رياح "الإصلاح والتغيير" تهب على القارة العجوز

منشور 21 أيّار / مايو 2012 - 10:54

لطالما صحّت التوقعات في أوروبا عندما يأتي الحديث عن الأبطال المفترض وقوفهم على النقطة الأعلى من منصات التتويج نهاية موسم طويل من المنافسة ضمن البطولات المحلية.

اعتبارات عدة تؤخذ في الحسبان عند خط الانطلاق، بيد أن موسم 2011-2012 لم يف بوعوده عند خط النهاية، الا بالنسبة لمن آمن بكسر حاجز التوقعات وتجاوز البطل المفترَض على مرأى من رهانات استسلمت هذه المرة لواقع جديد.

بعد فوزه بكأس الاتحاد الإنجليزي الموسم الماضي، وضع مانشستر سيتي نصب عينيه دخول معركة جدية على لقب الدوري الممتاز متسلحاً بخزينة إماراتية لا تنضب.

تعاقدات بالجملة مع خيرة النجوم حول العالم في الموسمين الاخيرين، أبرزهم الأرجنتينيان كارلوس تيفيز وسيرجيو أغويرو والفرنسي سمير نصري والإسباني دافيد سيلفا والبلجيكي فنسان كومباني والإيطالي ماريو بالوتيلي والإيفواري يايا توريه والبوسني إيدن دجيكو وغيرهم.

مدرب طموح هو روبرتو مانشيني متمسك بحقه في المنافسة حتى الرمق الأخير انطلاقاً من كونه إيطالياً.

جماهير وفية لطالما عاشت في ظل جار عملاق لم يترك لها سوى الظل لتخفي في ثناياه مجداً حالماً أبداً.

وحسن طالع فرض نهاية دراماتيكية لسيناريو بطولة لا يصدق، وخصوصاً أن لاعب دور البطولة لم يُعرف الا في الثواني الأخيرة من رواية انتظار استمرت 44 عاماً.

كثر فرضوا أنفسهم فرسان رغبة حقيقية لانتزاع لقب البريمير ليغ هذا الموسم: مانشستر يونايتد المرشح الدائم، مانشستر سيتي القادم بقوة، آرسنال "الأنيق" والباحث دوماً عن عودة إلى سكة الانتصارات، تشلسي المعوّل على ملايين مالكه الروسي رومان أبراموفيتش، وبدرجة أقل ليفربول المشتاق إلى لقب دوري محلي طال انتظاره، وتوتنهام الذي قدم مستويات مميزة خلال الفترة الأخيرة.

سيطر سيتي على المشهد فيما بقي يونايتد على مقربة منه، وعانى آرسنال عدداً من النكسات أمام من هم دونه مستوى، كما تلعثم تشلسي خلال تفسير فكر مدربه البرتغالي الشاب أندريه فيلاس بواش، وبقي ليفربول بعيدا عن "ليفربول الأسطوري".

في الأنفاس الأخيرة من الموسم، انقضّ الشياطين الحمر على الصدارة تاركين خلفهم الجار السماوي، فجرى التسليم بأن رجال المدرب الاسكتلندي السير أليكس فيرغسون سيمضون نحو منصة التتويج العشرين بفضل النَفَس الطويل الذي يفتقده سيتي.

استلزم الأمر نهاية ولا بالأحلام للدوري الممتاز.

مسألة دقائق فرضت تبادلاً سريعاً في أدوار البطولة، هدفان لسيتي في الوقت المحتسب بدل ضائع في شباك كوينز بارك رينجرز في اللحظات الأخيرة من الموسم، انتزعتا اللقب الغالي من براثن "السير" ليستقر في أحضان مانشيني بفارق الإصابات وحسن الطالع، ورغبة الزمن في إعلان بداية مظفرة لفريق لن يقف عند حدود بطولة محلية، بل سيطرق ابواب المجد الأوروبي ابتداء من الموسم المقبل.

ثورة كونتي:

لطالما ارتبط اسم أنتونيو كونتي لاعباً في نادي يوفنتوس العريق، وعندما عاد إلى أحضان "السيدة العجوز" مطلع الموسم الحالي مدرباً، عدَّت الخطوة مجرد نقلة طبيعية ومنطقية.

سعى كونتي إلى أكثر من الإصلاح في اليوفي العائد من الظل على إثر فضيحة التلاعب بالنتائج، والتي أدت إلى إسقاطه إلى الدرجة الثانية.

عمد المدرب الشاب إلى "تغيير" في المفاهيم، ونقل الفريق من واقع الساعي إلى المنافسة مجدداً على المراكز الأولى إلى فريق طامح لانتزاع اللقب.

كان ميلان مرشحاً للاحتفاظ بلقب الدوري، وبدا إنترناسيونالي قوي الجانب، بداية لاتسيو روما لم تكن سيئة اطلاقاً مع وصول الألماني ميروسلاف كلوزه، نابولي بدا قادراً على اجتراح المعجزة. حتى أودينيزي حلم بلقب عزّ عليه طويلاً.

في نهاية المطاف وبعد صراع مرير بين يوفنتوس وميلان وتبادل كرسي القمة في أكثر من مناسبة، توجت "السيدة العجوز" بفضل تشكيلة شابة وضع المدرب كامل ثقته فيها دون أن يحجب عن "الرموز" حقهم ودورهم، لا سيما الحارس جيانلويجي بوفون والكابتن الملهم أليساندرو ديل بييرو الذي تقرر أن يرحل عن "قلعة تورينو".

من جهته، طوى الروسونيري الصفحة الأخيرة في حقبة تقرر على إثرها التخلي عن "الحرس القديم" الذي اشتمل على فيليبو إنزاغي وجينارو غاتوسو وأليساندرو نيستا وجيانلوكا زامبروتا وفلافيو روما والهولندي كلارينس سيدورف ومواطنه مارك فان بوميل، وفتح صفحة جديدة قد يكون عنوانها اقتفاء أثر خطوات كونتي نحو عرش اتضح أن شروط التربع عليه لا تتطلب اكثر من رغبة جامحة وايمان لا محدود وأسماء جديدة تصلح واقع الفريق وتغيّر مفهوم آلية الانتصار لديه.

عقلية كلوب:

اعتقد متابعو البوندسليغا أن عمر السطوة التي سطّرها بوروسيا دورتموند الموسم الماضي لن يدوم طويلاً، في ظل حضور بايرن ميونخ المدججة صفوفه بالنجوم والرغبة الأكيدة في العودة إلى لعب الدور الأول على الساحة الألمانية.

يورغن كلوب مدرب دورتموند الشاب استرسل في التمسك بمبادئه القائمة على الاعتماد أولاً على المواهب الصاعدة مدعومة بعدد من عناصر الخبرة، بيد أنه لم يصب سوى النجاح.

كان بوروسيا بمثابة "برشلونة الألماني"، وتأكد ذلك بصورة واضحة في ملعب برلين الأولمبي الذي شهد على الفوز التاريخي لـ "أبناء الرور" على بايرن ميونخ بالذات 5-2 في نهائي كأس ألمانيا، بعد حسم لقب بطولة الدوري وتالياً إحراز الثنائية للمرة الأولى.

بدا الفرنسي فرانك ريبيري والهولندي آريين روبن وباستيان شفاينشتايغر وتوماس مولر وفيليب لام وجيروم بواتينغ وتوني كروس وماريو غوميز ومانويل نوير وهولغر بادشتوبر والبرازيلي لويز غوستافو والنمساوي ديفيد آلابا في عالم تقليدي خرج منه لاعبو دورتموند منذ زمن بعيد، معتمدين التمريرات القصيرة والهجمات المرتدة والدينامية في الأداء.

لا بد ليوب هاينكيس، مدرب بايرن إذا ما أراد استعادة الهيمنة المحلية، من أن يصلح الآلية التي يجري من خلالها مقاربة حقيقة دورتموند، وفتح الباب أمام رياح التغيير لتعصف بعقلية اللاعبين والعمل على النواحي الدفاعية.

بداية النهاية:

نجح ريال مدريد في وضع حد لاحتكار غريمه برشلونة للقب الدوري الإسباني "ليغا"، بعدما حسمه الملكي لمصلحته للمرة الأولى منذ 2008، معلناً عن حقبة جديدة قد تشهد انحدار النادي الكتالوني خصوصاً بعد قرار مدربه خوسيب غوارديولا بالرحيل.

عاش ريال في المواسم الثلاثة الماضية فترة صعبة وعصيبة، بعدما اكتفى بالبقاء في ظل البارسا الذي فرض نفسه أفضل فريق في العالم بتتويجه بـ 13 لقباً من أصل 18 ممكنة منذ أن تسلم غوارديولا الإشراف عليه عام 2008.

لكن البلاوغرانا وعلى رغم محافظته على أسلوبه الهجومي المميز وطريقة لعبه المثيرة جداً، عاش هذا الموسم خيبتين كبيرتين، أولاهما تنازله عن لقبه بطلاً لدوري أبطال أوروبا، ثم فقدانه لقب الدوري المحلي لمصلحة ريال.

وتبقى الضربة الأصعب لبرشلونة القرار الذي اتخذه غوارديولا بالرحيل نهاية الموسم، الأمر الذي قد يؤثر سلباً على الفريق ويفتح الباب أمام ريال بقيادة مدربه البرتغالي جوزيه مورينيو ليفرض احتكاره المواسم المقبلة.

وتتمثل المشكلة بالنسبة لبرشلونة في عدم حاجته إلى إصلاح أو تغيير، وخصوصاً أن تشكيلته ثابتة ولا تزال قادرة على العطاء بقيادة الأرجنتيني ليونيل ميسي، حامل الكرة الذهبية في الأعوام الثلاثة الماضية (2009 و2010 و2011).

وبات الوضع يحتم على الفريق الكتالوني من الآن فصاعداً اعتماد سياسة تَسلُّح وفق قدرات "العملاق المدريدي" بعدما كان الأخير مكباً في السنوات الأخيرة على بناء ترسانته القادرة على تحطيم "سور" برشلونة.


Copyright © 2019 An-Nahar Newspaper All rights reserved.

مواضيع ممكن أن تعجبك