عمان – نزيه أبو نضال
في اليوم الثاني من فعاليات الورشة الفكرية حول تجربة فدوى طوقان الأدبية تحدت الشاعرة الفلسطينية الكبيرة لليوم الثاني وهن العمر وآلام السنين وقدمت مداخلة عن شعر النساء وعن تجربتها الذاتية، كما ألقت الجديد من شعرها.
وكانت في حفل افتتاح هذه الورشة قدمت صيغة مشابهة.
في جلسة الأمس الثلاثاء قدمت ثلاثة أبحاث حول تجربة فدوى طوقان: الدكتور على الشرع من الأردن والشاعر المتوكل طه من فلسطين والنقاد ماجد السامرائي من العراق.
وكانت قد قدمت في اليوم الاول ثلاث أورق بحث لصبحي الحديدي من سوريا، ود. احمد دروش من مصر ود. خليل الشيخ من الأردن.
د. علي الشرع:
في بحثه المعنون " فدوى طوقان ما بين قيد المرأة العربية وفضاء الشعر قدم الدكتور علي الشرع بحثاً مستفيضاً عن تجربة فدوى طوقان الإبداعية قال فيها:
" ان الحديث عن " فدوى طوقان ما بين قيد المرأة العربية وقضاء الشعر " يقتضي التأمل في تجربة شعرية عمرها خمسة عقود، وهي فترة طويلة بالنسبة للشاعرة وهي طويلة كذلك بالنسبة للشعر العربي المعاصر الذي شهد تغيرات جذرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين في المضامين الفكرية وطرائق التعبير، ولهذا فإنه يتوجب مراعاة مجموعة اعتبارات تقتضيها موضوعية البحث . فأولاً يتوجب مراعاة مجموعة اعتبارات تقتضيها موضوعية البحث. فأولاً، لعله من الصعب النظر إلى شعر فدوى دون الأخذ بالحسبان الإرث الثقيل الذي ورثته فدوى وكل امرأة عربية بخصوص موقع المرأة في الثقافة العربية، هذا من جهة، ودون الأخذ بالحسبان أيضا ، من جهة أخرى، هذا الموقع الخاص الذي وجدت فيه فدوى نفسها كامرأة وشاعرة فلسطينية، وثانياً، لعله من الظلم أن تدرس تجربة فدوى الشعرية دون النظر إلى علاقة هذه التجربة بطبيعة الشعر العربي المعاصر، ففدوى شاعرة بالدرجة الأولى، وما يصدر عنها من مواقف ورؤى يفسر بالنظر لأسس التفكير الشعري العامة، حتى في الموضوعات التي تخصها كأنثى أو امرأة. وثالثاً ، ليس من المعقول ان تجرس تجربة فدوى طوقان الشعرية دون النظر إلى معطيات المراحل الشعرية والفكرية التي مرت بها او دون النظر الى التنوع في مواقفها الفكرية وفق التطور الحاصل في تجربتها الشعرية والتطور الحاصل في مواقفها الفكرية أيضا " . ولاحظ الشرع ان فدوى طوقان تقدم في ديوانها الاول وحدي مع الأيام شواهد أولية على إحساسها بالقيود الاجتماعية التي تحول بينها وبين الانطلاق في الحياة والإبداع الشعري على السواء، كما تنقل هذه الشواهد الأولية بدايات الإصرار والتحدي من قبل الشاعرة.
ويقدم ديوانها الثاني، "وجدتها" شواهد أخرى على مدى تبرمها من القيود الاجتماعية التي تحول بينها وبين ممارسة تجربتها الوجدانية كأنثى وكشاعرة.
ولعل فدوى قد أدركت مبكراً أن الخلاص من هذه القيود الاجتماعية يتطلب تفهما من الرجل نفسه، وعونا منه أيضا ، ولهذا نراها تسوق هذه الأبيات إلى لسان الرجل الشاعر الذي أعطته صفة " هو " في قصيدة " هو وهي" :
"قرأتك يا ليل شعراً تفجر
ناراً مدومة زافرة
فأدركت أية روح جموح
وراء أناشيدك الهادرة
تحديت مجتمعاً زائفاً
يمثل أكذوبة ماكرة
فضيلته خدعة ضخمة
وتقواه شعوذة فاجرة"
وبعد أن يستعرض الدكتور الشرع تجربة فدوى طوقان على جانبي الشكل والمضمون يختم بالقول "ولعل فدوي قد وجدت في مراحلها الشعرية المتأخرة، ووجدت في قصائد ديوان تموز والشيء الآخر بخاصة، كل المهارات اللغوية والتخيلية التي مكنتها من التعبير بصدق وقوة عن إحساس الأنثى إزاء الذكورة، وتقدم قصيدتها "وجهك ملء السفر، من ديوان تموز والشيء الآخر ، نموذجاً متطوراً في التعبير عن مثل هذا الإحساس:
" صديقك "موزارت " يغدق كل عطاياه
يعتمر القلب في الحب، يشتعل البحر
يأخذنا البحر، المس وجهك ارنوا إليه
على خيط ضوء نحيل
أخاف تكون مجرد حلم جميل
أزيد التصاقاً، يداك تردان فوقي الغطاء
لا برد
حضورك دفء، حضورك وهج ووقد
هوانا روافده تلتقي
نغيب مع المد، نطفو ونغرق في اللازورد".
ماجد السامرائي
الناقد العراقي ماجد السامرائي قدم ورقة بعنوان
" قراءة في البدايات التأسيسية لشعر فدوى طوقان".
تحولت الذات الشاعرة
حاول من خلالها كما قال العودة الى " البداية – البدايات الشعرية للشاعرة، ولذلك فهي قراءة تستعيد برهات زمنية " وإبداعية تعود الى الماضي، اكثر من ارتباكها بالحاضر.. وهذا الماضي الذي نعنيه هنا تمثله / ويتمثل في دواوينها الثلاثة الاولى: " وحدي من الايام" (1955)، " وجدتها" (1957)، " اعطنا حباً" (1960) "
واضاف " اذا كانت هذه الدواوين الثلاثة تمثل حالة رومانسية بامتياز – وإن كان لكل منها خصائصها الفنية وبناه الموضوعية – فإنها في الديوان الأول تعكس روح اصطدامها بالواقع، وتتمثل وجوه غربتها فيه، واغترابها في حياته. اما في الديوانين الآخرين فتجدها تعمل على استغوار العلاقة بين ذاتها والوجود، على نحو يداخله الحمل من جانب ، والتخيل، من جانب آخر . وهي في رومانسيتها هذه اقرب ما تكون إلى " الرومانسية والمهجرين".
وأضاف " إلا ان رومانسيتها هذه ستتزحزح قليلاً : موقفاً شعرياً، وشكلاً وتعبيراً، في ديوانيها التاليين: " وجدتها " و "اعطنا حباً" .. الأمر الذي دفع الى القول بأنها " بدأت توفر الانطباع بالاقتراب من الحداثة الشعرية عبر تبنيها الخجول للبيع الحر .. " – وأن كان تحولها الى الشعر الحديث سيبدو اكثر وضوحاً في نتاجها المتأخر .. " أمام الباب المغلق – 1967، و " الليل والفرسان" (1969)".
وختتم ماجد السامرائي بحثه بمجموعة التساؤلات: هل أردت القول : إن الشاعرة فدوى طوقان كتبت، في دواوينها الثلاثة هذه قصيدة حياتها ؟ وان رؤيتها الشعرية فيها مبنية / وقائمة على تمثلات ذاتها للعالم، ومستمدة من تمثيلات هذه " الذات" ؟ وانها، في هذا الذي كتبت، لم تقرأ ذاتها في العالم، بقدر ما قرأت العالم في ذاتها، منتجة " معانيها الشخصية"؟
هل أردت القول : ان دواوينها الثالثة هذه تمثل ثلاث موجات : موجد تلد اخرى، وتشكل ، في تتابعها ، استمرار هو : استمرار الإدراك الشعري " للتجربة تلد اخرى، وتشكل، في تتابعها ، استمراراً هو : استمرار الأدراج الشعري "للتجربة في أبعادها الذاتية والإنسانية ؟ وان قصيدة "فدوى " ، في دواوينها هذه ، متداخلة في الرؤية ومتقاربة في الموقف ؟ وان الشاعرة ، في كل موجةٍ من هذه الموجات الثلاث، تستدير إلى " ذاتها"ن فلا تبتعد عنها ؟ .. وان لكل موجة رموزها الخاصة بها، ولغتها (معانيها) التي تنجز القصيدة بنية ومعنى، بكل ما لها من عناصر الاكتمال".
هل اردت القول : ان فدوى طوقان مثلما بدأت في ديوانها الأول، من : الوحدة ، والإحساس بالفراغ ، والشعور بالضياع.. كانت قد خلصت في ديوانها الثالث ، إلى شعور من نوع آخر هو : شعور الضياع في ما يمكن ان ندعوه " واحد العمر" .. وانها أضحت تحي بآمال معلقة ، وتعيش أحلاما موصولة بالانتظار – وكأن قدرها الشخصي هو موجهة جدار المستحيل وأنها في ما تنشد من الحياة وفي الحياة، كانت تنشد الحب المستحيل؟!.
المتوكل طه
تحت عنوان : " قراءة في رسائل ابراهيم طوقان الى شقيقته فدوى"
" من بيروت الى نابلس" قدم الشاعر والناقد الفلسطيني المتوكل طه ورقة بحث قال فيها "الشعر الكبير يصدر عن مأساة ما، لها ما يشبه الأحداث الاسطورية، او ان هذه الأحداث تتعمق وتتلون لتصبح أسطورية تدعم مأساتها، وهكذا يصبح الشعر كبيراً بالحدث الكبير، ويتحول الحدث إلى كبير بالشعر الكبير".
وتساءل :
"ما الذي يفعله الشاعر الكبير بنا؟!
ما الذي يضيفه إلى معارفنا؟!
ما الذي يهزه في وجداننا؟!
ما الذي يعمقه داخل انفعالاتنا؟!
ببساطة ، انه يجمع حكاياتنا الصغيرة ليؤلف منها الحكاية الكبيرة التي تجمعنا معاً وهو يكتشف فينا المشترك والعام والأصيل والحقيقي والجميل بكلمة اخرى، انه يكتشف الجماعة فينا، ويكتشف اجمل ما في تلك الجماعة من خصائص، وهو بحفره عميقاً في تجربته إنما يقوم عملياً بعملية حفر معرفية وجمالية ونفسية في أعماق أعماق جماعته إلى نفسها، ويضئ حاضرها بماضيها، ويزاوج بين أرواح أسلافها وأحفادها، ويؤلف بين تاريخها ومكانها، ويصوغ العلاقة الأبدية ما بين الجماعة ورؤاها واجتهاداتها الروحية والعقلية داخل شرطها الزماني والمكاني".
وبعد ان استعرض المتوكل طه تجربة فدوى طوقان الشعرية العميقة والمدبرة ختم بالقول " وان امرأة مشغولة بكل هذا ، لن تجد وقتاً للنميمة أو المشاعر الصغيرة التي تقتل فينا أحاسيسنا العظيمة، ولهذا لم اسمعها يوماً تغتاب أحدا أو تصرح بكراهيتها لاحد.. ولم لا .. فقد طلبت الحب منذ يومها الأولى، وفي اللحظة التي استطاعت أن تمنحه للآخرين لم تتوقف عن ذلك أبدا" - - (البوابة) .