هذا عمل أدبي جديد ينضاف الي تجربة الروائية والاعلامية ليلي الأطرش، فقد سبق لها أن أصدرت خمس روايات، ومجموعة قصصية، فيما تأتي مرافئ الوهم عن دار الآداب ببيروت في 180 صفحة، لتساهم في ترسيخ التجربة، واعطائها بعدا جديدا علي صعيد البني السردية الموظفة، والموضوعات المتناولة، ولعل من الضروري التأكيد بداية علي أن قراءة مثل هذه، لا تتوخي الولوج الي عوالم هذا العمل الجديد بشكل نقدي منهجي، والبحث عن عناصره ومقوماته، بقصد الخروج بحكم قيمي، بقدر ما تنوي اضاءة العمل من الداخل بحثا عن الاشكاليات التي يطرحها، ومدي شعوري كمتلق بجماليات النص، ومقدار ما تفاعلت معه، عبر مجموعة من الاشارات التي لا تغني بطبيعة الحال عن قراءة العبارات.
يبدو هاجس الأطرش في مرافئ الوهم مناقشة عدد من القضايا الجدلية والشائكة التي تتلبس الشخصيات، والتي تبدو منتمية الي أكثر من قطر عربي حسب صحيفة القدس العربي، فثمة صحافي فلسطيني كفاح أبو غليون يعيش في المهجر وتحديدا في لندن، واعلامية فلسطينية تعيش في الامارات (شادن الراوي)، وبالطبع هناك المخرج الاماراتي (سيف)، وزوجته ذات الأصول الايرانية، وثمة أيضا الباحثة العراقية (سلاف)، ووزوجها السابق المقيم في لندن (جواد) ولا تنسي الروائية تنوع الأديان والمذاهب فثمة من هو مسيحي، ومن هو مسلم، ومن هو شيعي أو سني، هذا من قبيل المسح السريع للشخصيات، أما أماكن الأحداث التي جرت فيها، فهي أيضا متباينة فمسرح الأحداث الرئيس هو لندن، لكن ثمة مرور علي أحداث سابقة جرت في القدس أو أفغانستان أو الامارات أو العراق، ولكن ما الذي أرادته الروائية بهذه الشخصيات، وكيف تعاملت معها، ومن الذي روي الأحداث، وأية تقنيات سردية تم توظيفها للخروج بالعمل الي النور؟
تلك جملة من الأسئلة قد تكون لها اجابات هنا اذا اتسع المقام، ولكن يبدو من العبث أن أعيد نقل الحكاية ـ وهي متشعبة ـ هنا، فتلك مهمة القراءة، أي تذوق العمل والتغلغل في تفاصيله، ولهذا أجدني أمر علي الموضوعات التي تم تناولها، والحبكة الرئيسة للرواية، فالعمل يقوم أساسا علي رحلة فريق تلفزيوني لمحطة اماراتية الي لندن من أجل تصوير لقاء مع الصحافي اللامع كفاح أبو غليون، وتبدو المقدمة الرئيسية للعمل شادن الراوي مثقلة بتاريخ سابق من علاقة حب جمعتهما ذات مرة حينما كانت في بداية مشوارها الثقافي، فيما كان هو سكرتير تحرير لجريدة في القدس، وهكذا تقوم الحبكة الأساسية علي تشويقنا لمعرفة تفاصيل ذلك اللقاء وما سينجلي عنه، وفي الوقت نفسه ثمة حكايات أخري موازية أو حبكات فرعية، مثل حكاية سلاف الباحثة في الفريق التلفزيوني وطليقها جواد، وهل ستعود اليه بعد طلاقها البائن أم ستتركه، وثمة حكاية سيف أو حكاياته المثيرة عن مغامراته النسائية أو الحشيشية أي المتعلقة في تهريبه للمخدرات، وبالطبع لا تنسي الروائية أن تدخلنا الي حكايات عنقودية أخري كلما سنح لها الأمر، وهذا يبدو لي من قبيل التشويق، والحكايات الصغيرة الرافدة الأساسية، اضافة الي ما تقوم به الروائية عبر الشخصيات من تقديم نقد لها، أو مناقشة تبدو جريئة ولا سيما في الجانب الديني.
الرواية اذن تبدو غنية، ولا تقتصر علي البحث عن الحكاية ومصائر الشخصيات، بل تقدم معرفة، وهذه المعرفة أو المعلومات المصاغة بطريقة سردية مشوقة عبر الحوارات أو الروي بصيغة الأنا (الراوي الأول) أو بصيغة العليم (الراوي الثالث) تبدو مشبعة، وتضيف للمتعة في القراءة الاستفادة مما يرد، وكما أشرت من قبل فان الأطرش تنشغل كثيرا باضافة عنصر التقييم أو التقويم للشخصيات أو أفعالها بطريقة مبطنة أو لامباشرة، وعبر النقد غير المهادن، لكن الواضح في النهاية أنها تنتصر للمرأة زوجة وصديقة وعاشقة بشكل غير مبالغ فيه وهاديء، وهنا أتذكر جزءا من شهادة للروائية نشرتها في العدد الثاني من فصلية جرش الثقافية وتقول فيها أنا كاتبة مهمومة بوضع المرأة العربية التي أنتمي لمجموعها. ولكنني أتبني الدفاع عن قضاياها في غير الرواية، في المقالة كما في البرامج التلفزيونية. أما في الرواية فأرصد واقعها دون اضافة بطولة علي شخصياتها أو ادانة مسبقة لها .
فالشخصيات الذكورية الرئيسية في مرافيء الوهم يمكن أن أصفها كما تبدو لي بأنها انتهازية، وخائنة للعشرة، وينقصها الوفاء، ومخادعة، ولا يعول عليها... ففي النهاية لم تأت من المريخ بل تتوفر بكثرة في عالمنا العربي، فسيف المتهتك الذي لا يصبر علي النساء رغم أنه يحب زوجته حد الجنون، والصحافي العتيد الذي ينظر علي عباد الله في الوطنية يعيش في رغد بلندن، وبدل دينه من أجل مصالحه لا عن قناعة عقائدية، وجواد يريد أن يعود الي طليقته البائنة بينونة كبري عبر المحلل، رغم تحريم ذلك، وتبدو النساء مهمومات، ومطاردات بماض يبدو قاسيا، رغم جمالياته غير المكتملة، واذا كانت الشخصيات هنا مأزومة، وتعاني من خلل ما، فانها في النهاية تعكس ما يجري في مجتمع عربي واسلامي يعيش مخاضا صعبا، ويعاني من تناقضاته التي لا ترحم ومن هزائم يومية، تقول الأطرش في الشهادة السابقة أيضا. ولأنني كاتبة أنتمي لأمة مسكونة بهاجس الهوية في عصر التحولات والتحديات العاصفة بعالمنا العربي منذ بداية القرن برز الالتصاق بالمكان والزمان الأول في أعمالي الروائية، فنحن نعيش الصراع منذ وعينا التاريخ والجغرافيا وتفاصيل الحياة اليومية .
بقي أن أشير الي ثلاثة أمور في الرواية أولها اهتمام الأطرش بعالم الاعلام الذي تنتمي اليه، فهي مذيعة ومقدمة برامج تلفزيونية معروفة التقت مع عشرات الأدباء العرب والشخصيات البارزة عبر مشوارها هذا، وقد بدا واضحا هذا التأثر بهذه الخبرات، فشادن الراوي هي أيضا مذيعة ومثقفة، وكاتبة صحافية وروائية، ولها ابنة خريجة الجامعة الأمريكية، وفي هذا تماثل مع واقع الروائية الأطرش، رغم محاولتها التمويه علي هذا الأمر اذ تقول في الرواية.. لا يكتب مؤلف ما يعيشه ويتحدث فيه فقط، والا صار سيرة ذاتية، ولا يمكن اسقاط نص علي صاحبه .. ص 152، ولا أسعي هنا الي الادعاء بأن الرواية سيرة ذاتــــية للروائية، أولا أن الشخـــصيات حقيقية، فهذا أمر غير مهم، فالشــــخصيات الروائية في النهاية شخصيات مركبة، وشــــديدة التعقيد، ومن حق الروائية أن تستفــيد من خبراتها الحياتية، وتنقلها لنا بطريقـة سردية سلســـة، وهذا ما فعلته الأطرش، وأما الأمر الثاني الذي وددت الاشارة اليه فهو تركيز الرواية علي عنصر الحوار اذ يحتل مساحة كبيرة من العمل، وهو يحمل في داخله الأحداث، ونقاشات الشخصيات وخبراتهم، أما الأمر الأخير فهو يعكس خبرات الروائية الأطرش بالدين الاسلامي، وتفاصيل الاجتهاد، ورأي الشرع في عدد من القضايا الخلافية، أو التي تحتمل التأويل، وكيفية التفاف بعض المسلمين علي النص الصريح، من أجل المصالح والأهواء الخاصة، وكيف أن بعضنا ينشغل بالبحث عما يوافق رغبات الذات أحيانا من النصوص الفقهية، وأحيانا أخري تبدو له صعبة القبول، ولعل هذا الأمر برأيي صحيح ومما ابتلي به الكثير من المسلمين، فشرقوا وغربوا وحللوا وحرموا دون وجه حق، وفي الواقع من الأمثلة ما لا يحصي، وتبدو الأطرش هنا جريئة ومخترقة للتابو عن معرفة لا عن ادعاء، وكتابتها تندرج في الاطار التنويري الهادئ.
بقي أن أقول أن شخصيات مرافيء الوهم قد حاولت أن تزيح في رحلتها اللندنية التطهيرية القصيرة، وضمن تشويق عال، ما انعقد في أعماقها من الوهم، والخراب والرغبات الدفينة.
