قطار الحرمين .. إلى أين يتجه الاقتصاد السعودي؟!

منشور 28 أيلول / سبتمبر 2018 - 02:56
قطار الحرمين
قطار الحرمين

بسرعة تقترب من 300 كلم في الساعة ينطلق قطار الحرمين عالي السرعة الخميس القادم حاملاً على متنه الركاب بين 5 محطات موزعة على طول الطريق بين مكة المكرمة والمدينة المنورة في أولى رحلاته على خط السكة الحديد المكهرب الذي يقترب طوله من 450 كلم.
 

 

دون مبالغة، هذه تعد لحظة فارقة في تاريخ الاقتصاد السعودي الذي يسعى القائمون على إدارته إلى تنويعه بعيداً عن النفط. فعلى عكس ما قد يعتقده البعض، القطارات فائقة السرعة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي قاطرة التنمية التي بإمكانها نقل اقتصاد البلاد بالكامل إلى مرحلة متقدمة جداً.
 

ولذلك، بعيداً عن النقاشات الدائرة حالياً حول أسعار التذاكر ووجهات القطار وعدد أيام التشغيل والمواضيع المشابهة، سنركز في هذا التقرير على الصورة الكبيرة والتأثيرات المتوقعة لمشاريع القطارات فائقة السرعة على الاقتصاد الكلي من خلال استعراض تجارب بلدان سارت قبلنا في هذا الطريق.
 

"شينكانسن" .. الأولى والأفضل في العالم
 

بريطانيا هي من اخترعت القاطرات البخارية، في حين أن الروس هم أول من عرفوا العالم على الترام الكهربائي، لكن اليابان هي أم القطارات فائقة السرعة التي بعد أن رآها الأوروبيون تجري على السكك الحديدية اليابانية كالطلقة جلسوا أكثر من عقد يحاولون بناءها، قبل أن تتمكن فرنسا أخيراً من تدشين أول قطار فائق السرعة في أوروبا في عام 1981، أي بعد 17 عاماً من ظهورها في اليابان.

 

قبل 54 عاماً بالضبط، وتحديداً في تمام الساعة العاشرة من صباح الأول من أكتوبر/تشرين الأول عام 1964، أتم أول قطارين من القطارات فائقة السرعة اليابانية رحلتيهما الأوليين، ليصلا بسلام إلى وجهتيهما في مدينتي طوكيو وأوساكا، لا يحملان على متنهما الركاب فقط، بل يحملان أيضاً طموحات أمة بأكملها.
 

 

وصل القطاران في وقتهما المحدد بعد أن قطعا المسافة بين المدينتين في 4 ساعات بدلاً من 7 ساعات، وكان في استقبالهما آلاف اليابانيين الذين اصطفوا على طول المحطات لمشاهدة هذا الحدث التاريخي الذي كان بالنسبة لهم بمثابة إعلان لانتعاش بلادهم من آثار خراب الحرب العالمية الثانية، وبداية النهضة التي جعلت اليابان قوى اقتصادية عظمى في غضون عدة عقود.
 

في ذلك الوقت كانت اليابان تمتلك بالفعل شبكة سكك حديدية، ولكنها لم تكن كافية لطموحات اليابانيين الذين أرادوا الانتقال من نموذج التنمية العمودي المتركز في عدد قليل من المدن الرئيسية إلى التنمية الأفقية الموزعة على كامل المساحة الجغرافية للبلاد، وإنعاش النشاط الاقتصادي في هذه الأماكن.
 

أحدثت شبكة القطارات فائقة السرعة المسماة "شينكانسن" ثورة في قطاع الأعمال الياباني، طال أثرها الصناعات اليابانية والقوى العاملة. فبعد أن كانوا يضطرون للاستقرار في المدن الكبرى مثل طوكيو للبقاء قريبين من أماكن عملهم، أصبح بإمكان العمال البقاء في مدنهم وقراهم حيث التكلفة المعيشية المنخفضة، وفي نفس الوقت العمل بالمراكز الاقتصادية التي أصبحت بفضل "شينكانسن" لا تبعد عنهم أكثر من ساعتين في المتوسط.
 

العمود الفقري للاقتصاد
 

أشارت دراسة صادرة عن جامعة أمستردام في يونيو/حزيران 2001 تحت عنوان "الآثار الاقتصادية للقطارات فائقة السرعة" إلى أن عدد الشركات في المدن اليابانية المربوطة بشبكة السكك الحديدية فائقة السرعة شهد نمواً قدره 55% في الفترة ما بين عامي 1972 و1985، وذلك مقارنة مع المدن التي لا تغطيها الشبكة.
 

في الوقت نفسه، توسعت قطاعات التجزئة والجملة والتصنيع والتشييد والبناء في المدن التي تصل إليها القطارات عالية السرعة، وشهدت معدلات التوظيف في تلك القطاعات نمواً أعلى بنسبة تصل إلى 34% مقارنة مع تلك التي لا توجد بها أي محطات للقطارات فائقة السرعة.
 

من ناحية أخرى، ازدهر النشاط السياحي المحلي والأجنبي في المدن النائية التي تصل إليها القطارات فائقة السرعة في غضون ساعات قليلة، كما زاد عدد الفنادق في تلك المناطق. ولاحقاً أصبحت قطارات "شينكانسن" نفسها – التي تعد رمزاً للكفاءة اليابانية – معلماً سياحياً يحرص كل من يزور اليابان على زيارته.

على سبيل المثال، يشير "كويي تسوج" رئيس شركة وسط اليابان للسكك الحديدية إلى أن ما يقرب من 30% من ركاب القطار الياباني فائق السرعة الواصل بين مدينتي ناجويا وتاكاياما اليابانيتين المسمى "هيدا" هم سياح أجانب.
 

لكن الأثر الاقتصادي الأهم للقطارات فائقة السرعة على الاقتصاد الياباني بحسب ما أشارت إليه دراسة أعدها باحثون من جامعتي "دارتموث" و"أسلو" ومعهد اليابان لأبحاث التجارة والصناعة في عام 2004، هو قدرتها على توحيد وربط المصنعين بشبكات التوريد والمستهلكين.
 

 

في اليابان، يبلغ متوسط المسافة بين الشركة ومورديها حوالي 20 ميلاً، وعادة لا تستطيع سوى الشركات الكبرى الوصول إلى الموردين في جميع أنحاء البلاد. ولكن بفضل القطارات فائقة السرعة، أصبح بإمكان الشركات الصغيرة الموجودة في المناطق التي تصل إليها "شينكانسن" أو بالقرب منها الوصول بسهولة إلى الموردين البعيدين وإبرام الصفقات معهم بتكلفة أقل.
 

في الفترة ما بين عامي 1981 و1985 ارتفعت أسعار الأراضي في المناطق التجارية بالمدن المربوطة بشبكة القطارات فائقة السرعة بنسبة 67%، بينما نما دخل الفرد في تلك المدن بنسبة 2.6%، في حين ارتفع حجم العمالة بنسبة 22% في القطاعات الخدمية كنتيجة مباشرة لوجود تلك القطارات.
 

لذلك ليس من المستغرب أن يشير "كويي تسوج" رئيس شركة وسط اليابان للسكك الحديدية إلى "شينكانسن" باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد الياباني الذي يتركز 65% منه في المناطق التي تربط بينها القطارات فائقة السرعة التي تحمل على متنها كل يوم حوالي 445 ألف مسافر. مؤكداً أيضاً على أن الاقتصاد الياباني لم يكن ليتطور ليصبح ما هو عليه اليوم دون "شينكانسن".
 

خلال 54 عاماً هي عمر شبكة "شينكانسن" لم يسجل أي من القطارات اليابانية التي ينطلق حوالي 358 منها معاً كل يوم على خطوط السكك الحديدية أي حادث تصادم أو إصابة مميتة، رغم أنها تركض بسرعة تقترب من 285 كلم في الساعة.
 

"TGV" .. كيف غيرت شكل الاقتصاد الفرنسي؟
 

في سبتمبر/أيلول من عام 1981، افتتحت فرنسا المرحلة الأولى من خط السكك الحديدية الخاص بالقطارات فائقة السرعة، الرابط بين ضواحي مدينتي باريس وليون، والذي عكفت على بنائه خلال السبعينيات، لتصبح أول دولة في القارة الأوروبية تقوم بتشغيل هذا النوع من القطارات.
 

على الرغم من أن شبكة القطارات فائقة السرعة الفرنسية التي يرمز إليها اختصاراً بـ"TGV" لم تكن تتمتع بنفس القدر من الكفاءة والجودة التي تتمتع به نظيرتها اليابانية، إلا أنها سرعان ما أصبحت وسيلة النقل الرئيسية في البلاد، وكذلك أصبحت مبعثا للفخر الوطني.
 

في الفترة ما بين عامي 1981 و1984 زاد عدد ركاب خط السكة الحديد الرابط بين مدينتي باريس وليون بأكثر من الضعف. وكان مصدر هذه الزيادة كالآتي: 33% من ركاب خطوط الطيران و18% من رواد الطرق العامة، في حين مثل الطلب الجديد الذي خلقته تلك القطارات 49%.
 

كما حدث في طوكيو، ساهمت القطارات في تخفيف الزحام في العاصمة الفرنسية، حيث أصبح بإمكان الذين يعملون في باريس العيش في المدن الواقعة على مسافة قريبة نسبياً من العاصمة التي تصل إليها القطارات فائقة السرعة في وقت قصير جداً.
 

في الوقت نفسه، ساهمت القطارات في توسعة رقعة النشاط الاقتصادي لتشمل المناطق التي تغطيها الشبكة، بعد أن كانت تتركز بشكل رئيسي في باريس. على سبيل المثال، في السنوات التالية لتشغيل الخط الأول انتقلت العديد من الشركات من باريس إلى مدينة ليون والمناطق المحيطة بها التي أصبح الوصول إليها أقل تكلفة وأكثر سهولة.
 

 

أشارت دراسة صادرة عن البنك المركزي الفرنسي في مايو/أيار 2017 تحت عنوان "هل عززت البنية التحتية للقطارات فائقة السرعة من تنافسية الشركات؟" إلى أن شبكة القطارات فائقة السرعة في البلاد لها فوائد اقتصادية واضحة مثل خلق فرص العمل والمساهمة في توزيع المهارات والكفاءات على نطاق جغرافي أوسع، بعد أن كانت تتركز بشكل رئيسي في المدن الكبيرة فقط.
 

بحسب ذات الدراسة، ساهمت القطارات فائقة السرعة في تعزيز ربحية الشركات بنسبة تتراوح ما بين 0.6 و1.9% (على حسب الصناعة) خلال العام 2011. وفي نفس العام كان بإمكان 40% من موظفي الشركات الفرنسية متعددة المواقع استخدام القطارات فائقة السرعة في رحلاتهم من وإلى مكاتبهم الرئيسية.
 

وخلصت الدراسة إلى أن القطارات فائقة السرعة كان لها تأثير إيجابي جداً على إنتاجية الشركات وقدرتها على الوصول إلى ذوي المهارات والموردين والمستهلكين، كما ساهمت في تحسين وتوسيع شبكة الإمدادات، وعززت أيضاً مستويات الطلب في قطاع السياحة والقطاعات المرتبطة به.
 

إدراكاً منها لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية تنفق الكثير من الحكومات حول العالم ببذخ على مشاريع السكك الحديدية فائقة السرعة. فالصين مثلاً استثمرت نحو 300 مليار دولار لتنفيذ أكثر من 11 ألف كلم من السكك الحديدية فائقة السرعة، في حين أن ولاية كاليفورنيا الأمريكية أنفقت مليار دولار، فقط من أجل التحقق من إمكانية تدشين قطار فائق السرعة بين سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس.
 

 

أخيراً، بإمكان شبكة خطوط السكك الحديدية السعودية فائقة السرعة التي لا تزال في بدايتها أن تحدث تغييرات إيجابية جداً في بنية الاقتصاد السعودي، ولكن بشرط أن تتم إدارتها بكفاءة مماثلة لتلك التي تدار بها شبكة "شينكانسن" اليابانية التي على الرغم من أنها الأكثر ازدحاماً في العالم، إلا أنها أيضاً الأكثر نظافة والأكثر التزاماً بالمواعيد بين نظيراتها.
 

ودليل هذا الالتزام أن متوسط تأخر القطارات اليابانية عن مواعيدها 12 ثانية، هذا إن حدث وتأخرت أصلاً.

المصدر: أرقام 

اقرأ أيضًا: 

تفاصيل أسعار تذاكر قطار الحرمين السريع

قطار الحرمين... إنجاز جديد تشهده السعودية بتقنيات عالمية

 


© 2000 - 2019 Al Bawaba (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك