هبوط اليورو يزيد الأعباء على «الاسترليني» والصادرات البريطانية

منشور 15 آذار / مارس 2015 - 09:42
انخفاض قيمة اليورو مع انطلاق برنامج التيسير الكمي الأوروبي وتزامن ذلك مع ارتفاع قيمة الاسترليني
انخفاض قيمة اليورو مع انطلاق برنامج التيسير الكمي الأوروبي وتزامن ذلك مع ارتفاع قيمة الاسترليني

تعد البيانات الرسمية الدالة على انخفاض العجز التجاري أنباء طيبة للحكومات في العالم، أما بالنسبة للحكومة البريطانية فإن بيانات من هذا القبيل قد لا تكون محل سعادة "مفرطة" مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في شهر أيار (أيار (مايو) المقبل.

وأعلن مكتب الإحصاءات الوطني أن العجز التجاري البريطاني تراجع في كانون الثاني (يناير) بفضل انخفاض أسعار النفط، وسجل 616 مليون جنيه استرليني فقط، بعد أن وصل إلى 2.1 مليار جنيه استرليني في كانون الأول (ديسمبر)، ليقرع جرس إنذار لدى وزارة المالية باعتباره الأكبر من نوعه خلال خمس سنوات. ويرجع النجاح الذي تحقق في كانون الثاني (يناير) بشأن الميزان التجاري البريطاني إلى تراجع الواردات بنحو 2.5 مليار استرليني، وهو أكبر انخفاض في حجم الواردات في شهر واحد منذ 2006.

وقال لـ "الاقتصادية" المسؤول في قسم تحليل البيانات في مكتب الإحصاءات البريطاني روبر سيمون "إن الانخفاض الأكبر في قيمة الواردات يعود إلى تقلص الواردات النفطية بـ 1.3 مليار جنيه استرليني، حيث لم يتجاوز الإجمالي في كانون الثاني (يناير) 2.2 مليار استرليني"، مضيفا أنها "أقل قيمة استيرادية منذ أيار (مايو) 2009".

لكن إذا كان وضع الميزان التجاري إيجابيا بهذا الشكل، فلماذا لم تنتَب الدوائر الحكومية الرسمية "السعادة" الواجبة؟ ولماذا لم يسعَ حزب المحافظين الحاكم إلى استغلال البيانات للترويج إلى إنجازات اقتصادية حققها؟

السبب أن وضع الاسترليني هو ما دفع الحكومة إلى اعتبار أن تلك الأنباء الإيجابية بالمعايير الاقتصادية غير ملائمة حاليا، كما يقول أستاذ الاقتصاد البريطاني والأوروبي في جامعة ليدز، أنطوني هارفر.

وقال هارفر لـ "الاقتصادية"، "إن العملة البريطانية أول المستفيدين من تلك الأنباء، حيث ارتفعت في مواجهة اليورو لتبلغ أعلى مستوى خلال الأعوام السبعة والنصف الماضية". وأضاف "هذا الارتفاع يترك بصمات متباينة على إيقاع الاقتصاد، إذ يستفيد منه البعض ويتضرر آخرون، لهذا السبب واجهت الحكومة هذه الأنباء بمزيج من الترحيب والامتعاض في آن، فبعض كبار حلفائها وداعميها الاقتصاديين سيتضررون من ارتفاع قيمة الاسترليني".

ويعتبر قطاع السياحة واحدا من أكثر القطاعات تضررا من ارتفاع الجنيه الاسترليني، خاصة أنه جاء مع اقتراب موسم الصيف والعطلات.

وقال لـ "الاقتصادية" المدير التنفيذي في شركة إكسدوس، ستيف بوريس "إن ارتفاع العملة البريطانية أمام اليورو يحد تلقائيا من إقبال السائح الأوروبي على بريطانيا". وأضاف "المشكلة الراهنة أن الارتفاع حدث في وقت بدء حجز العطلات الصيفية، لكن على العموم نأمل أن تعوض زيادة أعداد السائحين الأمريكيين هذا العام نتيجة صعود الدولار أمام الاسترليني، انخفاض أعداد الأوروبيين". في المقابل انصب ارتفاع في قيمة الاسترليني نفعا على المواطنين البريطانيين الذين يتجهون لبلدان جنوب أوروبا خلال فصل الصيف، حيث الانخفاض الراهن في قيمة اليورو يعني زيادة في القوة الشرائية للاسترليني بنحو 15 في المائة مقارنة بذات الفترة من العام الماضي. ويعني هذا عمليا أوضاعا أفضل للسائح البريطاني، ففي العام الماضي حصل السائح البريطاني على مبلغ 707 يوروات مقابل كل 600 جنيه استرليني، والآن سيحصل على 822 يورو مقابل ذات المبلغ.

الانزعاج الأكبر من ارتفاع الاسترليني في مواجهة اليورو بدا أكثر وضوحا في القطاع الصناعي.

واعتبر المحلل الاقتصادي في غرفة التجارة البريطانية جو رايدنج أن عدم سعادة الحكومة بانخفاض العجز التجاري يعود إلى أن كبار الصناعيين، وهم من الداعمين الرئيسيين لحزب المحافظين، تضرروا من ارتفاع الاسترليني أمام اليورو، حيث قد ينعكس هذا على دعمهم للحزب في الانتخابات.

وبحسب حديث رايدنج لـ "الاقتصادية"، فإنه رغم انخفاض العجز التجاري في بريطانيا لا يزال لديها عجز مع بلدان منطقة اليورو وتحديدا ألمانيا، وقال "ارتفاع قيمة الاسترليني يعني أن الصناعة البريطانية لن تجد أسواقا رائجة لاستقبال منتجاتها في منطقة اليورو، والسبب أن منتجاتنا من وجهة نظر المستهلكين الأوروبيين أغلى ثمنا من السلع الألمانية أو الفرنسية".

انخفاض قيمة اليورو مع انطلاق برنامج التيسير الكمي الأوروبي وتزامن ذلك مع ارتفاع قيمة الاسترليني، دفع بعض الاقتصاديين المحافظين في بريطانيا إلى اتهام "المركزي الأوروبي" وألمانيا بالسعي للتخلص من أزمة منطقة اليورو، وتحديدا انخفاض معدل التضخم واحتمال دخول المنطقة في ركود حاد، بترحيلها إلى الاقتصاد البريطاني.

وقال لـ "الاقتصادية" أستاذ الاقتصاد الدولي وعضو حزب الاستقلال الداعي إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي بيستن روبرت "إنهم يسعون لتصدير الركود الاقتصادي إلينا.. نحن لدينا إجمالي مديونية يفوق معظم مديونيات بلدان منطقة اليورو، ولو أصبنا بالركود فهذا يعني عمليا عدم قدرتنا على الإيفاء بالتزاماتنا المالية الدولية".

في مثل هذه الأجواء من التوتر بين "اليورو" و"الاسترليني" فإن الحديث عن حرب عملات يعود مجددا إلى وسائل الإعلام البريطانية.

ونقلت صحيفة الجارديان البريطانية تصريحات عن مسؤولين في البنك المركزي الأوروبي ينفون فيها اللجوء إلى سياسات تحفيزية للنمو تعتمد على خفض قيمة اليورو عمدا.

ونشرت الصحيفة أيضا نفيا من ايوالد نوفوتني رئيس البنك المركزي النمساوي وعضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، للاتهامات الموجهة لألمانيا بأنها تقف وراء تبني سياسة متعمدة لخفض اليورو أمام الاسترليني بهدف خلق ميزات تنافسية لمصلحتها ومصلحة اقتصادات المنطقة.

ورغم عدم صدور أي تصريح بريطاني "رسمي" عن حرب عملات بين اليورو والاسترليني، إلا أن تعليقات المدير التنفيذي للأسواق في بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) كريس سالمون كانت تحمل في مضمونها تحذيرا من ذلك.

وحذر في محاضرة له أخيرا من العواقب الوخيمة التي يمكن أن تضرب الأسواق المالية العالمية جراء التهاون في التصدي "للصدمات الحادة القصيرة" في أسواق العملات والأسهم.

ويعتقد عدد من الاقتصاديين أن الأمور قد تزداد توترا بين منطقة اليورو ككل وبريطانيا، وربما تصل إلى حد تبادل اللكمات الاقتصادية بين الطرفين بشكل أكثر وضوحا وصراحة مما عليه الآن، إذا ما عزز التيار المناهض للاتحاد الأوروبي من وجوده السياسي والاقتصادي في المملكة المتحدة.

وإذا كان الحديث لا يزال خافتا في وسائل الإعلام البريطاني محذرا من حرب عملات بين اليورو والاسترليني قد ينزلق إليها الطرفان للخروج من الأزمة الاقتصادية، فإن ضخ المستثمرين مبالغ قياسية في صناديق الأسهم في منطقة اليورو هذا العام مثل تحديا قويا للاقتصاد البريطاني.

ولندن التي راهنت على أن تحسن الأداء الاقتصادي لديها سيمثل عنصر جذب للمستثمرين الدوليين، توترت من أنباء تدفق 35.6 مليار دولار على صناديق الأسهم الأوروبية هذا العام، لتتجاوز ما تحقق في الربع الأول من العام الماضي، الذي بلغ 32 مليار دولار في حينها.

ويعتقد المختصون أن وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن يواجه الآن تحديا كبيرا، إذ إن موعد تقديم الميزانية العامة قد اقترب، وعليه الآن طرح إجراءات حاسمة ليس فقط لضمان أن يصب سعر الاسترليني في مصلحة دعم الاقتصاد البريطاني، بل الأكثر أهمية أن يطرح مجموعة من الإجراءات تشجع المستثمرين على الإقبال بقوة للاستثمار في الاقتصاد الوطني.

اقرأ أيضا: 

الدرهم يرتفع 9٪ مقابل اليورو في شهرين

محال الصرافة في السعودية توقف التعامل باليورو

 

 

 


Copyright © Saudi Research and Publishing Co. All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك