أحمد أبو سبع صنايع

منشور 27 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2013 - 01:23
علي السوداني
علي السوداني

 

علي السوداني

متأخراً عرفتُ اسمه . رجلٌ من أهل مصر بدا قائماً عند نهاية الثلاثينات . هو أحمد لكنني أداعبه وأواسيه وأُسمّيه حمادة ، وحيث يصعد في روحي بخار السعد والمزاج الرائق ، أزيده دلعاً فوق دلعٍ ، حتى صرتُ مناديه بالمعلم حمادة . حمادة حطّ مثل طيرٍ غريبٍ فوق حارتنا منذ نحو أربع سنوات . في البدء لم يكن متخصصاً بعمل ما ، لكنه كان معاوناً حاضراً لملّاك الدكاكين الكثيرة التي تسوّر شارعنا الطويل . للشارع اسمٌ تأريخيّ مجيد ، لكنّ الناس مستأنسة بتسميته الشعبية ، شارع خطّ تسعة ، ناسبةً إياه إلى سطر طويل من سيارات السرفيس البيض التي تدوس اسفلته ذهاباً ، وتنزل صوب الشارع التحتانيّ في رحلة الإياب . لم تكن الليرات التي تنام بجيب أحمد أخير النهار كثيرة ، لذا انتقل بسرعة صوب حرفة جديدة ، لا تستدعي رأس مالٍ مهم ، بل لياقة بدنية جيدة ، وسطلة ماء وكمشة ممسحات ، وزجاجة شامبو من الصنف الرخيص ، وهمّة عالية تجعله يغسل أكبر عدد متاح من سيارات الساكنين على جانبي الشارع . واصل حمادة كدّهُ وكدحهُ الحلال ، حتى جاءه حظّه الطيب ، بمالك بناية جديدة انزرعتْ بخاصرة الحارة ، وعرض عليه وظيفة حارس ، فوافق الولد فوراً . سكنَ حمادة غرفة نظيفة أسفل العمارة ، بمواجهة مصفّ السيارات ، وصارت علامات العافية تنرسم فوق وجهه الباسم . كان الولد في سباق خفيّ مع الأيام ، ولم تأخذه الحراسة من الفعاليات المدرّة التي كان يمارسها على طول الشارع ، فهو حارس الليل ، وغاسل السيارات ، وجالب مسواق العائلات ، وأعمال صغيرة أخرى تقع في باب المصادفة ، من مثل صبغ غرفة مرطوبة ، أو تشذيب حديقة صغيرة ، وقد رأيته مرة مساهماً قوياً ، وباكياً متحمّساً ، ليلةَ رفع تابوت الحاجة أم فهمي من الأرض ، ودحسهِ ببطن سيارة الموتى . منذ عام يكاد يبيد ، طفر حمادة الفرعونيّ طفرة تأريخية مدهشة ، وقام باستئجار دكان صغير مساحته بقدْر زنزانة رجلٍ خطير ، ورصع جبهة الدكان بجملة قهوة ودخان . كنتُ سعيداً جداً بمنظر أحمد الراسخ بباب دكان القهوة ، وحيث أخرج بعض رأسي من باب الدار ، يقوم حمادة بصنع تلويحة رحيمة ، فأطير صوبه طائعاً مرتاحاً ، وعند عتبة الدكان يكون الفتى قد حطّ دلّة القهوة ، فوق شعلة نارٍ زرقاء صافية ، وزاد عامداً متعمداً ، صوت المسجل الصادح أبداً ، بواحدة من نعمات أُم كلثوم البديعة على الناس . كانت بعبّ أحمد رغبة قوية لتنويمي في دفتر الزبون المؤبّد ، وكانت بي نفس الرغبة لأتجارر معه حديث مصر البهية ، أُم طرحة وجلّابية ، والغيط والترعة والعمدة والشيشة وعبد الحليم وشادية ووالله يا زمن وعلى بلد المحبوب ودّيني ، زاد وجدي والبعد كاويني . حدثته كثيراً عن بغداد وسنوات سعد المصريين في أكنافها وأطيانها ، ومحلة المربعة بشارع الرشيد ، التي صارت حارة مصرية صرف ، بصياح المعلم والمعلمة ، وطقطقة صحون الفول والحمص والطعمية والجرجير ، الذي مازال حمادة مؤمناً ومعتقداً بحتمية زرعه تحت السرير . صرتُ مدمناً عليه ودكانه الزنزانة وقهوته الطيبة ، وطريقته المفرحة في نفخ دخان سيكارته ، ليصنع في ما تيسر من فراغ الدكان ، دائرة مغلقة ، أو أفعى تتفعّى . ألبارحة فقط ، علمت من حمادة أنه في طور لملمة دنانير السنوات ، والعودة إلى مصر . حاولتُ ثنيه بما أوتيت من حيل القصِّ واللغة ففشلت . قال أنّ له حبيبة تنطر ، وأمّاً تكاد تهجر الدنيا ، وأخوة وأخوات نصف خبزهم برقبته . سألته عن الكائن الذي سيحلّ محلهُ ، ولو في دكان القهوة ، فابتسم مثل طبيب يواسي مريضه اليائس ، وقال إن ابن عمّي سيّد هو من سيعرّش من بعدي على كرسي القهوة . تبادلتُ معه رقم هاتفي والعنوان ووعد زيارته بمصر الحبيبة . على عتبة باب الدار ، كان بوسعي أن انصت إلى صوت السيدة ، وهي تسيّل من حنجرتها التحفة :

يامسافر على بحر النيلْ

أنا ليَّ فى مصر خليلْ

من حبُّه مابنام الليلْ

على بلد المحبوب ودّيني ...

alialsoudani2011@gmail.com

عمّان حتى الآن


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك