نبيل الملحم
ما آلت إليه قرارات القمة العربية هو ما يجب أن تؤول إليه ، ولو كانت النتائج غير ذلك لكانت المفاجأة الكبرى ، فالطبيعي .. بل والطبيعي جدا أن تعطي هذه التشكيلة من الرموز العربية هذه التشكيلة من القرارات التي ستأكل الخاروف وتدعه يرعى ، فإغضاب واشنطن طامة كبرى، وإغضاب الشعوب مجازفة ( ربما ) كبرى، والحل أن تطلق جميع الشعارات التعبوية لتتخذ جميع القرارات التنفيسية، وعلى الأمة أن تتنفس وتتعبأ وفق حركة الشهيق والزفير لقادة جمعتهم القمة، ولولا بقايا الكرامة الشخصية التي تدعونا للتراجيديا لاستحضرنا كوميديا يعجز برنارد شو عن كتابتها لأن من يتابع المشهد يطق ضحكا قبل أن يطق كدرا وغما، والنهاية كما بات معروفا، وكما كان معروفا، وكما سيبقى معروفا قرارا بإنشاء الدعم للانتفاضة وكأن ما ينقص الانتفاضة الفلسطينية مقلاعا من الحرير فيما الأصابع المدماة كالقلوب المدماة، ترمي حجارتها دون صناديق، ودون قرارات قمة، والكل في القمة يضبط الإيقاع على وحدة قياس لم تتجاوز إرضاء الراعي الأميركي للرعية الحاكمة في الأمم العربية المحكومة دهورا بمن ينزع إرادتها ليلبسها القيود.
القصة واضحة ، والموزاييك واضح ، والجالسون فوق مقاعد القمة هم وحدهم المضللون ( بالفتح ) والمضللون ( بالكسر)، فالولايات المتحدة الأميركية ليست في الوضع الذي يمكنها في هذه المرحلة على وجه التحديد من لي ذراع المنطقة، وذلك ليس لأن الرئيس بيل كلينتون على شفى الانتخابات لحساب نائبه، ولا لأن الولايات المتحدة باتت القارة الضعيفة أو القرار الضعيف ، وإنما لأن أي اهتزاز في هذه المنطقة، وبلا أدنى شك، يضعف المصالح الأميركية، ولأن مجمل الإنجازات الأميركية حتى اللحظة ليست في الوضع المطمئن ، ولأن العرب يعومون فوق النفط والتقاطعات الجغرافية، ولأن العالم يتشكل فوق الجغرافيات، ولأن أوروبا كادت أن تموت اختناقا إذا ما اختنقت في الشرق الأوسط بالتضييق الأميركي والاستئثار الأميركي ، ولأن العرب الذين لا حول لهم .. لهم كل الحول فيما لو قرأوا الجغرافيا ، وإذا ما استمرينا بتعداد أدوات الشرط إياها المسماة إذا ، فإذا ما أخذ العرب بما يتوفر لهم من عوامل القوة ، فأبسط الإيمان أن قوة اليأس تسمح لهم بقلب الطاولة رأسا على عقب، ليختاروا ما يختارون بما فيه خيار الحرب باعتباره أضعف الخيارات إذا ما قلنا بان الخيارات الأشد مرارة على الإدارة الأميركية هو إغلاق صنابير النفط، وسحب الأرصدة ومقاطعة البضائع الأميركية، واستمرار الانتفاضة، فيما الجنوب اللبناني جاهز للاشتعال، وفيما إيران قدمت نفسها باعتبارها الجبهة الخلفية، وفيما ( الإرهابيون ) العرب مازالوا قابلين للعبة الإرهاب ، وفيما البدائل الأخرى مغلقة، وها هوذا السلام يحتضر ، فلامعاهدات كامب ديفيد الأولى سمحت للمصري بأن يضم الإسرائيلي، ولا وادي عربة سمحت للإسرائيلي أن يبيت في عمان وفي ( مضافة ) عربية.
وفي المحصلة فلعبة السلام التي نريدها ويريدها منا اليائسون والحاكمون والمحكومون والحالمون ، في المحصلة لم تفلح في تقريب الإسرائيلي من العربي وكل ما أنتجته قيود كبلت من وقع عليها باستثناء إسرائيل.
ولهذا نقول بأن التشكيلة العربية الحاكمة واهمة، فخلاصات القمة لم ترض الولايات المتحدة لأنها ليست على القياس، وقرارات القمة لم ترض الخيار الشعبي العربي، لأنها ليست كما يدعو الوجدان، فضاعت القمة وضيعت الجميع فيما تحولت إلى قمة تعارف ، وتعارف للذين يعرفون بعضهم بعضا :
- الأميركان يعرفون الجميع وولادات الجميع وحليب الجميع.
- والحكام يعرفون بعضهم وما يمكن أن يجهلوه هو أنهم يرفون بعضهم بعضا. 0والاسرائيليون يعرفون المعروف والمجهول، وربما يكونون هم الولادة والرضاعة والناسخ والمنسوخ.
- فمن الجهول ومن المعلوم.
لو كانت دماء شهداء الانتفاضة تسمح بالضحك لكان على برناردشو أن ينهض من قبره ويقول :
- اعذروني أيها الضاحكون .. ثمة ما يضحك حتى طلوع الروح.
- ولكن ما يضحك .. لا يضحك .. يضحكهم هم وحدهم تلك التشكيلة التي أضحكت العالم عليها، وضحكت على ذقون بعضها بعضا وعلى المكشوف.
- كان علينا أن نمعن النظر في تبادل ابتسامات تشكيلة الأمة لندرك كم ضحكت الذقون على الذقون.