مع اقتراب عام 2016 من نهايته، تبدو ملامح التفاؤل تجاه المستقبل غائبة في سوق الذهب العالمية، فالمعدن الأصفر الذي حقق زيادة ملحوظة في الأسعار تراوحت بين 20 و25 في المئة خلال النصف الأول من العام، مُني بأداء سيئ خلال النصف الثاني من العام الجاري، ما دفع بعديد من المستثمرين إلى الشك في أن يكون المعدن النفيس ملاذًا استثماريًا آمنًا خلال الفترة المقبلة، وسط مخاوف من انتهاء العام الجاري وسعر الأونصة يبلغ 1140 دولارًا كحد أعلى و1000 دولار كحد أدنى.
ولكن ما الذي دفع الذهب إلى فقدان جزء كبير من بريقه خلال النصف الثاني من العام الجاري؟ ولماذا تساور الشكوك كثيرًا من الخبراء في أن يفلح المعدن الأصفر في استرداد بريقه المفقود خلال النصف الأول من عام 2017 على الأقل؟
تي إتش جيمي المحلل المالي في بورصة لندن يعلق لـ"الاقتصادية" قائلا: "شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي كان الأسوأ بالنسبة للذهب خلال السنوات الثلاث الماضية، وفيه كان أداء أسواق الذهب هو الأسوأ منذ شهر حزيران (يونيو) 2013، والزيادة التي قدرت خلال النصف الأول من العام بقرابة 25 في المئة، تآكلت حيث يبلغ المتوسط العام لزيادة أسعار المعدن الأصفر منذ بداية العام وحتى الآن نحو 9.5 في المئة فقط".
وحول طبيعة الضغوط التي يتعرض لها الذهب حاليًا، وأدت إلى تراجع الأسعار يعلق قائلًا: "التدهور الحادث في أسعار الذهب يعود إلى التغيرات الجارية في الولايات المتحدة، فبعكس التوقعات التي سادت في فترة الانتخابات الأمريكية، بأن الأسواق ستتفاعل بصورة سلبية مع فوز دونالد ترمب حدث العكس. فالمخاوف الأولية التي سادت بأنه إذا فاز مرشح الحزب الجمهوري، فإن ذلك سيفسح المجال لمخاوف تضخمية نتيجة خطته الاقتصادية، تلك المخاوف تراجعت لمصلحة تحسن متواصل في قيمة الدولار، ليوجد بذلك ضغطا على أسعار الذهب، العامل الثاني أغلب التكهنات تشير إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيرفع أسعار الفائدة الأمريكية هذا الشهر، وهذا بالطبع يوجد أيضًا ضغوطًا على المعادن التي لا تجلب عائدًا إلا ببيعها والتخلص منها مثل الذهب".
إضافة إلى العوامل المذكورة أعلاه يشير توماس مار أحد المضاربين على الذهب في بورصة لندن، قائلًا: "الاتفاق الأخير بين أعضاء أوبك بخفض سقف الإنتاج النفطي، أوجد توقعات في الأسواق بارتفاع معدلات التضخم في الفترة المقبلة، ما أوجد زيادة ملحوظة على الدولار الأمريكي في مواجهة الذهب".
ويستدرك قائلًا: "الإغراء الناجم عن اقتناء الذهب ضعيف الآن". ولكن ماذا عن تأثير تصعيد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب لهجته المعادية للصين؟ هل يمكن أن ينعكس ذلك على أسعار الذهب؟ وهل سيكون الانعكاس في اتجاه رفع الأسعار أم مزيد من الانخفاض؟
وتتضارب آراء الخبراء حتى الآن حول ما يمكن أن يحدث إذا ما تفاقم الخلاف الأمريكي الصيني؟ فبينما يرى البعض أن تشدد الرئيس الأمريكي في مواقفه السياسية والاقتصادية تجاه الصين سيكشف عن صلابة الاقتصاد الأمريكي، ما يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في قيمة العملة الأمريكية، بما يعنيه ذلك من زيادة الطلب على الدولار بدلًا من الذهب، ومن ثم انخفاض في قيمة المعدن الأصفر كما يحدث الآن.
ويري البروفيسور مارتن لاين الخبير في التجارة الدولية: إن حدوث العكس وارتفاع أسعار الذهب في مواجهة الدولار يبدو شديد الاحتمال.
وقال لـ"الاقتصادية": "إذا توترت العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين أكبر شريك تجاري لواشنطن، فإن ذلك يعني تراجع التبادل التجاري بينهما، وإذ ازدادت الأمور سوءا فإننا يمكن أن نشهد حربا تجارية ستترافق مع حرب عملات بين الدولار واليوان، خاصة على ضوء مواصلة ترمب اتهامه لبكين بالتلاعب بأسعار عملتها الوطنية وخفضها عمدًا لزيادة حصتها في التجارة الدولية، وهذا سيدفع حتمًا إلى خفض سعر صرف الدولار لزيادة الصادرات الأمريكية وخفض الواردات، وسيفقد هذا الدولار جزءًا كبيرًا من بريقه الراهن، بل سيدفع عديدًا من المواطنين في الصين والهند أكبر المستهلكين للذهب عالميًا إلى تحويل الجزء الكبير من مدخراتهم من الدولار إلى الذهب باعتباره ملاذًا أكثر أمنًا من الدولار".
ولكن إلى أي مدى يمكن لتلك التوقعات أن تقودنا إلى تحديد دقيق للمستويات السعرية التي سيتراوح عندها الذهب خلال العام المقبل؟
ولا يوجد حتى الآن أي اتفاق بين الخبراء حول المتوسط السعري للذهب خلال النصف الأول من العام القادم، إذا سيعتمد السعر على مجموعة من العوامل المركبة. لكن أغلب التكهنات تشير إلى أن الأمر سيصب في مصلحة كبار المستثمرين الذين يستطيعون شراء كميات كبيرة من الذهب وتخزينها لفترة طويلة ثم بيعها عندما ترتفع الأسعار، فانخفاض الأسعار سيكون مغريًا للغاية لكبار رجال الأعمال والمضاربين على الذهب شريطة عدم الإسراع بالبيع.
ويشير موقع بلومبرج الإخباري إلى أن سعر الأونصة سيبلغ 1175 دولارًا في الربع الأول من العام المقبل لكنه سينخفض إلى 1150 في الربع الثاني وسيواصل الانخفاض في الربع الثالث والرابع من عام 2017 ليصل إلى 1125 و1100 على التوالي، أما قسم الأبحاث في بنك Citi فيتوقع أن تصل الأسعار في الربع الثالث من العام المقبل إلى 1135 للأونصة، وأن تختتم الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام المقبل عند مستوى 1180 دولارًا للأونصة، في مقابل تلك التوقعات الضعيفة للأسعار فإن مجموعة CPM تتوقع أن تصل الأسعار إلى 1325 دولارًا للأونصة العام المقبل، وهي توقعات تتماشى مع توقعات بنك Scotia الذي يرجح أن يبلغ سعر الأونصة في المتوسط خلال العام المقبل 1300 دولار.
ويعلق لـ"الاقتصادية" مورتن ميلار الباحث في مجال المعادن قائلًا: "يتطلب التكهن بمسار سعر الذهب خلال العام القادم مزيدًا من التريث حاليًا حتى تتضح لنا مجموعة من العوامل التي ستحدد مسار الأسعار، فعلينا أن نعرف أولًا قيمة الزيادة المرتقبة في أسعار الفائدة الأمريكية، كما علينا أن نعرف كيفية تعامل الأسواق مع خطة ترمب الاقتصادية عندما تدخل حيز التنفيذ، والأهم معرفة الاتجاهات المستقبلية للعلاقات الأمريكية الصينية، فبدون أن نمتلك صورة واضحة للمشهد الاقتصادي، وأن يتضمن ذلك تلك العوامل الثلاثة، فإن الحديث عن أسعار الذهب خلال العام المقبل سيكون ضربًا من التخمين أكثر منه تقديرًا اقتصاديًا رزينًا".
اقرأ أيضًا:
توقعات بانخفاض مؤقت لأسعار الذهب بعد رفع الفائدة الأمريكية
توقعات الفائدة الأميركية تضيق النطاق على أسعار الذهب
تجار الذهب: اضطراب الأسواق العالمية يعرض الأسعار للمفاجآت
