أنا في اسطنبول..
عديت البوسفور وقت الضهرية وكانت حاملة طائرات امريكية تمخر عبابه "حلوة تمخر عبابه دي".. كنت مسترخيا اتطلع الى المية تحتي واحلم بالحلوين والناعمين والطعمين، الوجوه الوضاحة والشفاه العطشى والبشرات اللي زي الزبدة، عندما صفعني مرأى الحاملة دي.
شوفوا.. الامريكان لاحقني حتى هنا.. مش مكفي العراق والبحر الاحمر والخليج العربي وافغانستان. يا خوفي بكرة اصحى الاقيهم في بيتنا........! ولقيت حالي اصرخ واقول: فينك يا ناظم حكمت.. فينك يا شيخ امام..!
..اسطنبول من اكثر المدن اللي بحبها.. احب ناسها شوارعها، مآذنها قصورها وشواطئها.. ياه.. ده انا فعلا مشتاق لاسطبنول خصوصا بعد ان غبت سنوات عنها.
وانا اعرف اسطنبول جيدا.. و لي فيها اصدقاء ومغامرات وحكايات.. حتى يمكن القول: انني اسطنبولي في اسطنبول..!
نزلت من الباص في "لاللي" .. ولاللي دي حتة هادية في قلب اسطبنول، ورحت حجزت في فندق اسمه "كنت"، وهو فندق مش شعبي ابدا زي ما قد يتهيأ لكم.. بالعكس هو فندق راق بس طبعا مش بمستوى الهيلتون.. وانا بحب الفندق ده لانه يقع في قلب اسطنبول التاريخية والشعبية، فمقابله يقع جامع البايزيد، والمدرسة العسكرية من ايام السلاطين العثمانيين. وعلى امتداد شارعه يقع جامع السلطان احمد وكنيسة ايا صوفيا. وغير بعيد عنه تقع قهوة مرمرة موطن المعلم "دقه".. وهو اسكندراني باستحقاق، والعم ابو صياح وهو سوري باستحقاق ايضا.
تركت حقيبتي في الفندق، بعد ان ارتديت بنطال كاوبوي وتي شيرت وحذاء خفيف، ونزلت الشارع قاصدا فندقا قريبا تقيم فيه صديقة لي رومانية اسمها ماريا.. وصاحبتها صوفيا.
سرت على طول الطريق باتجاه السلطان احمد ولما حاذيت قهوة مرمرة لبست نظاراتي السوداء، وادرت وجهي لكي لا يراني احد اعرفه فيها.. فلم اكن جاهزا لمقابلة احد.
فجاة استرعى انتباهي شرطيان اتراك.. اوقفاني وسالاني عن اوراقي، فقلت لهما بتركية مكسرة ان جوازي في الفندق..
فلم يصدقاني.. ووضعا الكلبشات في يدي، وقاداني الى سيارة الشرطة القريبة فقلت في نفسي: دا انت رحت سرديحي يا ابو سرداح.
فجاة سمعت صوتا يصرخ: ابو سررررداح..
ايه ده.. مين ده؟ قلت لحالي..!
ولم انتبه الا والعم ابو صياح ينزل درج القهوة مهرولا بملابسه الوطنية وشرواله، وكرشه الذي يندلق الى امام.. يتقدم مني ويحضنني قائلا: شو عم تتهرب مني، والله اشتقنا لك يا رجال..
وضحك معه رجلا الشرطة وفكا الكلبشات من يدي وهما "فارطان من الضحك"..
قلت: وده مقلب تعمله فيا يا ابو صياح.. تعتقلني!
قال ضاحكا مربتا على كتفي: معلش تعيش وتاكل غيرها. ما هو انت السبب
قلت: انا..
قال: اه.. حضرتك مستهبل ولابس نظاراتك وبتبص لبعيد وبتتهرب منا.
قلت: ازاي.. ودي تيجي، انا بس كنت ببص هناك..(واشرت بيدي الى الجهة المقابلة).
قال ابو صياح باشاً: عليّ يا ابو سرداح.. اصلا ما في لا حلوين ولا غيرهم هناك يا بصاص!
قلت: ايه يا عمنا.. هو انا ما ببصش الا على حلوين.. فيه حاجات كثيرة تنشاف في اسطنبول.
قال مقتربا مني حتى حك شاربه الكث بوجهي هامشا: زي مين؟
قلت: انت حتاخذني بدوكة.. مش حتعزمني على حاجة..!
قال: مرحبابك ابو الشباب.. يلا
وقادني بيده للصعود الى المقهى، حيث جلسنا على الشرفة.. واقبل الاصحاب والاصدقاء والشرطيان يسلمون علي ويستفسرون عن اخباري ويعزمون بكرمهم العربي والتركي الاصيلين بان اتغدى او تعشى معهم وانا اقول لحالي: راحت عليك يا ابو سرداح.. وراحت ماريا وصوفيا وبخارست وكييف وموسكو حتى القطب الشمالي.
وعلمت منهم انهم عرفوا بوصولي عن طريق موظف الرسبشن في الفندق "حجي".. فاعدوا هذا المقلب لي.