الأدب عند ابن حزم الأندلسي

منشور 10 تشرين الأوّل / أكتوبر 2017 - 11:21
ابن حزم الأندلسي
ابن حزم الأندلسي

  إنّ هذا المقال هو دعوةٌ إلى مأدَبة أديبٍ، تتفتّح أمامَها شهيةُ العقل، ويسيل لها لعابُ الفكْر، ومَن وصل إليها ونهَل منها فلن يسَعَهُ سوى الاستزادة دون أن يشعر بالتخمة أو الشبع... إنّه ابن حزم الأندلسي، واسمه علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، العالِم الموسوعي الذي ملأ ذكره الدنيا منذ زمنه (القرن الرابع الهجري) وحتى زماننا هذا.

اقرأ في البوابة: سيرة ابن حزم الأندلسي

نعرض في هذا المقال إلى جانب من الجوانب التي امتاز بها ابن حزم، وهو الجانب الأدبي، نقدًا وشعرًا ونثرًا، من أجل أن يكون ذلك نبراسًا لطلاب الأدب والباحثين، يستحثهم على مزيد من الدراسات المتخصصة حول أدَب هذا العَلَم.

 

1.   الناحية الأدبية عند ابن حزم الأندلسي، وما قاله النقّاد والعلماء عنه في ذلك:

لقد شهد الذين كتبوا عن ابن حزم له بالشاعرية والإبداع الأدبي، على الرغم من أنّ شهرته بالفقه الشرعي كانت أوسع نطاقاً حتى كادت الناحية الأدبية الحزمية تغيب عن أذهان الناس.

ويُعدّ ابن حزم من العلماء القلائل الذين جمعوا بين قوة الفكر ورقة الأدب والفن. وقد ظهر ذلك في كثيرٍ من آثاره الباقية، فعلى سبيل المثال:  مؤلَّفُه "طوق الحمامة" الذي جمع بين الإبداع النثري والشعري في موضوع الأُلفة والأُلّاف، بل هو أهم كتبه على الإطلاق في هذا الميدان. إضافة إلى ما يحتويه من جدة في الموضوع، ومن تحليلات نفسية أخلاقية عميقة لم يُسبق إليها، ومن منهجية مبتكرة في العرض والتحليل. ويمتاز أسلوبه النثري في هذا المؤلف الفريد بالجمع بين قوة التدفق، ودقة الوصف والتحليل ومتانة السبك والبعد عن التكلّف والصنعة، إذ كان يأخذ على الكثير من معاصريه الصنعة التي كانوا يكتبون بها، أو ينظمون بها أشعارهم([1]). وسيأتي لاحقاً تفصيل الكلام عن المصادر الأدبية التي خلّفها لنا ابن حزم.

أما شهادة المؤرخين له بذلك؛ فهذا هو تلميذه الحميدي يقول: (وكان له في الآداب والشعر نفَس واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وشعره كثير، وقد جمعناه على حروف المعجم) ([2]).

وقال تلميذه الآخر أبو القاسم صاعد بن أحمد: (كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم، مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسيَر والأخبار) ([3]).

وقال ابن العماد الحنبلي: (كان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنة والمذاهب والملل والنحل والعربية والآداب والمنطق والشعر مع الصدق والديانة والحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب)([4]).

وقال الذهبي: (وَكَانَ قَدْ مَهَرَ أَوَّلاً فِي الْأَدَبِ وَالْأَخْبَارِ وَالشِّعْرِ) ([5]).

وقال ابن كثير: (... وَكَانَ أديباً طبيباً شاعراً فصيحاً)([6]).

 

2.   المصادر الأدبية التي خلّفها ابن حزم:

ذَكَرَ الحميدي عن أستاذه ابن حزم أنّه خلّف ديوان شعر، رتّبه -أي الحميدي- على حروف المعجم، لكن هذا الديوان لم يصل إلينا كاملاً، وما وصل منه مبثوث في كتب متفرقة. فقد أشار د. إحسان عباس -بعد أنْ أورَد قصائد عدّة من شعر ابن حزم- إلى أنّه عثر عليها ضمن مخطوط كُتب عليه "ديوان ابن حزم" وبقية المخطوط في لزوميات المعري، كما وردت أشعاره في مشاكل الأبصار ([7]).

«هذا الشعر يتراوح بين قصائد مطولة كتلك التي نظمها في الزهد والوعظ، وبين قصائد قصيرة ومقطوعات أغلبها نظم تعبيراً عن شجونه العاطفية أو جدالاً لخصومه وشكوى من أهل زمانه.

كما خلّف عدة رسائل، لعل أهمها في هذا الباب:

"رسالة التقريب لحد المنطق" ذكر فيها وجهة نظره في قضايا بلاغية.

ورسالة "التلخيص لوجوه التخليص" ورد فيها مفهومه في الشعر والغاية منه.

ثم رسالته في "مراتب العلوم"»([8]) والتي فيها رؤيته النقدية للشعر.

كما سبق الحديث عن كتابه "طوق الحمامة" والذي يُعد من أثمن كتبه في هذا الباب... وقد «ذاعت شهرته فلقي إقبالاً كبيراً لدى الأوروبيين الذين تلقوه بالنقد والتحليل، وتُرجم إلى لغات مختلفة (الإنجليزية والروسية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية...) فلقي هذا الكتاب اهتمام الباحثين والدارسين نظراً لموضوعه الإنساني الذي يمسّ خبايا النفس في الحب والعاطفة، ونزعات النفس وميولاتها العاطفية»([9]).

 

3.   النقد الأدبي عند ابن حزم([10]):

لقد كان ابن حزم ناقداً يتميز عن بقية النقاد في فهمه لوظيفة الشعر ويختلف عنهم، في عدة قضايا، منها:

1 - أن فهمه للشعر انطلق فيه من مبدأ دينيٍّ أخلاقيٍّ، فقَبِل بعض الأغراض الشعرية كأشعار الحكمة والزهد والوعظ والرثاء والاعتبار بالدنيا… الخ. ورفَض أخرى، كأشعار اللهو والخمريات والخلاعة، ونهى عن ذكر الفواحش في الغزل، ورفض الهجاء رفضاً قاطعاً لما فيه من تناول لأعراض الناس… كما رفض شعر الصعلكة والحروب، لأنه يثير الفتن ويهوى الجنايات والشرَه إلى سفك الدماء، مستنداً في رأيه هذا إلى الميزان الفقهي في قبول ما قَبِل، وفي رفْض ما رَفَض، كالتحليل والإباحة والتحريم والنهي… إلخ. ويَظهر رأيُه في ذلك في رسالته "مراتب العلوم" -ضمن مجموع رسائله-.

2 - كما أنه يخالف النقاد والشعراء في مفهوم المجاز والاستعارة، فهو ينكر مغالاة الشعراء ومبالغاتهم، فلكل شيء حد -حسب تعبيره في "طوق الحمامة"-، فوصف الشعراء لنحول المحبين -على سبيل المثال- وتشبيه الدموع بالأمطار التي تروي السفار، وعدم النوم البتة، وانقطاع الغذاء جملة… يعدّ ذلك كله كذبا لا وجه له، لذلك فهو يكره الكذب حتى في الشعر، فالأمور إذا خرجت عن حد المعقول لا تُصدق، ولا تجد لها التأثير المطلوب في النفوس. لذلك فهو يقر مبدأ الصدق والكذب في الشعر، منطلقاً فيه من نزعته الأخلاقية، فقد أعلى من مبدأ الصدق حتى جعله على رأس الفضائل الإنسانية كلها في كل مؤلفاته، وبخاصة في كتابه "الأخلاق والسير في مداواة النفوس".

وتأسيساً على مبدأ الصدق دعا إلى الاقتصاد في استعمال المجازات والاستعارات والتشبيهات، وكل ضروب الصنعة، فهو يحب التوسط والاعتدال في كل شيء، كما أنه لا يساير القولة المشهورة (أعذب الشعر أكذبه).

ونتيجة لذلك فإنه سيصدر في كل ما نظمه من أشعار عن تجربة حقيقية معاشة، ويستقي لغته من واقع التجربة وليس من الذاكرة، كما هي عادة معظم شعراء العرب، ومن ثم اتسمت تجربته بالصدق في شعره ولغته بالحيوية والعفوية.

وهكذا سيكون شعر ابن حزم سجلاً ومرآةً لكل مراحل حياته، وتعبيراً فنياً حياً وصادقاً عن مشاعره وعواطفه اتجاه المرأة والطبيعة من جهة، ومن جهة أخرى تعبيراً عن همومه الفكرية في صراعاته مع الحساد والمناوئين من أهل زمانه. ثم وصفاً صادقا لمعاناته الرحلة والاغتراب والحنين إلى الديار التي أصبحت أطلالاً… وأخيراً سيتخذ الشعر تعبيراً عن تأملاته الفكرية في الحياة والموت، واستشرافه للعالم الآخر.

 

4.   نماذج من شعر ابن حزم([11]):

لن يستوعب هذا المقام أكثر من تناول محور واحد من حاور شعر ابن حزم، وهي كثيرة؛ فقد قال الشعر في الرثاء والغزل ووصف الطبيعة والرد على المناوئين وفي الزهد والمواعظ. وتم اختيار محور يتعلق بالأشعار العاطفية، وفيها ما يستجلي رؤية ابن حزم الشعرية، وبُعدها الذاتي، وموقفه من الآخر.

لقد عبر ابن حزم عن مشاعره اتجاه المرأة كما لم يفعل فقيه من قبله ولا من بعده، بصدق وصراحة، وعدّ عاطفة المحبة بين الرجل والمرأة نعمة من الله تعالى.

فهو لم يكن فقيهًا جافي العواطف أو مرائيًا يتنكر لما بث الله في قلبه من عواطف إنسانية نبيلة.

كما أنه لم يكن كبقية شعراء الغزل التقليديين الذين يستوحون لغتهم الغزلية مما يحفظون من شعر وهم يرددون أوصافا لنساء لا وجود لهن في الواقع، جريا على العادة والتقليد. بل إنه صدر -كما سلف الذكر- عن تجربة حية معيشة، وتحدث عن نساء واقعيات من مجتمعه، وذكر بعضهن بأسمائهن الحقيقية.

وتتسم أشعاره في هذا الباب بالنزعة العذرية، إلى لا مجال فيها للعبث بصورة المرأة أو قيمة العفة. ولذلك تجده يفرق بين الحب الحقيقي، وبين مجرد الاستحسان الجسدي، وبذلك يرد على من يزعم كونه يحب اثنين في آن واحد قائلًا([12]):

كذب المدعي هوى اثنين حتما * مثل ما في الأصول أكذب ماني

ليس في القلب موضع لحبيــــ * ـبيـن ولا أحدث الأمور بثانـــــــي

فكما العقل واحد ليس يــــــدري * خالقا غير واحد رحمـــــــــــان

فكذا القلب ليس يهـــــــــــــوى * غير فريد مباعد أو مــــــــــدان

هو في شرعة المودة ذو شــــــكٍّ بعيد من صحة الإيمــــــــــــان

وكذا الدين واحد مستقيــــــــــم * وكنوز من عنده دينـــــــــــــان

فهو يعد التعدد في الهوى كفرا وعدولا عن الوفاء، وهو يستنكر أن يحب الرجل شخصين دفعة واحدة ويعد ذلك من قبيل الشهوات الجسدية ليس إلا، وهي من صفات الرجل الملول الذي يتقلب في أهوائه ولا يستقر على عاطفة واحدة… وليس هذا من الحب الحقيقي الذي هو أولا وقبل كل شيء تشاكل بين النفوس وتوحدها في خصائص معينة… كما فصّل ذلك في طوق الحمامة.

وهكذا يربط ابن حزم عاطفة المحبة التي تربط الرجل بالمرأة بالأخلاق، بل إنه يربط الأخلاق في كل ما يصدر عن الإنسان من مشاعر وأفعال وأفكار… فالصدق والعفة والوفاء قمة القمم في السلوك البشري، وقد لقي عنتا كبيرا من أهل زمانه الذين لا موه على أشعاره العاطفية، وهو الفقيه المتدين، واستنكر بعضهم منه تأليف طوق الحمامة في الحب.

فما كان منه إلا أن يرد عليهم، مجادلا، ومدحضا أقوالهم بالحجة من الكتاب والسنة، ومن سيرة الخلفاء الراشدين… ويبين لهم أن القلوب بيد الله تعالى وما يلزم الإنسان سوى معرفة الصواب من الخطأ في ذلك، فالمحبة فطرة وخلقة، وإنما يملك الإنسان جوارحه المكتسبة. خصوصا وأنه وهب من رقة المشاعر وحب الألفة شيئا كثيرا.

إذن فهو يرى بأن قمع هذه العواطف أو إخفاءها يعد نوعا من الكذب والرياء، كما أنه لا يود أن ينسك نسكا أعجميا، أو يسلك مسلكا ازدواجيا وهو الغالب على المجتمع الأندلسي، حيث التدين والتقوى في الجانب الظاهري والانحلال والشذوذ في الجانب السري من حياتهم، وكثيرا ما أورد أخبار وقصص كثير من هؤلاء المتدينين في طوق الحمامة انتهت بالفضائح والمآسي.

وأن الذين يلومونه رجال لم يعرفوا معنى المحبة قط ولم تنفذ أشعتها إلى قلوبهم الجافة، يقول:

يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهـــوى * وسيان عندي فيك لائح وساكــت

يقولون: جانبت التصاون جملـــة * وأنت عليهم بالشريعة قانـــــــت

فقلت لهم، هذا الرياء بعينـــــــه * صراحا وزيي للمرائين ماقـــــــت

متى جاء تحريم الهوى عن محمـد * وهل منعه في محكم الذكر ثابـــت

إذا لم أواقع محرما أتقي بـــــــــه * مجيء يوم البعث والوجه باهـــت

فلست أبالي في الهوى قول لائـــــم * سواء لعمري جاهز أو مخانــــــت

وهل يلزم الإنسان سوى اختيـــــار * وهل بخبايا اللفظ يؤخذ صامــــت

وانطلاقًا من هذا الفهم العنيف لعاطفة المحبة، فإنه لم يجد حرجا في التعبير عن عواطفه الصادقة ومشاعره المتفقة اتجاه المرأة التي أحبها. ولعل من أروع شعره في هذا المجال، الأبيات التالية:

وددت بأن القلب شق بمديــــــــة * وأدخلت فيه ثم أطبق في صــدري

فأصبحت فيه لا تحلين غـيــــــره * إلى ملتقى يوم القيامة والحشــــــر

تعيشين فيه ما حييت فإن أمــــت * سكنت شغاف القلب في أحكم التبر

فهذا الفيض من المشاعر الصافية، وهذا التدفق العاطفي، نادرا ما صدر عن الشعراء العرب، في أشعارهم الغزلية. وعلى غرار الأبيات السابقة، ما قاله عندما نعي إليه من كان يجب، فقام فارا بنفسه، نحو المقابر، حيث أنشد هذه الأبيات متحسرا، متلهفا على المحبوبة الفقيدة:

وددت بأن ظهر الأرض بطـــــــن * وأن البطن صار منها ظهـــــــرا

وأني مت قبل ورود خطـــــــــب * أتى فأثار في الأكباد جمـــــــرا

وأن دمي لمن قد بان غســــــــــل * وأن ضلوع صدري كن قبـــــــرا

من هذا القبيل أيضا تلك الأبيات التي نظمها وقد أتاه طيف "نِعَم" -وهي زوجته الأولى- تلك الفتاة التي أحبها في شبابه وحزن على موتها حزنا شديدا، حيث قال:

أتى طيف نعم مضجعي بعد هــدأة * ولليل سلطان وظل ممــــــــــــــدد

وعهدي بها تحت التراب مقيمـــة * وجاءت كما قد كنت من قبل أعهد

فعدنا كما كنا وعاد زماننـــــــــــا * كما قد عهدناه قبل والعود أحمــــد

وانطلاقا من هذا الفهم الراقي عند ابن حزم لعاطفة المحبة، فإن صورة المرأة ترد في أشعاره مشرقة ومشرفة، في كثير من قصائده ومقطوعاته التي يتضمنها كتاب طوق الحمامة.

منها على سبيل المثال هذه الأبيات التي يصف فيها طريقة مشيها، وصفا رقيقا ودقيقا ينم عن دقة ملاحظة وبراعة في التشبيه والتصوير:

كأنها حين تخطو في تأودهــــــــا * قضيب نرجسة في الروض ميـاس

كأنما خلدها في قلب عاشقهـــــــا * ففيه من وقعها خطر ووســـــواس

كأنما مشيها مشي الحمامــــــة * لا كد يعاب ولا بطء به بــــــــــاس

وهذه دقة بليغة في تشبيه مشية هذه المرأة، فتارة هي قضيب نرجسة مياسة، وتارة يشبه وقع خطواتها لخفتها كأنها خاطرة أو وسواس (فكرة) بقلب عاشقها وتارة يشبهها بمشية الحمامة، حيث لا كد أو تعب أو سرعة ولا بطء به باس.

وكثيرا ما جاءت صورتها ممتزجة بصورة الطبيعة الأندلسية كما في الأبيات التي وصف فيها زيارة المحبوبة له وقت السحر وذلك قبيل قرع النصارى للنواقيس، وهلال الجو لم يغب بعد، وحيث اكتسى الأفق ألوانا بهية كأذناب الطواويس، كناية عن ألوان قوس قزح منتشرة في الجو:

أتيتني وهلال الجو مطلــــــــــع * قبيل قرع النصارى للنواقيـــــس

كحاجب الشيخ عم الشيب أكثره * وإخمص الرجل في لطف وتقويس

ولاح في الأفق قوس الله مكتسيــا * من كل لون كأذناب الطواويــــس

فبالإضافة إلى البيئة الطبيعية التي تبرز في هذا الوصف الدقيق لزمن الزيارة، هناك البيئة الاجتماعية، المتعددة الأديان والأجناس، حيث تتداخل أصوات قرع النواقيس بأصوات المؤذنين، وهي مظاهر مألوفة في المجتمع الأندلسي.

أما أهم السمات والخصائص الفنية لشعر ابن حزم؛ فيمكن إجمالها في الآتي:

1 - كان ابن حزم يقول الشعر استيحاء من المواقف النفسية التي كانت تعرض له ومن التجارب الحية التي يمر بها. لم يكن الشعر تهويما خياليا فحسب، أو مجرد صنعة فنية أو تقليدا لتجارب الآخرين، بل هو سرد أدبي للواقع وتسجيل فني له، الشعر عنده يكاد يطابق الحياة كما نجد لدى "دلتاي" في كتابه "التجربة والشعر" وهو أحد أقطاب النقد في المدرسة الألمانية الحديثة، حيث نفى في كتابه هذا انفصال الشعر عن الحياة. لذلك كثر الارتجال في شعر ابن حزم، وقد تعجب الحميدي من سرعة بديهته في قول الشعر، حيث قال: "وكان له في الآداب والشعر نفس واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وشعره كثير، وقد جمعناه على حروف المعجم" -كما مرّ سابقاً-.

وبسبب هذا الارتجال، خلا شعره من الصنعة اللفظية إلا ما جاء عفواً، وقد تسبب هذا -في رأي إحسان عباس- في ضعف بعض مقطوعاته وأشعاره المرتجلة.

2 - أسّس ابن حزم -في ما يبدو- لغة غزلية أخرى، مخالفة لما كان معهودا لدى معظم الشعراء، وهي لغة قائمة على الصدق والواقعية وعلى تجارب عاطفية حقيقية مر بها.

كما أن المرأة التي يصفها، أو يصف حبه لها، امرأة واقعية متعينة، وقد سمى بعض النساء بأسمائهن الحقيقية في شعره.

3 - الواقعية، وكما سبقت الإشارة فابن حزم كان يكره الكذب حتى في الشعر وينفر من المبالغات البعيدة لذا جاء شعره قريبا جدا من الواقع، يحكي عن أشخاص واقعيين، وينقل الحوار الدائر بينه وبين المخاطب: قال، وقلت. أو الجدال بينه وبين مناوئيه…الخ.

هذه السمة يمكن التقاطها من كل أشعار ابن حزم، فالشعر، كما سلف الذكر، تعبير عن الحياة ونقل للأفكار والمعاني.

4 - النزوع نحو التقاط الجزئيات الصغيرة والتفاصيل الدقيقة، كما هو مُلاحَظ، سواء في تصويره لعواطفه وحبه أو تصوير البيئة الأندلسية وطبيعتها أو في تصوير دقائق الأخلاق البشرية.

وتقديم صورة دقيقة عن النزعات الإنسانية ومظاهرها الخارجية من حركة ولون ونظرة وكلام وصمت… الخ.

هذا النزوع نحو التقاط الجزئيات يمكن أن نطلق عليها (السمة الأندلسية) ونجدها لدى بعض الشعراء الكبار، ذوي الإحساس المرهف، أمثال ابن خفاجة بل تمتد إلى العصر الحديث، وبخاصة عند الشاعر الغرناطي غرثيا لوركا، مثلاً.

5 - التحليل والتفريع في شعره، نتيجة ثقافته المتبحرة الواسعة كالأصول والجدل على الخصوص، والفقه والتفسير والتاريخ… الخ، وبخاصة تلك الأشعار التي واجه بها خصومه مجادلاً.

وهناك إضافة إلى هذا عدة جوانب وصور يمكن التقاطها من شعره، جوانب أخلاقية وسلوكات بعض أفراد المجتمع الأندلسي، وطريقة تفكير أهل عصره… الخ. 

5.   نماذج من نثر ابن حزم([13]):

من الواضح لمن يقرأ الطوق أن نثر ابن حزم فيه يقف موقف المفارقة من شعره، فهو أكثر شاعرية، وأحفل بالحيوية، وأقل حظاً من المحاكمات الذهنية.

ولا يتعدى هذا النثر ثلاثة طرائق، تجيء أحياناً مجتمعة في الفصول الطويلة، فينتقل القارئ فيما بينها نقلات مريحة، وتلك الطرائق هي: التقرير، والخبر أو الحكاية، والوصف الفني. ويجمع بينها التكثيف المتعمد استجلاباً للقوة في طيعة الأسلوب وطلباً للتأثير، وإن كانت الحكاية غالباً حظاً من ذلك، ويليها في الإكثار منه التقرير ثم ينفرد الوصف الفني بالمبالغة في التكثيف.

ويتراوح التقرير في حظه من التكثيف بين إقلال وإكثار. وقد نقارن هنا بين قوله في الطاعة:

"ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسراً إلى طباع من يحبه، وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القياد، ماضي العزيمة، حميّ الأنف، أبيّ الخسف، فما هو إلا أن يبتسم بنسيم الحب، ويتورط غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لياناً والصعوبة سهالة، والمضاء كلالة، والحمية استسلاماً".

فهنا يتدرج الأسلوب من الحديث عن الطاعة في جملتين إلى تصوير المحب في ست جمل إلى وصف الحالة عند الوقوع في الحب في ثلاث جمل إلى النتيجة في أربع (2 - 6 - 3 - 4) وعند السؤال لماذا اختص تصوير المحب بهذا القدر (وهو 2/ 5 القطعة في مجموعها)؟ نجد أن الجواب على ذلك هو ميل ابن حزم إلى رسم "الشخصية"، وهذا يتبين لنا إذا انتقلنا إلى تقرير آخر تحتل فيه "الشخصية" جميع الدورات التي مثلتها القطعة السابقة، وذلك هو التقرير عن حال المساعد من الإخوان الذي يشترط فيه أن يكون "صديقاً مخلصاً، لطيف القول بسيط الطول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحلم، واسع العلم.. الخ". ففي عملية التكثيف يحشد الكاتب ما يزيد على خمسين جملة في الشروط التي يجب أن تتوفر فيه.

أما الحكاية فإنها لا تتطلب تكثيفاً لأنها قائمة على الحركة، بينما التقرير يقوم على بطء فكري، من ذلك:

"كنت بين يدي أبي الفتح والدي رحمه الله، وقد أمرني بكتاب أكتبه، إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها، وبهت أبي، وظن أنه عرض لي عارض، ثم راجعني عقلي، فسمحت وجهي، ثم عدت، واعتذرت بأنه غلبني رعاف".

فأنت ترى أن الاسترسال هنا -على الطبيعة- هو الأغلب وكل جملة في القطعة تنقلنا نقلة جديدة إلى النهاية. غير أن الحكاية نفسها قد تستدعي التكثيف للسبب نفسه الذي ذكرناه في التقرير وهو تصوير الشخصية المحورية فيها:

"وإني لأعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن فتح: كنت أعهده كثير التصاون، من بغاة العلم وطلاب الأدب، يبذ أصحابه في الانقباض، ويفوقهم في السرعة، لا ينظر إلا في حلقة فضل" الخ.

ويمضي في هذا "التشخيص" المكثف وغايته من ذلك إبراز المفارقة القائمة بين حال التصاون التي كان عليها وحال التبذل التي صار إليها (وهذه الثانية أيضاً تقوم على مماثلة في التكثيف) ومن الخير أن نتنبه إلى أن هذه الحكاية ليست كالأولى لأنه ليس فيها إلا خبر عن فتى تغيرت حاله.

وأما الوصف الفني فنكتفي بأن نميز منه:

1/ وصف دَور بني حزم ببلاط مغيث بعد أن خرجوا.

2/ وصف نزهة.

3/ وصف جارية ألِفها في الصبا.

4/ وصف حال امرأة كانت مودتها في غير ذات الله (تشخيص محض في حالي المودة والبغضاء).

وتشترك هذه المواقف جميعاً في العنصر الذاتي، كما يمثل التكثيف فيها استغراقاً نفسياً يكفل من خلال التعبير عن الحال غياباً في جنباتها، وتعتمد دون إسراف على صور شعرية، كما أن الأخيرة من هذه القطع تعتمد على غاية النهاية فيما يشبه الأمثال، وهذا النوع من النثر في "طوق الحمامة" أبرعه وأكثره مائيةً وجمالاً.

وفي الجملة؛ فإن بعض الدارسين يرى أن شاعرية ابن حزم ونثره الذي ضمنه كتابه هذا أتى بالدرجة الثانية وسطاً بين شعراء الأندلس من درجة ابن شهيد وابن دراج في النثر، فما ظهر في طوق الحمامة كان عادياً، قال الأستاذ أحمد أمين عنه في كتابه "ظُهر الإسلام": «وأما نثره فقيمته في صراحة معناه وغزارته لا في ناحيته الفنية».

أما نثره البليغ فيظهر في رسالته الأخلاقية. وهو واسع الاطلاع في آداب اللغة العربية، ويعدّ في الذروة من هذه الناحية. فإنّ تجاربه العديدة وتقلبات الزمن به؛ حمَلتْه على كتابة هذه الرسالة في الأخلاق والتي أسماها «مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق». وقد سار فيها على منوال ابن المقفع في كتابيه «الأدب الكبير» و«الأدب الصغير» فأتى على جانبٍ من البلاغة والحكَم الرائعة والفوائد الجليلة؛ فمن ذلك قوله: «من ابتُلي بالعُجب فليفكر في عيوبه، فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة فإن خفيت عليه عيوبه جملة فإنه أعظم الناس نقصا وعيبا وأضعفهم تمييزا. وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل، ولا عيب أفظع من هذين، لأن العاقل هو من عرف عيوب نفسه وسعى في إصلاحها». ومنه قوله: «التلون المذموم هو التنقل من زي متكلف لا معنى له إلى زي آخر مثله في التكلف لا معنى له». ومنه قوله: «مَن ساوى بين عدوه وصديقه في التقريب والرفعة فلم يزل على أن زهد الناس في مودته وسهل عليهم مؤونة ولم يزل على استخفاف عدوه له وتمكن من مقاتلته وإفساد صديقه على نفسه، وإلحاقه بجملة أعدائه». ومنه قوله: «اثنان عظمت راحتهما، أحدهما في غاية المدح، والأخرى في غاية الذم، وهما مطرح الدنيا ومطرح الحياء».

ختامًا:

نَخلُص مما سبق إلى أنّ ابن حزم قامة علمية، وهو موسوعي الثقافة، أديبٌ مبرَّز؛ وكان لأدبه سمات سواء على مستوى الشعر أو النثر، تباينت من محور إلى آخر، ومن كتاب إلى آخر.. ولكل من ذلك عوامل ومسببات.. وأنّ له إسهاماً في الحقل النقدي أيضًا.

كما أنّ الدارس في هذا الباب يجد نقصاً كبيراً في الدراسات حوله، وقصوراً واضحاً من قِبل الدارسين في الاهتمام به، ونَشْر ما يتعلق بأدبه من دراسات موجودة على أرفف بعض الجامعات.



الحواشي والإحالات:

([1]) يُنظر: فاطمة طحطح: ابن حزم الأندلسي الشاعر. مجلة فكر ونقد، العدد 9، مايو 1998.

([2]) الحميدي: جذوة المقتبس، (ترجمة ابن حزم).

([3]) نقلاً عن الذهبي: سير أعلام النبلاء، (18/187).

([4]) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، (3/299).

([5]) الذهبي: سير أعلام النبلاء، (18/187).

([6]) ابن كثر: البداية والنهاية، (12/113).

([7]) يُنظر: إحسان عباس: تاريخ الأدب الأندلسي، (1/370).

([8]) فاطمة طحطح: ابن حزم الأندلسي الشاعر، (مرجع سابق).

([9]) سعيد موزون: جاحظ الأندلس ابن حزم الأندلسي. مقالة منشورة في موقع "أنفاس" على الشابكة.

([10]) مستفاد عن: فاطمة طحطح: ابن حزم الأندلسي الشاعر، (مرجع سابق).

([11]) يُنظر: فاطمة طحطح: ابن حزم الأندلسي الشاعر، (مرجع سابق). ومقدمة تحقيق ديوان ابن حزم، لصبحي رشاد.

([12]) كل المقطوعات -في نماذج شعره- مستفادة من كتابه "طوق الحمامة".

([13]) ينظر: تصدير إحسان عباس لرسالة "طوق الحمامة" من: رسائل ابن حزم الأندلسي، (1/81-82). ومقالة: الإمام ابن حزم عالم الأندلس، مجلة دعوة الحق، العدد 107، تصدرها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، الرباط - المغرب.

 


© 2000 - 2020 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك