المصارف العالمية قد تستعيد عافيتها المفقودة منذ أزمة 2008

منشور 14 أيّار / مايو 2017 - 07:51
النظام المصرفي العالمي، لا يزال يعاني الاضطراب وغير آمن
النظام المصرفي العالمي، لا يزال يعاني الاضطراب وغير آمن

رغم مرور قرابة تسعة أعوام على اندلاع الأزمة المالية في عام 2008، التي بدأت مع انهيار شبه تام للنظام المصرفي في البلدان الرأسمالية عالية التطور، قبل أن تمتد إلى الجوانب الأخرى من النظام الاقتصادي الدولي، وفي المقدمة منه التجارة الدولية التي أخذت في التراجع، في الوقت الذي ارتفعت فيه معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نجح النظام المصرفي العالمي في الخروج من الأزمة؟ مع قيام أكبر وأهم 30 بنكا في العالم منتصف العام الماضي بتعزيز رؤوس أموالهم المرصود للأزمات بنحو 1.3 تريليون دولار. 

مشروعية السؤال تأتي من المخاوف التي يبديها حاليا عدد من كبار المصرفيين، بأنه رغم السنوات التسع الممتدة منذ انفجار الأزمة المالية وحتى الآن، فإن الإجراءات والقوانين والتعديلات التشريعية والمساندة الاقتصادية من قبل الحكومات لبنوكها، لم تفلح بعد في الخروج من الأزمة المصرفية بشكل تام. 

بل إن بعض الاقتصاديين يحذر من أن النظام المصرفي العالمي، لا يزال يعاني الاضطراب وغير آمن، وأنه إذا كانت الأزمة المصرفية قد تراجعت في البلدان الرأسمالية عالية التطور، حيث يصعب القول إنها قد تنفجر مجددا في القريب العاجل، فإن هذا يجب ألا يجعلنا نغفل عن أن الأزمة لربما كانت على وشك الانفجار في الصين.

"الاقتصادية" استطلعت آراء مجموعة من الخبراء المصرفيين والأكاديميين حول وضع النظام المصرفي العالمي، وجوانب القوة والضعف الكامنة فيه، وحجم ومناطق الخطر المحتملة، والى أي مدى تغيب بالفعل رؤية عالمية موحدة للقيام بإصلاح شامل للوضع الراهن، وإلى أي مدى تعوق التناقضات والصراعات البنكية على المستويين المحلي والدولي العمل على صياغة رؤية شاملة بهذا الشأن.

ويعتقد ألفريد ميلر الاستشاري المصرفي والعضو السابق في لجنة إصلاح النظام المصرفي، التي أسستها الحكومة البريطانية في أعقاب الأزمة المصرفية عام 2009، وقدمت حينها اقتراحاتها إلى الحكومة بضرورة الاسراع بشراء أسهم العديد من البنوك البريطانية الخاصة، للحيلولة دون انهيارها، أن الوضع لم يعد بالسوء ذاته كما كان في السنوات الماضية، لكنه مع ذلك يحذر من المبالغة بأن الصورة وردية، وأنه تم تجاوز الأزمة بشكل تام، مشيرا إلى أن إمكانية انفجار الوضع لا تزال واردة وممكنة الحدوث، وإن كان ذلك في المناطق التي يطلق عليها مسمى"الأجزاء الرخوة من النظام المصرفي الدولي".

ويضيف ميلر أن عديدا من البنوك المتحكمة في النظام المصرفي الدولي في وضع أفضل، وابتعدت عن الأزمة، ولكن المكاسب المحققة نتيجة ذلك لم توزع بالتساوي بين البنوك والدول كافة، وهذا يوجد حالة من عدم التساوي في قدرة النظم المصرفية المختلفة، ليفتح بذلك بوابة أو ثغرة يمكن من خلالها للأزمة في منطقة ما، أو في بنك دولي كبير في بلد ما، أن تتجاوز الحدود وتنال من القدرات المصرفية للنظام البنكي العالمي برمته، نتيجة التداخل القوى والمعقد بين المكونات الأساسية للنظام المصرفي، محليا وإقليميا ودوليا. 

ويستدرك ميلر قائلا: "هذا الوضع يمكن أن نشهده في أوروبا على سبيل المثال، فانتعاش البنوك بشكل تام لا يزال غير واضح وغير كامل، فالبنوك الإيطالية واليونانية في أزمة، وإلى حد ما الإسبانية، وأخيرا ظهرت مشاكل جدية وعميقة لبنك دوتشيه الألماني، وتلك البنوك المرتبطة ببعضها بعضا، وبغيرها من البنوك الأوروبية الأخرى مثل النظام المصرفي في المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، وهولندا، ولهذا نلاحظ أن مؤشر أوروبا لأسعار أسهم البنوك منخفض بمقدار الثلثين مقارنة بالذروة التي بلغها قبل نحو عشرة أعوام، وحاليا عوائد المقرضين الأوروبيين لا تتجاوز في الأغلب 5.8 في المائة.

جاك برنيت المحلل المصرفي يشير إلى جانب آخر من المشهد البنكي وهو المتعلق بالنبوك الأمريكية، ويوضح أن تلك البنوك أقوى بكثير من نظيرتها الأوروبية والآسيوية، خاصة في مجال الخدمات الاستثمارية، وحاليا تحقق عائدا أفضل لمساهميها، مع هذا فإن الشمس - من وجهة نظره - لم تشرق بالكامل على النظام المصرفي الأمريكي.

ويضيف برنيت أن ارتفاع قيمة أسهمه في أعقاب فوز ترمب بالرئاسة الأمريكية، كان جيدا ولكنه لم يكن قويا، ولم يستطع أن يعيد عقارب الساعة إلى العصر الذهبي، فمؤشر ستاندرد آند بورز للبنوك يقل بنحو 30 في المائة عن الذروة التي بلغها في شباط (فبراير) 2007.
ويواصل قائلا: "البنوك ودافعو الضرائب في أمريكا في وضع جيد، ولكنه يصعب القول إنه آمن بشكل مطلق، وهذا التباين في مستويات الخروج من الأزمة المالية بين الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا يجعل من الصعب تصور رؤية عالمية تفصيلية مشتركة بين النظم البنكية لتفادي أزمة مقبلة، لكن ذلك لا يمنع من وجود تنسيق بينها خشية انفجار الوضع بشكل مفاجئ للجميع".

لكن السؤال الآن هو: لماذا وضع المصارف الأمريكية أفضل من نظيرتها على الضفة الأخرى من الأطلسي؟، لا شك أن هناك مجموعة من الأسباب لذلك، لكن من الواضح أن النظام المصرفي بصفة عامة، لم يعد يتهاون في التعامل مع أي بوادر لخلل أو فقاعة مصرفية تلوح في الأفق.

وعلى سبيل المثال، فإنه عندما أقر بنك "ويلس فارجو" الأمريكي في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، بأنه فتح خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من مليوني حساب وهمي، وبطاقات ائتمان لعملاء لم يطلبوها، فإن حجم الغرامة التي فرضت عليه كان كبيرا إذ بلغ 185 مليون دولار، كما أن سمعة البنك تضررت بشكل كبير للغاية.

الدكتورة أليس بولارد أستاذة النقود والبنوك في جامعة مانشستر تعتقد أن أكثر ما تغير في الصناعات المصرفية منذ الأزمة العالمية، هو "التنظيم" وهو ما سمح للبنوك سواء الأمريكية أو الأوروبية باستعادة جزء كبير من قوتها المفقودة. 

وتضيف بولارد أن المتابعة والإشراف الوثيق من قبل السلطات المالية، على الأداء البنكي عبر "اختبارات الإجهاد" لمعرفة قدرة البنوك الحقيقية لمواجهة الأزمات، مثل نقطة مفصلية في مرحلة ما قبل الأزمة وما بعدها، ويمكن اعتبار تلك الإجراءات أكبر تغيير في المشهد المصرفي. 

وأشارت بولارد إلى أن هذا الاهتمام البنكي "بالضوابط" يتجلى في ارتفاع أعداد موظفي البنوك العاملين في الأقسام المسؤولة عن سلامة ودقة الإجراءات والضوابط، فبنك "جي بي مورجان تشيس" أكبر بنك أمريكي زاد عدد العاملين في تلك الأقسام من 24 ألف موظف عام 2011 إلى 43 ألفا عام 2015. 

ومع هذا وعلى الرغم من أهمية الضوابط والإجراءات التي اتخذتها السلطات المالية عبر العالم، لإعادة تنظيم القطاع المصرفي في أعقاب الأزمة المالية، فإن الدكتورة أليس تعتقد أن تغير متطلبات رأس المال الواجب توافرها لدى البنك، بعد أن كشفت الأزمة المالية مدى هشاشة الأموال البنكية المرصودة للتعامل مع الأزمات، قد ضمنت إلى حد كبير مواجهة أي أزمة مقبلة.

وفي هذا السياق، تقول بولارد إن إجبار البنوك على زيادة رأس المال للتعامل مع الأزمات المستقبلية، بحيث يكون لدى البنك القدرة على التعامل مع أسوأ أزمة مالية يمكن تخيلها، دون أن ينهار تحت وطأة الضغط، كانت السبب في أنه بين عام 2011 ومنتصف العام الماضي عزز أكبر وأهم 30 بنكا في العالم رؤوس أموالهم المرصود للأزمات بنحو 1.3 تريليون دولار.

وحول أسباب تفوق المصارف الأمريكية في مستوى الأداء مقارنة بنظيرتها الأوروبية، يعتقد عديد من الخبراء أن البنوك الأمريكية كانت أكثر صرامة في تطبيق الإجراءات التي أوصت بها اللجان المختصة للخروج من الأزمة، كما أن الكثافة الرأسمالية لدى البنوك الأمريكية أعلى من نظيرتها الأوروبية، ومكنها ذلك من القيام بإجراءات أكبر في خفض التكاليف ومن ثم زيادة الأرباح. 

كما أن البنوك الأمريكية عززت إلى حد كبير من أن عمليات الاقتراض المتبادلة بين البنوك الأمريكية، وقلصت نسبيا من اقتراضها من البنوك الدولية الأخرى، ولكن ماذا عن البنك الآسيوية، خاصة الصينية؟ ولماذا يتخوف بعض الخبراء من أن يكون النظام المصرفي الصيني مصدر الأزمة المصرفية المقبلة؟

ويعتقد فرانك بل الخبير والاستشاري المصرفي أن البنوك الآسيوية تعلمت الدرس، وعززت من إجراءات الضبط المصرفي، تفاديا لحدوث ما لا تحمد عقباه، ومع هذا فإن النظام المصرفي الصيني يمثل ثغرة هائلة في النظام المصرفي العالمي على حد قوله.

ويوضح فرانك بل أن النظام المصرفي الصيني بصفة عامة توسع في الإقراض إلى مستوى يتجاوز قدرته المثلى، كي يحافظ على معدل النمو المرتفع، والآن تبلغ الفجوة بين الائتمان والناتج المحلي الإجمالي في الصين نحو 30.1 في المائة، وهي الأعلى على مستوى العالم، وأعلى من نظيره الأمريكي قبل اندلاع الأزمة، وإذا كان إجمالي الديون الصينية بلغ 28 تريليون دولار، فإن السؤال الرئيسي، ماذا ستفعل السلطات المالية في الصين إذا ارتفع سعر الفائدة عالميا.

ويحذر الخبير المصرفي من أنه لا يمكن لأي خبير أو اقتصادي أن يتصور أن الأزمة ستبقى داخل الصين، إذا انهار نظامها البنكي، فارتباط الصين بالنظام الاقتصادي العالمي، أوجد حالة من التداخل الضخم بين بنوكها الوطنية وكبرى البنوك الدولية، وسقوط النظام المصرفي المحلي في الصين، يعني حتما أننا في مواجهة تسونامي سيغرق معه العديد من البنوك الأمريكية والأوروبية مهما كانت درجة تحصينها لذاتها.

اقرأ أيضًا:

47 ألف وظيفة تشطبها المصارف العالمية في الربع الأخير من 2015

المصارف الأوروبية تعتمد على الملاذات الضريبية لخفض ضرائبها

النظام المصرفي العالمي نحو هاوية الفائدة السلبية





Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك