قال الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم أنه ليس من هواة المعارك، ولكن الواقع الذي نعيشه يجبرعلى خوضها، ما دامت للمبدع أحلامه في مستقبل يعيش مثل كل البشر، وأضاف في حوار أجرته معه صحيفة "الاتحاد" الإماراتية:" لو كنت أملك القدرة على خوض معارك أضمن إيجابية نتائجها، لأشعلت ألف معركة ضد الفساد الذي شمل كل شيء في حياتنا، بداية من تقاليدنا وحتى فنوننا وإبداعنا وضد القبح الذي يحاصر كل المعاني الجميلة ويريد الفتك بها".
وأشار إلى أننا أصبحنا مشغولين بالقتال دفاعا عن لقمة العيش بعد أن تهاوت الشعارات الكبيرة، ولم يعد بمقدور شاعر أو كاتب ان يشعل ثورة أو يغير واقعا يرفضه، بعد ان نجحت السياسات بالفصل بين المثقف الحقيقي والناس، وبعد ان أصبحت الأحزاب والقوى السياسية، مجرد ديكور لتجميل وجه الحكومات.
وحول معركته مع الصحفي المصري عادل حمودة بسبب احتفاله بعيد ميلاده بحضور بعض رجال الأعمال الأثرياء قال:" ماذا تفعل مع شخص يتهجم عليك؟ ويشكك في تاريخك ووطنك وانتمائك لشعبك، لمجرد ان أحد رجال الأعمال شارك في حفل أقامه عدد من الشباب للاحتفال ببلوغي سن السبعين؟".
واشار إلى ان ذلك أثار اندهاش الكثيرين، وحاول البعض تحميل الأمر اكثر مما يحتمل بشعارات وكلمات كبيرة عن الفروق الطبقية وغيرها، وأضاف :"المسألة أبسط من ذلك، وتدخل في نطاق الصدفة البحتة". وأكد أن حاجة الإبداع والفنانين إلى رجال أعمال شرفاء تزايدت" بعد ما أصبحنا لا نملك شيئا".
وأضاف أن الفارق بين هؤلاء ورجال أعمال حقبة السادات، هو الفارق بين من يبني ويستثمر أمواله في وطنه، ويقيم مصانع ومشروعات توفر فرص عمل للشباب، وبين من يستثمر أمواله في الخارج، ويحمل جنسية أجنبية أو يسعى للحصول عليها.
وعن منزله الصغير النائي عن قلب القاهرة قال: "إنني أعيش هناك بين أكثر الناس صدقا وعفوية، ومن الغباء أن أترك هذا الجو الذي أعشقه حتى لو تيسرت المادة".
وأكد أنه لم يبخل لحظة واحدة عن تقديم كل ما يملك للناس والوطن، مما يجعله يشعر بالرضا، لأن مواقفه دائما ثابتة ولا تتبدل، بدليل أنه يعيش الحياة بنفس بساطته، ودون تعقيد، ولا تشغله المظاهر أو الاتيكيت، وأضاف:"أنا لا أخشى أن أرفض ما أريد رفضه، لأنني اخترت من البداية أن أدفع الثمن، فأمثالي لا يشعرون بالندم، ولا يوجد فارق كبير بين الحياة داخل الزنزانة والحياة خارجها، طالما انك لا تستطيع ان تصل بصوتك للناس"، وأشار إلى أنه في أحيان كثيرة تكون الزنزانة افضل وأكثر أمنا بالنسبة له، لأنها تقيه شر النوم في العراء والجوع ولعنة الأحكام البوليسية " وما الفرق بين الحياة داخل القفص وخارجه إذا لم تستطع البلابل الغناء".
ويرى نجم أن رحيل الشيخ إمام تزامن مع انتهاء مرحلة الشعر التحريضي والغناء التحريضي، الذي كنا نحتاجه في المرحلة الماضية ولم يعد يصلح الآن، بعدما أصبحت الأغنية غير قادرة على القيام بدورها رغم أننا لا نحتاج إلى تحريض بقدر ما نحتاج للحركة.
وأضاف بأن وحدة المقصد خلقت بينه وبين إمام حالة نادرة من التوحد، وأكد نجم أنه ما زال قادرا على الكتابة ليس رغبة فيها بل لأنه لا يملك ما يمكن أن يفعله سواها.
وأكد نجم أن الشعر مطلوب، ولكن الواقع العربي بظروفه الحالية يحتاج الى الفعل اكثر، وأننا نحتاج الآن إلى الشعر المقاتل الذي لا وجود له بعد رحيل الشيخ إمام.
ولا يعتبر نجم ظاهرة الثنائي" إمام ونجم" صعبة الحدوث مرة أخرى،" فكما جاء هذا الثنائي واستطاع الوصول للناس، من الممكن ان يأتي آخرون أفضل منه من الناحية الفنية"، وأكد أن الأمل ما زال قائما طالما أن النساء يلدن والأطفال والشباب "يجدون في الغناء، مجرد الغناء، وسيلة لمواجهة المشكلات والأعداء معا"، وأضاف بأن المشكلة هي في اللغة التي اختلفت، وفي القضايا الكبرى التي تم تفتيتها الى قضايا أخرى.
وعزا نجم عدم ظهور شاعر تحريضي أو مطرب تحريضي من بين آلاف الشعراء والمطربين الشباب إلى الواقع الأخرس، الذي أخرس المواهب الشابة وشغلها بالبحث عن القوت والمسكن، وإلى أجهزة الإعلام الرسمية التي أكملت الجريمة، وصارت تفرض أذواقها الهابطة و تسد الطريق أمام المواهب الحقيقية حتى قبل ظهورها، "وكأن هناك سياسة غير معلنة تقول بأنه ممنوع تقديم المواهب قبل ان يتم ضمان تبعيتها للأنظمة الحاكمة".
وقال نجم أنه لا ينتمي إلى كبار المثقفين لأن هذه الشريحة التي تعاني من فقدان القدرة على التأثير في الشارع العربي، تتحدث بلغة مختلفة وتعيش في مكان بعيد عن الناس وتكتفي بجلسات خاصة تتبادل فيها آراء عنترية،وأضاف بأن القدرة على التغيير تحتاج إلى تعايش صادق، ومعرفة حقيقية بطبيعة دور المثقف وعلاقته بالناس وحرية أكبر لحركته دون قيود أو تهديد.
وذكر نجم أنه في فترة الستينات كانت بداخل الجميع أحلام كثيرة ذات طابع قومي، لكنها تلاشت، وأصبحت مجرد كوابيس مفزعة، تزداد بشاعتها مع تزايد النفوذ الأميركي،واشار إلى أن الحلم المكسور في الستينات هو الذي حرك المواهب وفجر الطاقات، بينما الكوابيس لا تصنع سوى المزيد من العجز.
ويرى نجم أن لكل عصر رموزه وفنونه، ويبقى الصدق هو سر بقاء اي إبداع طالما توافرت الأجواء الصحيحة.
ويعترف نجم أنه في لحظات ما، كان يصاب بالإحباط، ولكي يتغلب على هذا الشعور، كان يقذف بنفسه وسط الناس ليعود فيكتب، ويقول "يكفيني موهبة الشعر التي لم تمنح لكثيرين غيري"- -(البوابة)