تساؤلات شائعة حول الليرة السورية والدولار والذهب

منشور 29 نيسان / أبريل 2012 - 02:00
إن استمرار ربط الليرة السورية بالدولار الأميركي (أو بأي عملة واحدة كاليورو مثلاً) يزيد من مخاطر حدوث آثار ضارة على كل من النمو واستقرار الأسعار
إن استمرار ربط الليرة السورية بالدولار الأميركي (أو بأي عملة واحدة كاليورو مثلاً) يزيد من مخاطر حدوث آثار ضارة على كل من النمو واستقرار الأسعار

ما المقصود بسعر الصرف؟

تعامل عملة أي دولة، في أسواق المال الدولية، مثل أي سلعة من السلع التي يمكن بيعها وشراؤها مقابل أي عملة أخرى، ويسمى سعر التبادل بين عملة وأخرى بسعر الصرف، أي إن سعر الصرف هو الكمية أو المقدار من عملة معينة الذي يجب دفعه للحصول على وحدة واحدة من عملة أخرى. وإذا كانت أسعار الصرف بين العملة المحلية التي على أساسها تمسك المنشأة حساباتها وتعد تقاريرها والعملات التي تتم بها العمليات الأجنبية ثابتة نسبياً فإن عملية ترجمة وتسجيل هذه العمليات سوف تكون دقيقة إلى حد كبير، ولكننا نجد أن أسعار عملات معظم الدول تتغير بحرية في الأسواق المالية، باستثناء بعض التدخلات الحكومية، ما يؤدي إلى التذبذب الكبير والمستمر في أسعار الصرف وهذا يؤدي بالتالي إلى صعوبات في تسجيل العمليات الأجنبية إعداد التقارير المالية.

وهناك نوعان رئيسيان من سعر الصرف من حيث طريقة التعبير عنه:

- سعر الصرف المباشر: هو التعبير عن وحدة واحدة من العملة الأجنبية والكمية المعادلة لها من العملة المحلية في تاريخ معين، فمثلاً سعر الصرف المباشر للدولار الأميركي أمام الليرة السورية أمس هو 1 دولار أميركي = 71 ليرة سورية.

- سعر الصرف غير المباشر: هو التعبير عن العملية المحلية بما يعادلها من العملة الأجنبية، فمثلاً يمكن القول إن ليرة سورية واحدة = 0.014 دولار أميركي (1/71= 0.014).

ما الفرق بين سعر الصرف الرسمي والحر؟

- أسعار الصرف الحرة: هي الأسعار التي تتحدد وفقاً لقوى العرض والطلب في السوق المصرفية الحرة ومن ثم تعكس القيمة السوقية للعملة كسلعة اقتصادية.

- أسعار الصرف الرسمية: هي الأسعار التي تحددها الحكومة للرقابة على الصرف، وقد تحدد الحكومة أسعار صرف رسمية ترتبط بالمجالات المختلفة للنشاط الاقتصادي والمالي حتى يمكن تحقيق الرقابة المطلوبة على هذه الأنشطة ومن أمثلة هذه الأسعار:

1- أسعار الصرف التفضيلية: هي الأسعار التي تحددها الحكومة لتشجيع العمليات التجارية المرغوب فيها، فقد يتم تحديد سعر معين لتحويل العملة لتشجيع عمليات التصدير.

2- أسعار الصرف الجزائية: هي الأسعار التي تحدد لتسوية عمليات معينة ترغب الدولة في الحد منها، مثل تحديد سعر صرف مرتفع للعملة الأجنبية للحد من نوع معين من الواردات.

ويمكننا أن نميز نوعين من أسعار الصرف من حيث الطرف الذي يتعامل في العملة:

- أسعار الشراء: وتعرف أيضاً بأسعار العرض، وهي أسعار الصرف التي يستخدمها البنك في شراء العملات الأجنبية، فإذا باع شخص عملة أجنبية معينة لأحد البنوك فإن البنك يحسب القيمة المقابلة لهذه العملة من العملة المحلية مستخدماً سعر الشراء.

– أسعار البيع: وتعرف أيضاً بأنها أسعار الطلب، وهي الأسعار التي يستخدمها البنك في بيع العملات الأجنبية للعملاء، فإذا أراد أحد الأشخاص شراء كمية معينة من إحدى العملات الأجنبية فإن البنك يستخدم سعر البيع، وبالطبع فإن سعر بيع العملة سوف يكون أعلى من سعر الشراء والفرق يمثل عمولة البنك.

كيف يتحدد سعر صرف الليرة السورية؟

يعود ربط الليرة السورية بالدولار الأميركي إلى نشأة النظام النقدي الدولي بالتوقيع على اتفاقية (بروتون ودز) في عام ١٩٤٤ وأوجب انضمامه إلى صندوق النقد الدولي تحديد سعر التعادل الرسمي لليرة السورية تجاه كل من الذهب والدولار الأميركي على أساس الأسعار المعمول بها آنذاك فتم تحديد سعر التعادل: الليرة السورية = 0.405513 غرام من الذهب الخالص وتعادل 45.6 سنتات من الدولار الأميركي أي إن الدولار الأميركي يساوي 219.148 ق.س.

في عام ١٩٧٩ قضى القانون رقم ٤٣ بتصديق التعديل الثاني لاتفاقية صندوق النقد الدولي وبذلك حلت الاتفاقية المعدلة محل الاتفاقية المصدقة عام ١٩٤٧. وبموجب أحكام هذه الاتفاقية لم يعد بإمكان أي دولة عضو في الصندوق ربط قيمة عملتها بالذهب إلا أنه يمكن للعضو بمقتضى النظام المعدل الحفاظ على قيمة عملته محددة بوحدات حقوق السحب الخاصة أو أي مقياس يختاره العضو ماعدا الذهب. ولما كانت سورية قد اختارت عند توقيعها على اتفاقية الصندوق عام ١٩٤٧ الذهب والدولار الأميركي كوحدة قياس لعملتها الوطنية.

إن ترتيبات الصرف التي اتخذها مصرف سورية المركزي منذ إحداثه وحتى اليوم هي اعتماد سعر ثابت بين الليرة السورية والدولار الأميركي يتم بعدها احتساب أسعار العملات الأجنبية الأخرى بالليرات السورية على أساس سعر صرف الدولار الأميركي تجاه تلك العملات في أسواق الصرف العالمية. وكان إذا طرأ تبدل كبير في سعر الصرف الثابت للدولار الأميركي تجاه الليرة السورية فيعرض الأمر على مجلس النقد والتسليف الذي يقوم بتقديم المقترحات المناسبة إلى اللجنة الاقتصادية وهي بدورها تتخذ التوصيات المناسبة وترفعها إلى رئيس مجلس الوزراء حيث يتم بموافقته تحديد السعر الثابت الجديد للدولار الأميركي تجاه الليرة السورية والذي كان يراعى في تحديده غالباً السعر الفعلي للدولار الأميركي تجاه الليرة السورية في الأسواق الحرة. وبقي هذا الأسلوب مراعياً عند التخفيضين المتتاليين للدولار الأميركي عامي ١٩٧١ و١٩٧٣ وعند تعويمه منذ ذلك الوقت بصورة مستقلة تجاه العملات الأجنبية الأخرى، فصدرت موافقات متتالية من رئيس مجلس الوزراء بتعديل سعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي تجاه الليرة السورية:

- عام ١٩٧٦ عدّل السعر الثابت للدولار الأميركي من ٣٦٥ ق.س إلى ٣٩٠ ق.س للشراء ومن ٣٧٠ ق.س إلى ٣٩٥ ق. س للمبيع.

- عام ١٩٨٨ (11.20) ل.س للشراء و11.25 ل.س للمبيع.

وكانت سورية قد عملت بنظام تعدد أسعار الصرف منذ تاريخ 22/4/١٩٨١ حيث أحدثت في ذلك التاريخ السوق الموازية للقطع الأجنبي. واستمر العمل بنظام تعدد أسعار الصرف طيلة السنوات الماضية إلى أن صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٥٧٨٧ تاريخ 20/12/٢٠٠٦ بتوحيد أسعار الصرف المطبقة على عمليات الدولة والقطاع العام وعلى عمليات القطاع الخاص في نشرة أسعار صرف واحدة للعملات هي «نشرة أسعار صرف العملات الأجنبية» الصادرة عن مصرف سورية المركزي.

يتبين مما تقدم بأن الليرة السورية كانت تاريخياً مرتبطة باستمرار بالدولار الأميركي. ولئن كان هذا الربط يرتكز عند اعتماده في عام ١٩٤٧ إلى فرضية استقرار الدولار الأميركي وثبات سعر صرفه مع العملات الرئيسية الأخرى إلا أن تلك الفرضية لم تعد قائمة منذ عام ١٩٧١. ولا شك في أن التقلبات بأسعار صرف الدولار الأميركي قد أثرت سلباً في الأسعار المحلية في سورية باعتبار أن حجماً لا يستهان به من التجارة بالسلع غير النفطية للقطر يتم مع الدول الأوروبية. فالزيادة التي حصلت في سعر صرف اليورو تجاه الليرة السورية في السنوات الماضية (نتيجة ربط الليرة السورية بالدولار الأميركي) لم تعكس المعطيات الاقتصادية في القطر وإنما عكست فقط ارتفاع سعر صرف اليورو تجاه الدولار الأميركي في تلك السنوات، الأمر الذي ولد ضغوطًا تضخمية في الداخل، ومن جهة أخرى لو أن سعر صرف الدولار الأميركي قد عكس اتجاهه في السنوات الأخيرة وارتفع تجاه اليورو (أو تجاه العملات الأخرى) لأدى ذلك إلى تقلبات كبيرة في أسعار صادرات القطر غير النفطية وعلى القدرة التنافسية لتلك الصادرات ولاسيما الموجهة منها إلى الأسواق الأوروبية.

لذا فإن استمرار ربط الليرة السورية بالدولار الأميركي (أو بأي عملة واحدة كاليورو مثلاً) يزيد من مخاطر حدوث آثار ضارة على كل من النمو واستقرار الأسعار. لهذا السبب تم ربط الليرة السورية بسلة عملات ليقلل من تقلبات أسعار صرف الليرة السورية تجاه عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين الأمر الذي سيساعد المصدرين على الحفاظ على ربحيتهم ويقلل من الضغوط على الأسعار المحلية ولاسيما أن الدولار الأميركي يشهد منذ عدة سنوات تأرجحاً كبيراً تجاه العملات الرئيسية الأخرى.

ماذا يعني ربط الليرة السورية بسلة عملات؟

إن اعتماد سلة عملات كمرجع لعملة وطنية بدلاً من الربط بعملة وحيدة يغير فقط طريقة تقييم سعر الصرف. إضافة إلى أنه يمنح السلطات النقدية مرونة إضافية في تحديد السعر مقابل عملة التدخل.

- ففي حالة سورية كان سعر الليرة السورية مقابل الدولار ثابتاً لفترات طويلة بحدود ٥١-٥٤ ليرة سورية مقابل الدولار بغض النظر عن قيمة الدولار وما سعر صرف الدولار مقابل العملات الأخرى، ومن ثم على سبيل المثال، فإن سعر صرف اليورو مقابل الليرة السورية، هو ببساطة السعر المشتق من خلال سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار (المثبت في الحدود السابقة) وسعر صرف الدولار الأميركي مقابل اليورو. هذا يعني أن التقلبات في سعر صرف اليورو مقابل الليرة هي تقلبات اليورو نفسها مقابل الدولار.

عند اعتماد سلة عملات كمرجع فإن تأثير التقلبات بين العملات (تقلبات الأسعار) لن تؤثر إلا في حدود الأوزان النسبية لهذه العملات في سلة الربط.
فمثلاً أن ارتفاع اليورو مقابل الدولار سينعكس على الليرة السورية على الشكل التالي:

- ارتفاع اليورو مقابل الليرة السورية بمعدل أقل.

- انخفاض الدولار مقابل الليرة السورية.

بعكس ما كان عند الربط بعملة واحدة (الدولار الأميركي مثلاً) فكان الارتفاع في اليورو سينعكس تماماً على سعر صرف اليورو مقابل الليرة السورية.

ما هي وحدة حقوق السحب الخاصة؟

أنشأ صندوق النقد الدولي وحدة حقوق السحب الخاصة في عام 1969 وذلك بسبب زيادة الطلب على العملات الاحتياطية في تلك الفترة لاستكمال الاحتياطيات الرسمية للدول الأعضاء (الدول المشاركة في صندوق النقد الدولي).

فالعرض العالمي للأصول الأساسية المستخدمة كاحتياطيات وهي الذهب والدولار اثبت عدم كفايتها لتحمل التوسع التجاري العالمي والتطور المالي الحاصل في تلك الفترة، لذلك قرر المجتمع الدولي إنشاء أصل عالمي يستخدم كاحتياطيات برعاية صندوق النقد الدولي.

تعرف وحدة حقوق السحب الخاصة بأنها عبارة عن وحدة حسابية يستخدمها صندوق النقد الدولي لأغراض المحاسبة الداخلية، وتستخدمه بعض الدول كذلك كعملة مرجعية لعملتها الوطنية وتستخدم كأصل احتياطي عالمي، وتعتمد قيمتها على سلة من العملات الرئيسية العالمية.
منذ عام 1982 تكونت هذه السلة من خمس عملات رئيسية وهي الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني والمارك الألماني والفرنك الفرنسي والين الياباني، وحاليا تتألف من الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني واليورو والين الياباني.

يحدد صندوق النقد الدولي كل خمس سنوات العملات الخمس التي ستدخل في سلة العملات والوزن المطبق لكل عملة، وذلك بناء على حجم التجارة الدولية وحجم الاحتياطيات المحتفظ بها من الدول الأعضاء بهذه العملات، إضافة إلى حصة هذه العملات، ويمكن أن يتم حساب حصة العملة عن طريق قسمة قيمة العملة بعد تحويلها إلى الدولار على مجموع قيم العملات مقومة بالدولار.

وحالياً تشكل الأوزان النسبية لوحدة حقوق السحب الخاصة على أساس 44% للدولار الأميركي و34% لليورو و11% للين الياباني وأيضاً 11% للجنيه الإسترليني.

كيف يحدد سعر الذهب في السوق السورية؟

يعتقد العديد من الناس أن سعر الذهب في السوق السورية قد يتأثر بمستوى العرض أو الطلب على المعدن الأصفر، وهذه الفكرة غير دقيقة، لأن سعر الذهب في السوق المحلية مرتبط بسعر افتتاح الأونصة في بورصة لندن، وسعر صرف الدولار أمام الليرة السورية في السوق الموازية.
كل يوم في تمام الساعة 10.30 صباحاً تحدد جمعية الصاغة والمجوهرات ومقرها في دمشق سعر الذهب، وذلك بأخذ سعر افتتاح الأونصة في لندن (الأونصة 24 قيراطاً = 31.1 غراماً) وسعر صرف الدولار في السوق وتجري الحسبة التالية:

سعر الأونصة بالدولار الأميركي × (32.151) عدد الأونصات التي تشكل كيلو غراماً واحداً من الذهب ×سعر صرف الدولار بالليرة السورية= سعر كيلو غرام الذهب 24 قيراطاً بالليرة السورية.

ولحساب سعر غرام 21 قيراطاً نقسم سعر الكيلو المحسوب على الرقم (1137.20) وهو وزن الكيلو بالغرام 21 قيراطاً مثقلاً بالشوائب.
ومثال على ذلك، نأخذ يوم الخميس الماضي حيث كان سعر أونصة الذهب في جلسة القطع الصباحية في لندن 1642 دولاراً، وسعر صرف الدولار في السوق 71.5 ليرة سورية:

1642×32.151×71.50= 3774623.8 ليرة سعر كيلو الذهب عيار 24 قيراطاً

3774623.8/ 1137.20= 3319.22 ليرة سورية سعر غرام 21 قيراطاً، ونلاحظ زيادة بحدود 5-15 ليرة مرتبط بما يسمونه في السوق كمسيون الأونصة فيما لو أرادوا الحصول عليها من السوق العالمية.

ومن سعر غرام 21 قيراطاً يمكن حساب أسعار غرامات باقي العيارات، فمثلاً لحساب سعر غرام 18 قيراطاً نضرب سعر غرام 21 قيراطاً بناتج قسمة 18/21، وبتطبيق العملية على المثال السابق:

3320 ليرة سعر غرام 21 قيراطاً/ (18/21)= 2846 ليرة غرام 18 قيراطاً.

ما علاقة سعر الصرف في تحديد أسعار السلع؟

يؤثر سعر الصرف في أسعار السلع المحلية بشكلين: مباشر وغير مباشر، فالشكل المباشر يتعلق بالسلع المستوردة والتي يتحدد سعرها في السوق الدولية بالعملات الأجنبية وبالتالي فإن أي تحرك في سعر صرف العملة المحلية (الليرة السورية) ينتج عنه تغيّر في سعرها بشكل فوري، فيحسب سعرها الجديد بضرب (سعرها في السوق الدولية بالعملة الأجنبية* سعر الصرف الجديد)، أو من خلال نسبة التغير في سعر الصرف بضرب (نسبة تغير سعر الصرف* السعر القديم).

ويؤثر سعر الصرف بشكل غير مباشر في المكوّن المستورد من السلعة، أي يؤثر في نسبة محددة من هذه السلعة، ويزداد تأثير تغير سعر الصرف كلما ازدادت نسبة هذا المكوّن، فالسلعة التي يدخل في تركيبها مكوّن مستورد بحدود النصف فإن نسبة التغير في سعرها الكلي سيتأثر بنصف نسبة تغير سعر الصرف، فإذا ارتفع الصرف الأجنبي بنسبة 20% فإن سعرها في السوق يرتفع بنسبة 10% فقط، طبعاً هذه الأرقام لتقريب الصورة

وباستبعاد كلف أخرى كالنقل والأجور التي تتغير أيضاً مع تغير سعر الصرف وإن بشكل أبطأ.
طبعاً على المدى المتوسط يؤدي تغير أسعار الصرف إلى اتجاه أجور اليد العاملة نحو الارتفاع ولاسيما في قطاع المهن الحرة الأكثر قدرة على التحرك صعوداً ليواكب تكاليف المعيشة التي ارتفعت، وتحلق بها عادةً أجور القطاعين الخاص والعام، وهذا يؤدي مجدداً لارتفاع أسعار السلع والخدمات لتغطية جزء من التكلفة رغم أنه غير مستورد.

ما أثر السياسة الاقتصادية والأوضاع السياسية والاحتياطيات في سعر الصرف؟

-دور سعر الصرف في الميزان التجاري

يرصد الميزان التجاري لأي بلد تجارة السلع الخارجية فيها أي صادراتها ووارداتها من السلع خلال فترة زمنية (عادةً سنة) والفرق بين قيمتي الصادرات والواردات يمثّل رصيد الميزان، الذي يسمى أيضاً (ميزان التجارة المنظورة)، ويلعب سعر صرف العملة المحلية تجاه العملات الأجنبية دوراً مهماً في نتيجة هذا الميزان من عجز أو توازن أو فائض، لأن سعر الصرف يؤثر في حساب قيمتي طرفي الميزان (الصادرات السلعية والواردات السلعية)، فالتوازن يتطلب تساوي قيم طرفي الميزان، وإذا زادت قيمة الواردات وتحسب بجمع حاصل ضرب (كمية الواردات - سعرها بالعملة الأجنبية - سعر الصرف) عن قيمة الصادرات التي تحسب أيضاً بجمع حاصل ضرب (كمية الصادرات - سعرها بالعملة الأجنبية - سعر الصرف)، فإن النتيجة هي عجز وتشكّل الحالة المعاكسة الفائض.

ومن هنا تلجأ بعض الدول إلى تخفيض سعر صرف عملتها أو قيمة عملتها تجاه العملات الأجنبية بهدف زيادة كمية صادراتها وقيمتها الكلية من جهة، وتخفيض كمية المستوردات وقيمتها الكلية من جهة أخرى، ويرتبط نجاح سياسة تخفيض العملة ببنية الصادرات ونسبتها من الناتج المحلي الإجمالي فكلما ارتفعت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وكلما تضمنت قيمة مضافة مرتفعة أدت هذه السياسة إلى نتائج إيجابية وعالجت الخلل في الميزان التجاري، أما الدول التي لا تزال بنية صادراتها تعتمد على مواد أولية استخراجية أو ذات قيمة مضافة متدنية فإن سياسة تخفيض قيمة العملة تصبح مضرةً وعبئاً عليها وبكلمة واحدة عقيمة.

- السياسة الاقتصادية والمالية للدولة

تؤثر السياسة الاقتصادية والمالية التي تتبناها الحكومة بدرجة كبيرة في سعر صرف العملة المحلية بالنسبة للعملات الأخرى، فعندما تعمل الحكومة على تخفيض معدل التضخم بواسطة تخفيض السيولة النقدية في الداخل أو تشجيع الصادرات فإن هذا يؤدي إلى تحسن سعر صرف العملة المحلية مقارنة بالعملات الأخرى.

- درجة الاستقرار السياسي في الدولة

تؤثر درجة الاستقرار السياسي في الدولة في سعر صرف عملتها المحلية مقابل العملات الأخرى، فالدولة ذات الاتجاهات السياسية الواضحة والمستقرة تتمتع عملتها بدرجة من الثبات والقوة، أما الدولة التي تتعرض للاضطرابات تكون عملتها محل عدم ثقة وتتعرض قيمتها للانخفاض حيث يلجأ المتعاملون في أسواق العملات إلى العملات الأكثر ثباتاً.

- الاحتياطي النقدي في الدولة

يشتمل الاحتياطي النقدي في دولة ما على ما تملكه هذه الدولة من العملات الأجنبية والذهب ومقدار المبالغ التي يمكن أن تقترضها من صندوق النقد الدولي ومن المهم متابعة هذا الاحتياطي والتغيرات التي تطرأ عليه، فمثلاً العجز الكبير في ميزان المدفوعات قد يشير إلى ضرورة تخفيض سعر صرف العملة ولكن إذا كانت الدولة تحتفظ باحتياطي كبير فإنه يمكن عدم اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة على الأقل في الأجل القصير.

هل هناك علاقة بين سعر الصرف ومتانة الاقتصاد؟

هناك نظرة خاطئة لدى البعض تربط بين قوة (متانة) اقتصاد البلد وسعر الصرف أو بكلمة أخرى قوة العملة المحلية للبلد، وذلك غير صحيح بالضرورة، فمتانة اقتصاد البلد تعتمد على عدد كبير من المحددات منها تنوّع الاقتصاد وحجمه وناتجه المحلي الإجمالي ومعدّل نموه ومتوسط نصيب الفرد من هذا الناتج السنوي، وحجم القطاع التصديري ومساهمته في الناتج ونسبة البطالة، وقدرة الاقتصاد على حفز الإبداع والاستفادة منه وقدرته على تخفيض تكاليفه ورفع تنافسيته على مستوى قطاعات النشاط الاقتصادي بشكل مستمر. فعلى الرغم من أن عملة الاتحاد الأوروبي اليورو حالياً أقوى من عملة الولايات المتحدة الدولار الأميركي 1يورو= 1.32 دولار (لدى إطلاقها منذ نحو 10 سنوات كانت معادلة للدولار)، إلا أن ذلك لا يشير إلى أن الاقتصاد الأوروبي أكثر متانة من الاقتصاد الأميركي، ومن ناحية ثانية فإن انخفاض قيمة اليوان الصيني تجاه العملة الأميركية لا يعني أن الاقتصاد الصيني ضعيف أو غير متين.

فالاقتصاد الأميركي يبقى بمعيار الحجم يتمتع بناتج محلي إجمالي كبير جداً 15 تريلون دولار ومعدّل نمو سنوي 1.5% ومتوسط دخل فردي 48 ألف دولار سنوياً، وبصادرات تبلغ 1.5 ترليون دولار ومعدّل بطالة 9.1% من إجمالي القوة العاملة لديه البالغة 153 مليون نسمة من أصل عدد السكان البالغ نحو 314 مليون نسمة (عام 2011)، أما الاتحاد الأوروبي (27 دولة) فيبلغ عدد سكانه 504 ملايين نسمة، وتبلغ القوة العاملة فيه 228 مليوناً منها 9.3% عاطلة عن العمل، ويبلغ ناتجه المحلي الإجمالي 17.7 ترليون دولار ومتوسط نصيب الفرد السنوي منه 35 ألف دولار، وصادراته 1.8 ترليون دولار (عام 2011)، أما الصين البالغ عدد سكانها 1.434 مليون نسمة فرغم ضخامة ناتجها المحلي الإجمالي البالغ نحو 7 ترليونات دولار إلا أن نصيب الفرد منه لا يتجاوز 5.2 دولارات، ومن خلال سياستها التي تحافظ على يوان ضعيف استطاعت المحافظة على معدل نمو عال 9.2% ومعدل بطالة منخفض في حدود 6.5% (عام 2011). وبنظر المراقبين فإن دولاراً ضعيفاً يساعد الاقتصاد الأميركي القوي ويعني صادرات أكثر وناتجاً محلياً أكبر وبطالة أقل، وذات الأمر ينطبق على الصين، والعكس تماماً بالنسبة للاتحاد الأوروبي فيورو قوي يعني صادرات أقل وبطالة أكثر وناتجاً محلياً أقل، فالعبرة ليست بقوة العملة بل بقوة الاقتصاد وتنافسيته.

هل نجحت سياسة المركزي الجديدة في ضبط السوق السوداء؟

منذ الأشهر الأولى للأزمة السياسية التي تمر بها سورية شهدت الليرة السورية انخفاضاً حاداً أمام العملات الأجنبية، ولجأ المضاربون ولحقهم العديد من المواطنين إلى شراء الدولار لحفظ القوة الشرائية لليرة السورية، وهذا ما رفع الطلب على الدولار، ومن ثم ارتفع سعر صرفه لأكثر من 100% في بعض الأحيان، الأمر الذي تطلب من مصرف سورية المركزي للعب دور جدي في إدارة أزمة الصرف بعد سيناريو مزادات بيع الدولار الفاشلة، حيث كان يبيع شركات الصرافة بأعلى من سعر السوق، بعدها قرر المركزي الدخول إلى سوق الصرف كلاعب أو مضارب، وحدد أسعار يومية لأغراض التدخل على حد تعبيره تلتزم فيها شركات الصرافة والمصارف الخاصة التي أصبح بإمكانها بيع وشراء القطع الأجنبي، وهكذا أصبح لدينا يومياً ثلاثة أسعار رئيسية لصرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية، الأول هو سعر السوق الموازي، أي سعر الصرف في المصارف وشركات الصرافة وهو يعتمد على أسعار التدخل مع هامش +-2 بالألف للربح، والسعر في السوق السوداء وهو السعر الذي يتم تحديده بين الصرافين غير المرخصين، أو لنقل هو السعر غير الخاضع لضوابط المركزي ويتأثر بعدة عوامل منها العرض والطلب وتحرك اليورو/ دولار في السوق الفورية وتحرك الذهب في السوق الفورية إلى جانب الأساسيات المرتبطة بالأجواء الاقتصادية والسياسية لا ننسى الدور الفعال للمضاربة فيه. إلى جانب ذلك يستمر مصرف سورية المركزي بتحديد أسعار الصرف الرسمية يومياً والمخصصة لأغراض التجارة الخارجية المحددة.

إذاً لم ينجح تدخل المركزي في إلغاء السوق السوداء، وإنما ساهم في ضبط الفروق السعرية بين الأسواق وأصبح أكثر قدرة على ضبط التحركات القوية والمفاجأة في سوق الصرف، وهذا بدوره مرهون بعدة عوامل لاستمراره.


Copyright © 2019 Haykal Media, All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك