جلست أم محمد مع صديقتيها في (الريستوران) المشهور، يُقلّبن قائمة (المينو) ثم أشارت للنادل بطرف أصبعها، فهرع إلى طاولتهن، ورحّب بهنّ بأدبٍ جم ..
أم محمد لصديقاتها: (شو بتحبوا تطلبوا اليوم يا صبايا؟)
الأولى: (أنا راح آخد إسباجيتي بولينيز مع سبرينج رولز)
الثانية: (أنا عايزة سلطة سيزر بس عشان الريجيم)
أم محمد: (هاتلي واحد ناتشوز بصوص التشيكن)
ثم بدأن الصديقات يكشفن عن آخر مشاريعهن في عالم البذخ، وتتصنع كل واحدة منهن لتبدو أكثر برجوازية من صديقاتها، تحدثت إحداهن عن خاتم الألماس الذي أهداه إليها زوجها في ذكرى ميلادها، والأخرى ضاقت ذرعاً من طقم السفرة ففاجأها زوجها بطقم جديد في ذكرى زواجهما، أما أم محمد فأخذت تروي تفاصيل رحلتها مع زوجها لمصر، والمولات التي زارتها، والهدايا الثمينة التي اقتنتها.
كنّ يتحدثن بلغة عربية متقطعة تتخللها مصلحات إنجليزية بلهجة ركيكة في محاولة للتميز والانفراد حسب اعتقادهن.
جاء النادل بفاتورة حساب طويلة، أخرجت كل واحدة شنطتها (الماركة) ودفعت عن نفسها، ثم أجمعن الصديقات على أن (الفلوس) بالنسبة لهن غير ذات أهمية، المهم أن يجلسن في مطعم راقٍ، له صيته وسمعته، ويحافظن على (البريستيج).
هذا أنموذج جديد من السيدات بدأ يطفو على سطح مجتمعنا بثقافة غريبة عما ألفنا، ثقافة استهلاكية يغلب عليها التصنع والرياء والنفخة الكاذبة، وترسم لنفسها دورا تعيش فيه تحت مسمى (البريستيج)، والسيدات (الكول)، و تجنح بفعل عقدة النقص إلى تقليد أعمى لكل ما هو أجنبي دون فهمٍ حتى لمعناه أو أبعاده.
في أول عام لنا في الغربة بعد أن أنهينا دراسة اللغة، أصرت مُدرستنا الأجنبية على إقامة مأدبة عشاءٍ لنا احتفالاً بهذه المناسبة، كنا أربعة عشر طالبا عربياً، معظمنا من مخيمات الأراضي المحتلة.
دخلنا إلى مطعمٍ قمةٍ في الفخامة والرقي، تتناسق فيه الإضاءة الخافتة مع الموسيقى الهادئة، استقبلتنا مضيفات المطعم بابتسامات رقيقة وعبارات منمقة تطرب لها الآذان، أخذنا مقاعدنا، وكانت تجربتنا الأولى في استخدام الشوكة والسكين وفوطة العنق، تعالت أصوات القرقعة، وتطايرت حبات الزيتون، وسدّت أكواع بعضنا وجوه بعضٍ في مشهدٍ كوميديٍّ لا يُنسى، أدركتْ مُدرستنا حجم المعاناة التي نتكبدها، وبطريقة لائقة حدثتنا كيف كانت تعلّم طفلتها الصغيرة الجلوس على المائدة قائلة: كنت أضع تحت إبطيها كتابين لتضم يديها، وبحركةٍ واحدة كفريق (كورال) ضممنا أكواعنا إلى جانبنا.
إن التطور والحداثة ومواكبة العصر في المطعم والملبس والمسكن من الأشياء المهمة بل والضرورية في حياتنا، لكن في حدودها المعقولة، وحسب الإمكانيات المتاحة دون إفراط أو تفريط.
عادت أم محمد إلى بيتها، فتحت الثلاجة، تحسست أدراج المطبخ، وجدتها فارغة، إلا من بعض حبات البصل والبطاطس، وبقايا طماطم ذابلة كعادة آخر كل شهر، اتصلت بزوجها الموظف تحضه على الاستدانة من زملائه، ليحضر بعض الطعام وعلبة (كافيه لاتيه) إلى أن ينزل راتب الشهر الجديد.