عمان – البوابة
برزت ظاهرة بدأت تثير القلق في الساحة الفلسطينية حيث يندفع فتية من تلقاء انفسهم لتنفيذ هجمات ضد الاحتلال الإسرائيلي، أسوة بالمقاومين، في حين تعالت اصوات تنادي بنشر التوعية بين الجيل الصاعد من الأطفال للحد من هذا الخطر الذي يواجههم.
بعد انتهاء يوم دراسي، قال ثلاثة صبية لا تتجاوز اعمارهم 14 عاما، لاهلهم الذين لم يشكّوا في صدقهم، انهم ذاهبون لرؤية بعض الاصدقاء. وبعد ساعات كانت جثثهم التي مزقها الرصاص ملقاة بين القمامة خارج احدى المستوطنات اليهودية في قطاع غزة بعد ان اطلقت القوات الاسرائيلية النار عليهم. واعلن الجيش الاسرائيلي ان الصبية الذين تعرّف إليهم احد الاقارب وقال انهم يوسف زقوت وانور حمدون واسماعيل ابو نادي، كانوا يحملون قنابل انبوبية محلية الصنع وعددا من الفؤوس والسكاكين.
وعلى الرغم من البطولة في خطوة الفتية الثلاثة، الا ان بعض ممثلي المجتمع الفلسطيني بدأوا في الاعراب عن قلقهم من ان يحذو فتية آخرون حذوهم، حتى ان حركة حماس وصفت ما قام به التلاميذ الثلاثة بانه "كارثة قومية".
وجاء استشهاد الصبية الثلاثة قرب مستوطنة نتساريم مشابها لما حدث لصبي آخر في الرابعة عشرة من العمر اسمه هيثم ابوشقة قتلته القوات الاسرائيلية عندما حاول تنفيذ هجوم فردي بقنابل انبوبية وخنجر قبل ايام.
والاربعاء، سار آلاف الفلسطينيين خلال جنازة الصبية الثلاثة الى مقابر في حي الشيخ رضوان في غزة حيث امضى هؤلاء الصبية حياتهم القصيرة. وترك الصبية الثلاثة خطابات لاسرهم شرحوا فيها ما خططوا للقيام به وطلبوا الصفح. وطلب زقوت من امه ان تكون سعيدة وتدعو الله بنجاح العملية التي ينوي القيام بها، واضاف انه وهب روحه في سبيل الله والوطن.
وقال ابو نادي في رسالته الى امه انه ذاهب لتنفيذ عملية "استشهادية" ضد احدى المستوطنات. ولم تتمكن والدة زقوت من كتم دموعها فانفجرت باكية. لكنها قالت انها تتفهم دوافع ابنها لان الاطفال يتعذبون نتيجة ما يشاهدونه على شاشات التلفزيون كل يوم وان اسرائيل لم تترك للفلسطينيين بمن فيهم الاطفال اي خيار سوى الموت.
ولم توضح الخطابات التي تركها الصبية اي علاقة لهم بأي جهة فلسطينية. ويقول الاخصائي النفسي فيصل ابو هين ان الكثير من الاطفال يتعذبون عند سماع ورؤية آخرين مثلهم يُقتلون على أيدي الاسرائيليين. وقال ابو هين ان اليأس والاحساس بالعجز وتزايد الشعور الوطني، هي التي تدفع الاطفال لارتكاب مثل هذا النوع من الاعمال. واضاف انه لا يجب "عسكرة" المجتمع كله بل يجب ان يواصل التلاميذ دراستهم ويتركوا القتال للمقاتلين.
وفي بيان حمّل "المذابح الاسرائيلية" مسؤولية اندفاع الاطفال الى الموت، طالبت حركة حماس الفتيان بالامتناع عن اي عمل من هذا القبيل حتى لا يتسبب ذلك في مقتل الكثير منهم عند اسوار المستوطنات اليهودية. واضاف البيان ان "اشبالنا الابطال بمحاولاتهم هذه شكلوا ظاهرة خطيرة قد تودي بحياة العديد منهم على جدار المستوطنات مما يشكل كارثة وطنية في هذا الوقت الذي نتجاوز فيه منعطفا خطيرا في مسيرتنا الجهادية. فدماء اشبالنا يجب ان تصان ليوم قادم يشتد فيه عودهم، ودورهم في الجهاد لم يحن بعد". وناشدت حماس "خطباء المساجد والمربين في المدراس واشبالنا البواسل وكل المخلصين والشرفاء ان يتعاونوا لوضع حد لهذه الظاهرة وعلاجها علاجا سليما".
وقال مصدر امني فلسطيني ان الشرطة اعترضت فتيانا كانوا يتوجهون الى مستوطنات يهودية في غزة لتنفيذ هجمات.
وقال احد الصبية واسمه ابراهم جروش (11 عاما) الذي كان ينتظر مع آخرين وصول جثث الصبية الثلاثة في مستشفى في غزة، انه يريد ان يفعل كما فعل هؤلاء الثلاثة. وقال الصبي انه يريد الانتقام للاطفال "الذين قتلهم شارون".
وتظاهر مئات من طلاب المدارس الاعدادية في مدينة غزة مطالبين كتائب القسام و كتائب شهداء الاقصى وسرايا القدس بالانتقام لمقتل زملائهم مرددين هتفات "الانتقام الانتقام".
الشيخ ياسين
وفي هذا السياق، كان الشيح احمد ياسين مؤسس حركة حماس دعا لترشيد القيام بالعمليات الاستشهادية كـ"سلاح لردع العدو في المكان والزمان المناسبين، بشكل لا يضر بالقضية الفلسطينية ولا يثير الرأي العام العالمي، العديد من علامات الاستفهام حول تطور في فكر الفصائل الفلسطينية المسلحة يتمثل في وقف العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل نظرا لما سببته من أذى بسمعة الفلسطينيين لدى الرأي العام العالمي الذي لا يبدي تفهماً لمثل هذه العمليات".
وأوضح ياسين في ندوة عقدت الثلاثاء ان حماس لن ترسل انتحاريين داخل اسرائيل لقتل المدنيين لكنها ستنفذ هجمات انتحارية ضد المستوطنات والأهداف العسكرية مؤكداً على مواصلة المقاومة التي تستهدف الإسرائيليين والمستوطنات.
الزهار: يوضح
حول هذه الدعوة، حدد محمود الزهار، احد قادة الحركة في فلسطين ، الأسباب التي دعت الشيخ ياسين لاتخاذ هذا الموقف بالقول: هناك ظاهرة تستفحل، هي الإقبال الشديدة على الشهادة من قبل الأحداث، هؤلاء الناس لا يرتب لهم أحد ولا يمدهم أحد بشيء، يخرج احدهم بحقيبة المدرسة ويذهب لشراء مواد متفجرة أو تركيبها أو الحصول على قنبلة ويذهب إلى المستوطنة.. وقبل أن يصل يتم إطلاق النار عليه فيذهب دون أي جدوى على الإطلاق. هذا هو الهدف من ترشيد العمل، لأن العمل العسكري يجب في الظروف الحالية الأعداء له وترتيبه ورصد الأهداف وتدريب المقاتلين وما إلى ذلك، أما هؤلاء الأطفال الذين يذهبون بحب الشهادة ونية الاستشهاد، دون أن يكون خلفهم أحد فهم المقصودون بهذا الموضوع، وحدث أن اجتمعت الفصائل الفاعلة في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، لبحث هذا الموضوع، وعلى وشك أن يصدر قرار للعمل على تطويق هذه الظاهرة التي ذهب ضحيتها الأسبوع الفائت أكثر من 20 صبيا.
وحول تركيز الشيخ ياسين على استخدام هذه العمليات بشكل لا يضر بالقضية الفلسطينية ولا يثير الرأي العام الدولي، ومهاجمة المستوطنات وتجمعات الجيش الإسرائيلي وليس المدنيين؟ قال الزهار لـ"البوابة": هذه جزئية أخرى من الجزيئات التي يتم تداولها الآن، ونحن طوال عمرنا نميز بين مدني يحمل سلاح مثل المستوطن، ومدني يمكن أن يكون جزءا من جيش الاحتياط وبين نموذج آخر موجود في العالم كله.
المجتمع الإسرائيلي بمجمله مجتمع عسكري، وثلثا الجيش الإسرائيلي هم من جنود الاحتياط، ويختلف هذا الموضوع من مكان لمكان، ففي كل دول العالم تجد الأغلبية من المدنيين وقلة هم من العسكر. المجتمع الإسرائيلي بمعظمه من العسكر.
وتابع قائلاً:لكن الدعوة واضحة، الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين يستدعي الرد بالمثل، وبالتالي متى نستخدم هذه الوسيلة ومتى لا نستخدمها هذه القضية هي المقصودة بترشيد العمل العسكري نحن في فترة من الفترات، وتحديداً في شهر كانون الثاني/يناير، أوقفنا العمليات الاستشهادية لمدة 3 أسابيع، والذي حدث أن إسرائيل قتلت أكثر من 20 مدنيا وأسرت 300 وجرحت 500.
هذه الآلية الموجودة لدينا واستخدمت في الماضي والأمر مرتبط بالموقف الأخر، فإذا استمر يقتل المدنيين فليتوقع أن يكون المقابل بالمثل.
أما قضية مهاجمة المستوطنات والجيش فهذه قضية لا يختلف عليها أحد..أنها مسلمات.
بعض الفصائل الفلسطينية رفضت الدعوة لترشيد العمليات وأكدت على أمن كل أشكال النضال مفتوحة ضد إسرائيل؟
ولفت الزهار إلى ان ترشيد العمل العسكري بهذا الفهم يحظى بتأييد الفصائل التي تعمل في الساحة وأردف قائلاً: أولا نحن قلنا أن ترشيد العمل العسكري هو أن لا يقوم الأحداث بهذه العمل وهذه قضية وافقت عليها كل الفصائل التي تعمل بالساحة.
ثانياً قلنا أن المعاملة بالمثل أساس وأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري وفي حالات المقاومة كل شيء مشروع، ومارسنا ذلك، وما زلنا نمارسه، لكن أضيف أيضاً موضوعا أخر إلى ترشيد العمل العسكري: نحن ضد استخدام الفتيات في العمليات الاستشهادية حتى هذه اللحظة، ولا يعني أيداً أن ترشيد العمل العسكري أننا أوقفنا برنامج المقاومة وسنستقبل الاحتلال بالورود.
نص بيان حماس
إلى أشبال فلسطين دماؤكم غالية فلا تذهب هدرا
إن المجازر البشعة التي يرتكبها المفسدون في الأرض كان لها عظيم الأثر على أشبال فلسطين، فقد دفعتهم هذه المجازر إلى التضحية بحياتهم في محاولات للانتقام، ولكن أشبالنا الأبطال بمحاولاتهم هذه شكلوا ظاهرة خطيرة قد تودي بحياة العديد منهم على جدر المستوطنات، مما يشكل كارثة وطنية في هذا الوقت الذي نتجاوز فيه منعطفا خطيرا في مسيرتنا الجهادية، فدماء أشبالنا يجب أن تصان ليوم قادم يشتد فيه عودهم، فهم رجال وعدة المستقبل، ودورهم في الجهاد لم يحن بعد.
ولذا فإن حركة المقاومة الإسلامية حماس وهي تفخر بأشبال فلسطين وتعتز:
1. تناشد خطباء المساجد أن يتطرقوا لهذا الأمر في خطبهم ودروسهم بهدف وضع حد لهذه الظاهرة، ومعالجتها بحكمة بالغة.
2. وتناشد المربين الأفاضل في المدارس أن يعطوا قسطا من وقتهم لعلاج هذه الظاهرة دون المساس بروح أشبالنا الجهادية.
3. ثم تناشد أشبالنا البواسل أن يتقيدوا بآداب الإسلام، ومنها السمع والطاعة، فلا يجوز لهم أن يذهبوا إلى المستوطنات حتى يبلغوا السن الذي يؤهلهم لذلك، وعليهم أن ينتظروا بعد ذلك حتى تتاح لهم الفرصة للتدريب والتأهيل للقيام بدور جهادي تتحقق فيه رغبتهم في النيل من العدو، وعليهم أن يدركوا أن الإعداد واجب لقول الله عز وجل ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )، ومن القوة أن ينتظروا سن الجندية، ومن القوة أن تعد لهم بعد ذلك الخطط التي تؤدي إلى نجاح العمليات الجهادية، وعليهم أن يدركوا أن دماءهم غالية ولا يجوز أبدا أن يفرطوا فيها في عمل غير محسوب.
هذا ونتمنى على كل المخلصين والشرفاء أن يتعاونوا لوضع حد لهذه الظاهرة وعلاجها علاجا سليما.