”أمير المؤمنين” يخاطب العرب مترجَماً من إسرائيل!

تاريخ النشر: 03 أبريل 2007 - 05:22 GMT

البوابة-تقرير بسام العنتري:

بات بامكان العرب ولاول مرة في التاريخ متابعة خطب "امير المؤمنين" في بث حي ومباشر، لكن عبر مترجم، ذلك ان "الخليفة" يرفض التحدث بالعربية، ولسبب لا زال ستوديو البث في اسرائيل ممتنعا عن تقديم توضيح بشأنه.

و"الخليفة" الذي يتقن العربية بدلالة حفظه للقرآن، يتخذ مقره في لندن وتبث خطبه كل مرة من بلد مختلف، حيث انه يمضي معظم ايام السنة متجولا على تجمعات رعيته "القاديانية" المنتشرة في انحاء العالم.

لكنه رغم تجواله يحرص على الظهور بشكل مستمر في "حلقات ذكر" تبثها الشبكة التلفزيونية التابعة له، والتي تحرص على تقديمه خلالها بأجل الصور عبر تركيز الكاميرات على المريدين الملتفين حوله بخشوع بالغ.

وفي احدث حلقات الذكر هذه، اسهب "حضرة الخليفة ميرزا مسرور احمد" في الاجابة عن سؤال لمريد اندونيسي حول فريضة "الجهاد".

وبدا جليا ان الخليفة الباكستاني الاصل البريطاني الجنسية، كان منتشيا وهو يجيب عن السؤال الذي يشكل فهم طائفته لجوهره احد اهم العوامل التي مكنتها من نيل حظوة عند البريطانيين الذين احتضنوها في بداية انبثاقها ابان احتلالهم للهند.

اوضح الخليفة للسائل ان نبيهم "الامام المهدي والمسيح الموعود" ميرزا غلام احمد الذي "تنزل عليه الوحي" في قرية قاديان باقليم البنجاب الهندي قبل نيف ومئة عام، افتى بان الجهاد هو للنفس وان أي فهم اخر له هو بالضرورة "مغاير" لما اراده الله من هذه الفريضة.

وبنبرة حازمة، قال "الخليفة" وهو يؤكئ مرفقه على مسند الكرسي ويهز رأسه الملتفة بعمامة بيضاء ترتفع احدى اطرافها الى الاعلى بنحو ذراع، ان ما تمارسه جماعات المقاومة سواء في العراق او افغانستان او فلسطين او غيرها من البلدان الاسلامية، ليس جهادا، بل عنف دعواه "فاسدة".

ثم راح "الخليفة الخامس" للنبي المفترض يبين مجددا ان المقصود من الجهاد انما هو مقارعة شهوات النفس ونزعاتها وليس منازلة الاخرين وخوض الحروب معهم.

لكن الخليفة لم يصل الى الحد الذي بلغه نبيه عندما تغنى بالبريطانيين ابان احتلالهم لبلاده، الى حد وصفهم بـ"اولي الامر" و"النعمة"، ومطالبته اتباعه بتقديم فروض الطاعة والولاء لهم.

وفي تعاليم هذا النبي ما ينص على "نُسخ الجهاد بالسيف بإذن الله" واعتبار ان "من حمل السيف على كافر بعد اليوم وسمى نفسه غازيا فقد عصى رسول الله، الذي قال قبل ألف وثلاثمائة سنة: إن الجهاد بالسيف ينتهي بعد مجيء المسيح الموعود.. فلا جهاد الآن بعد ظهوري".

وقد شكلت هذه العقيدة التي بشر بها النبي المفترض، مفتاحا سحريا جعل دعوته تحظى برعاية من سلطات الاحتلال البريطاني التي كانت تعاني من ضربات الجماعات الاسلامية التي اعلنت عليها الجهاد.

وبفضل الرعاية والاحتضان البريطانيين، تمكنت العقيدة الجديدة من النمو بسرعة اذهلت الجماعات الاسلامية الاخرى في البلاد، والتي سرعان ما ناصبتها العداء واعتبرتها اداة للتخذيل عن الجهاد وحكمت على اتباعها بالكفر.

فخلال عقود قليلة، تمكنت الديانة التي بات يطلق عليها القاديانية، نسبة الى قرية قاديان مهبط وحي "النبي" الجديد، من مد اذرعها وتجذير نفسها في منطقة الشرق الاوسط وجنوب شرق اسيا وافريقيا واوروبا والاميركيتين.

واليوم، تقول هذه الطائفة ان عدد اتباعها يبلغ نحو مليوني شخص، في حين ان مناهضيها يقدرون العدد بخمسة ملايين فقط معظمهم في الهند وباكستان.

وتتحكم الطائفة التي تطلق على نفسها ايضا "الجماعة الاسلامية الاحمدية"، بثروة طائلة تقدر بالمليارات، ويعود الفضل في تناميها الى الاقتطاعات الدورية من مرتبات الاتباع، والتي تزيد عن ستة في المئة لكل منهم.

وقد مكنتها هذه الثروة من بناء الاف المساجد في اوروبا، كان اخرها واكبرها مسجد "بيت الفتوح" في لندن، والذي بلغت كلفته نحو ثلاثين مليون دولار.

كما انها تمتلك امبراطورية تبشيرية يديرها مختصون على درجة عالية من الثقافة يعملون عبر 166 مكتبا تنتشر في اكثر من سبعين بلدا حول العالم.

فلسطين جسرا

وفي الوقت الذي ازدهرت القاديانية حول العالم، الا ان محاولاتها التي بذلتها مطلع ومنتصف القرن الماضي فشلت الى حد بعيد في ايجاد موطئ قدم لها في البلدان العربية، حيث ووجهت بمقاومة شرسة هناك من قبل القيادات الدينية لمختلف المذاهب الاسلامية.

لكن القاديانية، لم يفتر تصميمها يوما على الانتشار في الرقعة العربية، وها هي تعاود الكرة اليوم، ولكن عبر بوابة اسرائيل التي يعتقد انها تحتضن ثاني اكبر مركز للطائفة بعد بريطانيا.

فمؤخرا، انشأت الطائفة في حيفا ستوديو تلفزيونيا باشر اول بث بالعربية لشبكة "التلفزيون الاسلامي الاحمدي- ام تي ايه3" التي تاسست في لندن عام 1994، وتبث بثماني لغات.

وتواكب بدء البث مع اعلانات نشرتها القناة في صحف بلدان عربية من بينها الاردن تدعو فيها المشاهدين الى المشاركة في برامجها الحوارية التي تتناول معتقدات القاديانية ومفاهيمها. وارفقت مع الاعلان ارقام هواتف وفاكس وعناوين الكترونية جميعها في حيفا.

وقد اختيرت هذه المدينة الفلسطينية الساحلية تحديدا لاحتضان البث العربي، لحقيقة ان قرية الكبابير القريبة منها تضم اكبر تجمع للقاديانيين في فلسطين، حيث ان سكانها الذين يعدون اليوم نحو ثلاثة الاف نسمة، كانوا اول من اعتنق القاديانية في المنطقة.

وقد بنت الطائفة اول مسجد لها في القرية سنة 1934 هو مسجد "سيدنا محمود"، وكانت ولا تزال تأمل في ان يشكل قاعدة للانتشار في فلسطين، ومن ثم في العالم العربي.

وكما حظيت الطائفة بالاحتضان من قبل الاحتلال البريطاني في الهند، فانها ايضا تمتعت برعاية المحتل الاسرائيلي في فلسطين، والذي قدم لها مختلف التسهيلات بعدما اطربه معتقدها الرافض لمفهوم الجهاد.

لكن الطائفة تنفي ان تكون لها اية علاقات او تعاون مع الدولة العبرية، وفي الوقت نفسه تنأى بنفسها عن لب الصراع الدائر في فلسطين.

أسسها بأمر الله

في تعريفها لنفسها، تقول القاديانية انها "جماعة إسلامية تجديدية عالمية" اسسها "بامر من الله تعالى" في قاديان عام 1889 "سيدُنا ميرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام"، والذي توفي عام 1908 بعدما خلف أكثر من خمسين كتاباً ونشرة ومقالاً كلها تدعوا إلى عقيدته الجديدة.

وتقول المراجع ان ميرزا هذا بدأ نشاطه كداعية إسلامي، ثم ادعى أنه مجدد ومُلْهَم من الله، ثم تدرج درجة أخرى فادعى أنه المهدي المنتظر والمسيح الموعود.

وهو يقول في ذلك "إن المسلمين والنصارى يعتقدون باختلاف يسير أن المسيح ابن مريم قد رفع إلى السماء بجسده العنصري، وأنه سينزل من السماء في عصر من العصور، وقد أثبتُّ في كتابي أنها عقيدة خاطئة، وقد شرحت أنه ليس المراد من النزول هو نزول المسيح بل هو إعلام عن طريق الاستعارة بقدوم مثيل المسيح، وأن هذا العاجز (يعني نفسه) هو مصداق هذا الخبر حسب الإعلام والإلهام".

ثم انتقل من دعوى المثيل والشبيه بالمسيح إلى دعوى أنه المسيح نفسه، فقال "وهذا هو عيسى المرتقب، وليس المراد بمريم وعيسى في العبارات الإلهامية إلا أنا".

ولما كان المسيح نبيا يوحى إليه، فقد ادعى ميرزا أنه يوحى إليه، وكتب قرآنا لنفسه سماه "الكتاب المبين".

ويقول ف هذا الكتاب "أنا على بصيرة من رب وهّاب، بعثني الله على رأس المائة، لأجدد الدين وأنور وجه الملة وأكسر الصليب وأطفيء نار النصرانية، وأقيم سنة خير البرية، وأصلح ما فسد، وأروج ما كسد، وأنا المسيح الموعود والمهدي المعهود، منَّ الله علي بالوحي والإلهام، وكلمني كما كلم الرسل الكرام".

ويبدو أن دعوى أنه المسيح لم تلق القبول المرجو، فانتقل إلى دعوى أنه محمد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الحقيقة المحمدية قد تجسدت فيه، وأن محمدا قد بُعث مرة أخرى في شخصه.

وفي هذا كتب قائلا "إن الله أنزل محمدا صلى الله عليه وسلم مرة أخرى في قاديان لينجز وعده".

ويضيف ان "المسيح الموعود هو محمد رسول الله وقد جاء إلى الدنيا مرة أخرى لنشر الإسلام" ثم ادعى أن نبوته أعلى وأرقى من نبوة محمد.

عقائد غريبة

يعترف القاديانيون بوحدانية الله ورسالات الأنبياء والملائكة والقرآن والجنة والنار والبعث والحساب و"تحريف النصارى للكتاب المقدس"، ناهيك عن تأكيدهم على أن الإسلام أول دين عالمي للبشرية كلها وانه سيسود في النهاية.
لكن ما جعلهم هدفا لحملات المرجعيات الإسلامية بشقيها السني والشيعي هو أنهم خالفوا احد أهم أركان الإسلام وهو أن محمدا هو خاتم الأنبياء والمرسلين.

ولئن كانت هذه هي الحجة الرئيسية لتكفيرهم، فان الحجج الأخرى تشمل اعتقادهم بأن المسيح صلب فعلا ثم بعث مجددا ليعيش حياة طويلة قبل أن يتوفى ويدفن في كشمير عن 120 عاما.

كما انهم يؤمنون بتفسيرات للقران مغايرة تماما لما لدى المذاهب الاخرى، ويرفضون التسليم بالاحاديث النبوية.

ومن بعض عقائدهم الغريبة، انهم يؤمنون بتناسخ الأرواح، حيث يقول نبيهم ميرزا أن إبراهيم عليه السلام ولد بعد ألفين وخمسين سنة في بيت عبدالله بن عبدالمطلب متجسدا بالنبي محمد، ثم بُعث النبي وسلم مرتين أخريين أحدهما عندما حلت الحقيقة المحمدية في "المتبع الكامل"، وهو هنا يعني نفسه.

كما انهم يعتقدون أن الله يصوم ويصلي وينام ويخطيء، وفي هذا يقول ميرزا "قال لي الل : إني أصلي وأصوم وأصحو وأنام" وقال "قال الله إني مع الرسول أجيب أخطيء وأصيب إني مع الرسول محيط ".

ويعتقدون أن النبوة لم تختم بمحمد بل هي جارية، وأن الله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن غلام أحمد هو أفضل الأنبياء جميعاً!! وأن جبريل عليه السلام كان ينزل على غلام أحمد بالوحي، وأن إلهاماته كالقرآن .

يعتقدون أن الحج الأكبر هو إلى قاديان وزيارة قبر نبيهم، ونصوا على أن الأماكن المقدسة ثلاثة هي مكة والمدينة وقاديان، فقد جاء في صحيفتهم "أن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف خشيب، لأن الحج إلى مكة لا يؤدي رسالته ولا يفي بغرضه".

ويقول بعض مناهضيهم انهم يبيحون الخمر والأفيون والمخدرات باعتبار انها تساعدهم على السمو في التفكير والتدبر في خلق الله والوقوف على اسرار ونواميس حكمته.

وايضا يعتبرون كل مسلم كافرا حتى يدخل القاديانية، كما أن من تزوج أو زوَّج لغير القاديانيين فهو كافر.

غير ان اتباع القاديانية ينفون تماما ان يكون في معتقدهم ما ينسب الى الله الصوم والنوم وغيره، او يدعو للحج الى قاديان ويبيح الخمر ويكفر الاخرين من المسلمين.

وهم في هذا يتبعون نهجا من "التقية" التي تتحصن وراءها بعض طرق الشيعة، وفقا لما يقول بعض مناهضي هذه الطائفة.

ملاحقة ورفض

ومنذ انطلاقة التبشير بها، تصدى علماء االمذاهب الاسلامية للقاديانية، ومن اوائلهم الشيخ أبو الوفاء ثناء الله أمير جمعية أهل الحديث في عموم الهند.

وفي باكستان، قام مجلس الأمة بمناقشة أحد زعماء هذه الطائفة "ميرزا ناصر أحمد" والرد عليه من قبل الشيخ مفتي محمود. واستمرت هذه المناقشة قرابة الثلاثين ساعة عجز فيها "ناصر أحمد" عن الجواب فأصدر المجلس قراراً باعتبار القاديانية أقلية غير مسلمة.

وقد بذلت محاولات كثيرة من الخمسينيات من قبل القوى الاسلامية الباكستانية لحظر هذه الطائفة، شملت وقتها اعمال عنف ومصادمات بين الاحمديين وقوات الامن.

غير ان هذه المحاولات اصطدمت باعتراضات ممثلي ما كان يسمى باكستان الشرقية الذين كانوا يميلون الى المحافظة على شئ من علمانية الدولة التي اسسها محمد علي جناح. وهكذا لم تتعرض القاديانية رسميا اثناء حياة جناح وخلفائه المباشرين لاي قمع او تمييز، بل على العكس، اختير احد رموزها وهو "ظفر الله خان" ليكون اول وزير خارجية للبلاد.

وفي عام 1974 انعقد مؤتمر برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وحضره ممثلون للمنظمات الإسلامية العالمية من جميع أنحاء العالم، وأعلن المؤتمر كفر هذه الطائفة وخروجها عن الإسلام، وطالب المسلمين بمقاومة خطرها وعدم التعامل معها، وعدم دفن موتاهم في قبور المسلمين .

كما صدرت فتاوى متعددة من عدد من المجامع والهيئات الشرعية في العالم الإسلامي، تقضي بكفر القاديانية، منها المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، هذا عدا ما صدر من فتاوى علماء مصر والشام والمغرب والهند وغيرها.