أطفال الانتفاضة: يتطلعون للقتال ويلعبون بالرصاص

تاريخ النشر: 19 أكتوبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

كسر الطفل "براء" الذب يبلغ عمره 4 سنوات حاجز النمط التقليدي الذي اعتاد مخاطبته به كل صباح عن طلبه الذي يتمثل بالملابس أو "الجاتوه" ليكون طلبه هذه المرة "بندقية" يقاتل بها اليهود. 

ويعتبر الطفل "براء" مثالا لآلاف من أطفال فلسطين الذين يشاركونه هذه المشاعر الغاضبة التي ترجمت وتحولت من الجانب التقليدي إلى التطبيقي على أرض الميدان مشاركة في المواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية بالحجارة والإطارات المشتعلة والتي أدت في النهاية إلى ان تكون نسبة الأطفال الشهداء قرابة 38% من مجموع الشهداء. 

ونسبت وكالة الأنباء الكويتية "كونا" إلى الباحث في التضامن الدولي لحقوق الإنسان أحمد أبو شلال قوله أن تلك المظاهر تعبير واضح عن الغضب المختزن في نفوس الأطفال الذين عاشوا مؤخرا أياما عصيبة تحت ‏وابل الرصاص والقصف والصاروخي الإسرائيلي. 

ويضيف أبو شلال أن نسبة الإصابات والمشاركة ‏ ‏للأطفال ومن هم دون سن العشرين عاما بمثابة مؤشر حقيقي على تلك المشاعر التي كانت تربتها خصبة ابان الانتفاضة المباركة التي اندلعت أواخر 1987 ولم يشاركوا فيها. 

وبات هؤلاء الأطفال يشعرون بالنشوة وهم يربطون عصابات حمراء أو خضراء على ‏ ‏رؤوسهم وسواعدهم في الوقت الذي يمجد فيه خطباء المساجد ومحطات التلفزة الفضائية ‏والبيانات بطولاتهم مستحقين بذلك لقب "أطفال الحجارة" فيما يقول بعضهم انهم "أبطال الحجارة".  

ويعرب مراقبون للشأن الفلسطيني عن قناعتهم بأن انتفاضة الأقصى خلال 20 يوما مضت حطمت 7 أعوام من ثقافة السلام التي كان الدفع باتجاه غرسها في الناشئة قويا. 

وتوجه الأطفال لصناعة ثقافة معينة وجديدة لدى الشارع وتحول الطفل الذي وضع غصن ‏الزيتون على دوريات قوات الاحتلال الإسرائيلي مع انطلاقة عملية السلام إلى حمل ‏ ‏الحجارة وقناني المولوتوف مجددا بعد تحطم ثقافة السلام من خلال الرصاص القاتل والمشاهد الحية التي يعايشونها يوميا. 

وتتنامى مشاعر الغضب لدى الأطفال مع تشييع جثامين أو إصابة زملاء لهم برصاص الاحتلال وتتعاظم وتصل إلى ذروتها مع مشاهدة البرامج التلفزيونية المحلية والفضائية التي تعرض لقطات مصورة ومثيرة. 

ويبدو ان برامج الأطفال في الفضائيات كان لها الأثر أيضا في اتخاذ الأطفال منحى جديدا لممارساتهم اليومية فقد توقفت هذه البرامج خلال الانتفاضة واستبدلت ‏ ‏بنمط جديد اشتمل على تعقيبات من الأطفال العرب وأبيات شعرية تمجد الانتفاضة والطفولة الفلسطينية الجريئة فيما يشعر بالمقابل الطفل الفلسطيني بالحسرة من ‏ ‏مشاهدة أطفال العالم يلعبون بحرية دون خوف ويتابعون برامج الأطفال والمرح وهم ‏ ‏يتعرضون للقصف والرصاص. 

ونقلت "كونا" عن الفلسطيني محمد عبد الله من مخيم بلاطة الملاصق لنابلس إلى أن ‏ ‏طفله البالغ 23 شهرا بات يبادر لحمل العلم الفلسطيني ويتوجه نحو الباب ويقول للعائلة "طخ طخ يهود" وهي معان تعبر عن النضج غير العادي والتقليد السريع للأطفال الفلسطينيين. 

وقد تغيرت لعب الأطفال في هذه الأيام وتحولوا لجمع الرصاص الفارغ ‏وطلقات الصواريخ والرشاشات وعمدوا لصناعة البنادق والمسدسات من قطع خشبية ‏ ‏وبلاستيكية وممارسة اللعبة الشعبية في التراث الفلسطيني "يهود وعرب". 

ويؤكد مواطنون من منطقة نابلس ان أطفالهم برعوا في رسومات معبرة عن الأقصى والفدائي الفلسطيني والجندي اليهودي الذي يعتبر خطرا على حياته ويختم رسمه ‏بقطرات من الدم تعبيرا عن الشهادة. 

ويقول أصحاب محال لألعاب الأطفال وبسطات لبيع الخردة ان الطلب على شراء ‏البنادق والجنود والدبابات البلاستيكية العاب الحيوانات "والليغو البلاستيكية" ارتفع بصورة ملفتة في الآونة الأخيرة. 

ويقول المحاضر الجامعي بنابلس غسان ذوقان ان مشاهدة الأطفال للفضائيات والتركيز على بطولتهم والمظاهرات دفعتهم باتجاه التطبيق والممارسة الفعلية في ‏ ‏ساحات المواجهة الميدانية. 

ويستدل من نتائج دراسة أكاديمية أجراها ذوقان تحت عنوان "اثر الانتفاضة على ‏ألعاب الأطفال" ان نحو 90% من الأطفال وطلبة المدارس يقلدون شخصية ‏ ‏المحارب والجندي الفدائي في وجه المحتل لدى الذكور وتوازيها النسبة ذاتها لدى قطاع الإناث. 

وتدعم مشاعر الطفولة قضايا تربوية من الإرث الثقافي الفلسطيني الطويل على مدار ‏ ‏52 عاما من الاحتلال وممارساته إضافة إلى المشاهد الحقيقية من الاعتداءات ‏ ‏اليهودية ونهب الأرض وأشكال المستوطنين المرعبة والحواجز العسكرية وهدير الطائرات ‏ ‏وقصف الصواريخ على الأرض اصدق دليل لتشكل في المحصلة "طفولة فلسطينية" تزرع ثقافة ‏ ‏الانتفاضة—(البوابة)