أصبحت تكية محمد أبو الدهب على موعد مع الأديب نجيب محفوظ، إذْ يفتتح خلال أيام متحفه الجديد في التكية التي تقع في وسط القاهرة التاريخية، بعد أن خصصته وزارة الثقافة المصرية بالتنسيق مع وزارة الآثار عام 2012، وبدأ العمل في تجهيزه للمهمة الجديدة منذ 2016.
يعود تاريخ إنشاء تكية أبو الدهب إلى سنة 1703، وهي أهم تكايا العصر العثماني وأكثرها تكاملاً، وتقع ضمن مجموعة أبو الدهب التي تعد ثاني أهم مجموعة معمارية أثرية بعد مجموعة السلطان الغوري القريبة منها. والتكايا نموذج للعمارة الخيرية العثمانية التي تطورت عن "الخنقاوات" المملوكية، وقُصِدَ من التكية أن تكون وقفاً متكاملاً مهيئاً لاستقبال المتصوفة والعاطلين، حيث تصرف لهم الدولة الطعام والشراب والأموال. وفي التكايا كانت تُعقد الدروس والندوات والصلوات وحلقات الذكر والإنشاد. تقع التكية المختارة في مواجهة الجهة الجنوبية الشرقية للجامع الأزهر. وهي إحدى وحدات مجموعة أبو الدهب التي تضم سبيلاً وكُتَّاباً وحوضاً للدواب، ومسجداً مكوّناً من ثلاثة طوابق، وهناك حوض وسبيل آخرَين مُلحقين بالمسجد من الناحية الجنوبية المطلة على شارع الإمام محمد عبده بمواجهة سوق التبليطة. والمسجد مصمم على الطراز العثماني، وهو من المساجد المعلقة التي بنيت مرتفعة عن مستوى الطريق ويوجد أسفل وجهاتها دكاكين، ويشبه في عمارته مسجد سنان باشا في بولاق. وهو مُغطى بقبة مركزية تتبع النمط السلجوقي وله مئذنة مصرية الطراز مكونة من ثلاثة طوابق. وهو مربع الشكل طول ضلعه 15 متراً.
لا يعرف اسمه ولا موطنه الأصلي كعادة المَجلوبين؛ فقد كان محمد بك أبو الدهب عبداً مملوكاً اشتراه حاكم مصر علي بك الكبير غلاماً سنة 1761م، ثم قربه إليه، إلى أن صار ساعده الأيمن، ومنحه لقب أمير سنة 1769م، ولكن حين قويت شوكة أبو الدهب انقلب على سيده، واعتقله، وتولى زمام الحكم في مصر. ويقال إن لقب "أبو الدهب" حصل عليه الرجل لأنه كثيراً ما قام بتوزيع الذهب على الفقراء وهو قافل إلى منزله كي ترتفع منزلته عند الناس. وهو صاحب سيرة مضطربة بسبب خيانته لسيده، وجرائمه التي ارتكبها أثناء حملته العسكرية على فلسطين، فقيل إنه أعمل السيف في المعارضين بلا رحمة، وإنه بنى من رؤوس القتلى صوامع على غرار ما كان يفعله تيمورلنك! وقد توفي أبو الدهب في عكا سنة 1775م ودفن في مصر.
في 2006 بدأ العمل في ترميم التكية بتكلفة بلغت 20 مليون جنيه، تمثلت أعمال الترميم في إزالة التعديات والإشغالات والحوائط والمحال الملاصقة، واستعادة الجزء السفلي للمسجد من دون أية إضافات، ثم فك الأرضية وإعادة تركيبها وتنظيف الحوائط من التراكمات ومعالجة زخارف القبة وإظهارها. وترميم وتثبيت الأشكال الهندسية بالأرضية الرخامية وإعادة بناء السور المحيط بالمئذنة وشرفتها على نسق السور المحيط بالمسجد. أما الأجزاء المفقودة من الأبواب والشبابيك فقد استُكملت على ذات النسق الأثري القديم مع معالجة الشروخ الموجودة بالقباب. إضافة إلى إنشاء وحدات إضاءة على هيئة مشكاوات مصممة على الطراز العثماني.
منذ 2016 والعمل على قدم وساق لتأهيل المكان لاستضافة المتحف، حيث خُصص الدور الأول ليشغل المتحف، الذي يتكون من الصالون ومكتبة ستضم مؤلفات نجيب محفوظ بالعربية والإنكليزية ما كتب عنه بالعربية واللغات الأخرى إضافة إلى مكتبة عامة للباحثين في الفنون والآداب، إضافة إلى مكتبة سمعية وبصرية، وفصلين دراسيين أحدهما لدراسة السيناريو والآخر لدراسة الكتابة الإبداعية، ومكتب للإدارة، ومخزنين، وقاعتين؛ إحداهما ستكون متحف محفوظ، الذي سيضم متعلقاته الشخصية، والأخرى ستكون متعددة الأغراض كعقد ندوات أو تقديم عروض.
للمزيد من أدب وثقافة:
- 2017 عام "نجيب محفوظ"
- صدر حديثا دورية نجيب محفوظ، تحت عنوان "قضايا الوجود في عالم نجيب محفوظ"
- الذكرى الثانية لرحيل نجيب محفوظ
