعرّض بريئاً للإهانة، إلا فيما ندر. في حين تتزايد حالات الهيئة التي يكون فيها مواطنون ومقيمون ضحايا الارتجال والاستعجال، والناس لديها انطباع أن العضو المخطئ لا أحد يحاسبه في جهازه".

من جهته يركز خالد العتيبي على جزئية في وظيفة أعضاء الهيئة فيقول "أغلب الملتحقين بوظائف الهيئة بحاجة إلى فن التعامل مع الجمهور، فرجل الهيئة يتطلب عمله أن يكون داعياً للفضيلة عارفاً ما له وما عليه من حقوق تجاه نفسه والآخرين، ولديه معرفة بحالات الناس ومعالجة المشاكل".

ويتابع العتيبي "إن عدم معرفة أعضاء الهيئة بالأمور النفسية وحالات الناس، قد يؤدي إلى وقوع قضايا تشهير وتدخل في قضايا ليست من اختصاصهم، كالتجوّل في المعارض والندوات والمهرجانات الترفيهية، وهي أنشطة من اختصاص أجهزة أخرى". ويستشهد العتيبي بقصة مفادها "داهم بعض رجال الهيئة مركز تسويق واقتادوا 38 موظفاً فيه بحجة ارتدائهم البنطال".

وتروي أمل طاش قصة ذات صلة بالنشاط النسائي حيث تقول: "أقامت إحدى المؤسسات التجارية في الخبر مهرجان تدريب لعدد من النساء، وأثناء انشغال السيدات بالنشاط فوجئن بمداهمة فرقة من الهيئة التي أوقفت النشاط".

قصة أخرى ترويها طاش، وفي نشاط مشابه فتقول "عمدت شركة تجارية أيضاً إلى تنظيم دورات مجانية للسيدات غير العاملات والمتخرجات حديثاً، وكان نشاطاً مفيداً وفيه استثمار لوقت الفراغ. وقد أجهضت الهيئة المشروع الخيري رغم وجود الضوابط التي تكفل حشمة النشاط واحترام وضع المرأة من ناحية دينية، وأتى رجال الهيئة بهدف إلغاء النشاط بأي طريقة، وبحثوا عن أي شيء يمكن اعتباره "غلطة" من وجهة نظرهم".

مبدأ حيوي.. ولكن

الكاتب عبدالله بجاد العتيبي يشير إلى "التوصيف الذي يضع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موقعها "مؤسسة حكومية"، مثلها مثل غيرها من المؤسسات المشابهة، تقوم بمهمة خاصة في ضبط نوع خاص من التعديات الاجتماعية أو الإخلال بالنظام العام والقيم الأساسية للمجتمع وتحديدا في الجانب الأخلاقي".

ويضيف العتيبي "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ إسلامي حيوي، كان ومازال وسيظل من مميزات هذه الأمة ومن شعائرها التعبدية الموصلة للرقي الحضاري والمحافظة على توازن المجتمع في شتى المناحي، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصيغتها لدينا هي مؤسسة مدنية بشرية تحاول تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع السعودي باجتهاد خاص".

ويتابع العتيبي "إنكار المبدأ إنكار لجزء من الشرع جاءت به النصوص الشرعية بوضوح، وإنكار الثاني أو انتقاده ليس كذلك بحال فهو انتقاد لجهد واجتهاد بشري على مستوى الفكر المنظم للتطبيق والبناء الهرمي الإداري والتخصصات المناطة بهذه المؤسسة المدنية وآلياتها في التطبيق والحركة".

ويضيف: "الهيئة مؤسسة مدنية تحمل مبدأً دينيا وقد كان للتسمية دور في التأثير في صورة المبدأ من نواح متعددة، منها أن المبدأ كان عاماً في الاحتساب على كل خلل في المجتمع من الدولة ومؤسساتها إلى التجار في أسواقهم والصناع في مصانعهم والنظر في المظالم ونحو ذلك كثير. بمعنى أنه يدخل فيه بالصيغ المعاصرة شؤون البلديات والرقابة على المال العام ونحو ذلك من المؤسسات الرقابية، والمؤسسات الأمنية وغير هذا من المؤسسات ذات العلاقة. لذا فهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية لها مهمة خاصة وجزئية داخل هذا المبدأ الديني الكبير، ومهمتها الخاصة لها علاقة مباشرة بخصوصيات الناس والمجتمع وسلوكياتهم الأخلاقية من صلاة وحجاب ونحوها، ولقد كان من أثر هذا التخصص أن رسخ في العقل الجمعي للمجتمع موقفا رافضاً ذلك أن التدخل في الخصوصيات الإنسانية، غالباً ما يثير البشر ويستفزهم خصوصاً عندما رافق التطبيق الكثير من الخلل والأخطاء".

لكن المحامي مشعل الدوسري يؤكد "أن نظام الإجراءات الجزائية كفل للجميع حقوقهم وهو واضح لجميع الجهات الأمنية وواضح أيضا لعموم المواطنين. ومسؤولو الهيئة يعرفون جيداً مواد النظام ومن حق المتضررين مقاضاة أي جهة تخالف نظام الإجراءات الجزائية".

بُعد فقهي.

وفي جانب آخر يركز علي القرني على أهمية البعد الفقهي في العمل، ويقول "لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة من شعائر الدين التي سار عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده صحبه الكرام رضي الله عنهم، فمن تركها عليه إثم الرب عز وجل".

ويضيف "هذا شيء لا ننكره ولا ينكره مسلم يستطيع الجهر بكلمة الحق. قال تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). البعد الفقهي لأعمال الهيئة نصت عليه معظم كتب الفقه، فما كان فيه خلاف بين فقهاء الإسلام فلا إنكار فيه، وإنما الإنكار يكون فيما أجمع عليه الفقهاء. وأنا شخصياً أرى دوراً إيجابياً في الهيئة، ولابد من تغليب المصالح العليا في بعض قضايا الأمر بالمعروف ومعرفة الأمور التي يختلف فيها الناس وظروف بعض البلدان وساكنيها وهذا لن يتأتى إلا بزيادة الدورات والمحصول العلمي لأفراد الهيئة".

الباحث في مجال إدارة الموارد البشرية ماجد السحيمي يؤكد رأي الكاتب عبدالله العتيبي.. ويقول: "جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثله مثل غيره من الأجهزة يحتاج إلى تطوير حتى يكون مواكباً للمتغيرات الحديثة".

ويقترح السحيمي أن "تستعين الهيئة بالمكاتب المتخصصة في تقييم العمل الإداري والمختصين من أساتذة الجامعات ومعهد الإدارة ووزارة الخدمة المدنية ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الشؤون الإسلامية وأيضا وزارة الداخلية لدراسة الأداء الحالي لجهاز الهيئة وتقييم المشكلات القائمة وتقييم السلبيات والإيجابيات التي يتعرض لها الجهاز، ودراسة كافة المقترحات التي يمكن أن تسهم في تطوير العمل الإداري لأعضاء الهيئة كدورات فن التعامل، وآداب الحوار، ودورات علم النفس، والتوجيه والإرشاد والاستعانة بالخبرات العلمية لأبناء الوطن في مجالات مختلفة كالاستشاريين النفسيين، خاصة أن الهيئة تتعامل مع قضايا مختلفة لا تحتاج في كثير من الأحيان سوى إلى إرشاد نفسي".

ويضيف السحيمي: "لابد أيضاً من التركيز على اختيار الأعضاء المؤهلين لعمل الجهاز وممن يحملون الشهادات الجامعية ويلمون إلماماً دقيقاً بفقه الأمر بالمعروف وما يتطلبه التعامل مع الجمهور وإحالة الأفراد الذين لا تتوفر فيهم تلك الصفات إلى أعمال أخرى حتى لا يتسببوا في تشويه صورة الجهاز".

ويركز السحيمي على "أن تتعامل الهيئة بشفافية في قضايا وشكاوى الناس التي تثار فإذا كانت هناك أخطاء لابد أن تعلن للجميع حتى يثق الناس في دور الهيئة، كما من المهم حرص الهيئة على التعامل برفق مع الناس وتُصغي إلى النخب الاجتماعية والإعلامية فيما يطرحونه من آراء ومقترحات تمد جسور الحوار والتواصل".

مسلك مشين

من خلال الطرح السابق يتضح عدد من الرؤى المتصلة بنشاط الهيئة وأسلوب تعاطيها مع أعمالها اليومية. ولا شك في أن هناك اتفاقاً على مبدأ نشاط الهيئة، في الوقت الذي اتضح الاختلاف في الأسلوب. إلى جانب ذلك هناك اتفاق على رفض العنف أيا كان مصدره.