ودع الوسط الفني السوري والعربي وجهاً من الوجوه التي رافقت الذاكرة الدرامية لعقود، برحيل الفنان القدير أحمد خليفة في العاصمة دمشق عن عمر يناهز الواحد والثمانين عاماً، حيث غيبه الموت مخلفاً وراءه إرثاً غنياً من العطاء الذي توزعت ملامحه بين خشبة المسرح وشاشتي السينما والتلفزيون، وقد أكدت الجهات النقابية في العاصمة السورية هذا الغياب الذي يطوي فصلاً طويلاً من تاريخ الأداء الواقعي في الدراما المحلية.
بدأت الرحلة الإبداعية للراحل من أزقة دمشق التي ولد فيها بمنتصف الأربعينيات، لينطلق في ستينيات القرن الماضي نحو شغفه الأول وهو المسرح، الذي صقل موهبته قبل أن تفتح له السينما أبوابها في تجارب نوعية كان أبرزها حضوره في الفيلم الشهير "أحلام المدينة"، ومنذ تلك البدايات استطاع خليفة أن يثبت أقدامه كفنان يعتمد على التراكم الرصين والصدق في التجسيد، بعيداً عن صخب النجومية الزائفة، مما جعله مرجعاً في أداء الشخصيات التي تشبه الناس في تفاصيلهم اليومية.
وفي جعبة الراحل سجل حافل بالإنتاجات التي تركت بصمة لا تُمحى في وجدان المشاهد العربي، إذ كان جزءاً أساسياً من نجاحات كبرى في دراما البيئة الشامية والكوميديا والاجتماع، فمن حضوره المحبب في "يوميات جميل وهناء" و"عيلة 6 نجوم"، إلى تجسيده المتقن للأدوار في "الخوالي" و"ليالي الصالحية" ووصولاً إلى سلسلة "باب الحارة"، حيث تميز بقدرته الفائقة على منح الأدوار المساندة ثقلاً درامياً موازياً لأدوار البطولة، مؤمناً بأن قيمة الممثل تكمن في جوهر الأداء لا في مساحة الدور على الورق.
وعلى الرغم من حضوره المستمر تحت أضواء الكاميرات، فقد اختار الفنان الراحل أن يحيط حياته الأسرية بسياج من الخصوصية والهدوء، مفضلاً أن يظل بيته وعائلته المكونة من زوجته وولديه محمد ومهند بعيداً عن التداول الإعلامي، وهو نهج حافظ عليه حتى أيامه الأخيرة، ليرحل اليوم تاركاً خلفه سيرة عطرة ومدرسة في الالتزام المهني والتمثيل الفطري العميق الذي سيفتقده الجمهور السوري وزملاؤه في المهنة.
