الحريات الشخصية ضحية الأمن القومي

تاريخ النشر: 22 مايو 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

جايمي بارتون* 

 

أبرز الالتماس الذي قدّمه الأجانب الموقوفون إداريا في بريطانيا بشبهة الارهاب دون محاكمة او اتهام، كيف اتاحت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر والإجراءات الأمنية المخادعة الفرصة للحكومات الغربية لتقويض الحريات الشخصية، حقوق الإنسان وتسهيل الانظمة القضائية الخاصة في الاعتقال والملاحقات. 

واوقف الاجانب الخمس عشر في بريطانيا بشبه بتشكيل خطر على الأمن القومي أو إقامة صلات بجماعات إرهابية دولية غير انهم قدموا طعنا في قانونية احتجازهم الذي جرى على اساس قانون مكافحة الإرهاب والفعل الامني الذي وضعه حيز التنفيذ وزير الداخلية ديفيد بلانكت بعد الهجمات على البنتاغون ومركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة. 

وباقرارها هذا القانون في اواخر عام 2001 فقد تنكرت بريطانيا للمادة 5 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي توفر الحماية من الاعتقال دون محاكمة. وبموجب قوانين مكافحة الإرهاب يمكن احتجاز المشتبه بهم في المملكة المتحدة بمن فيهم رجل الدين الفلسطيني أبو قتادة الذي ألقي القبض عليه في تشرين الأول /اكتوبر2002 لمدة غير محددة. وقد تم بالفعل توقيف بعض الأجانب دون تهمة أو محاكمة لمدة وصلت 18 شهرا في سجن HMP Belmarsh الاكثر تشددا في اجراءاته الامنية. وستبحث التماسات الموقفين بطرق سرية لأسباب تتعلق بالاستخبارات والشعار المرفوع هذه الأيام "الأمن القومي". 

وبالفعل فان محكمة الاستئناف أصدرت في شباط /فبراير الماضي قرارا يسمح للحكومة باحتجاز هؤلاء الرجال بصورة قانونية وذلك بعد مراجعة معمقة توصلت إلى نتيجة مفادها أن شروط اعتقالهم متوفرة بينما وصف محامو الدفاع الدلة ضد موكليهم بأنها مجتزئة، غير كاملة وضعيفة للغاية. 

وينطبق هذا الأمر على قضية العائلة التي ينتمي إليها الانتحاري البريطاني عمر شريف، الذي فشلت محاولته ووجدت جثته مؤخرا على شاطئ تل أبيب، وقد تم توجيه الاتهام إلى زوجته ظاهرة تبسم وأخيه زاهد وشقيقته بارفيف بعدم الإبلاغ عن معلومات تتعلق بعملية إرهابية خارج البلاد. 

وفي الوقت الذي قبلت فيه كفالة افراد آخرين من العائلة حتى شهر آب/اغسطس القادم، فقد تم تمديد اعتقال شقيقة الانتحاري، بارفيف، بتهمة المساعدة والتحريض على أعمال انتحارية خارج المملكة المتحدة.  

وبنيت هذه الاتهامات على أسس فضفاضة تتعلق بتسجيل رسائل إلكترونية، ويعتبر المعتقلون كبش فداء لاسترضاء الإسرائيليين الذين طالبوا بنوع من العدالة إثر العملية الانتحارية التي نفذها مواطن بريطاني اخر يدعى اصف حنيف على شاطئ تل أبيب. 

في هذه الأيام تستطيع الدوائر والهيئات الحكومية في بريطانيا تمرير معلومات حساسة إلى الشرطة، كما يسمح لشركات الاتصالات بالاحتفاظ وتمرير تسجيلات هاتفية أو رسائل إلكترونية وقد أعلن أن هذه الإجراءات الخاصة بمكافحة الجريمة والإرهاب والتنصت الإلكتروني سيعاد النظر بها في غضون عامين. 

لكن تحولا حاسما حصل بالفعل حيث أن مكافحة الإرهاب انتقلت من الدائرة المسؤولة عن تنفيذ القانون إلى دائرة الأمن القومي، والفرق بين الحالتين بالغ الأهمية حيث أن تنفيذ القانون يأتي بعد وقوع الجريمة وجمع الأدلة والشهادات ضمن القيود التي يفرضها القانون، أما دوائر الأمن القومي فتحاول توقع الأشياء قبل حدوثها وتستخدم كافة أنواع الوسائل الوقائية المتشددة للغاية. 

وقد ظهر مؤخرا مفهوم جديد في بريطانيا، الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم يتمثل في فكرة الديمقراطية المقيدة حيث يتعرض حق المواطن في الحماية في بلد تلو الاخر للخطر بالإضافة إلى أن حقوق الأجانب و اللاجئين المشكوك فيها تتعرض للخطر أيضا . 

من جانب آخر أعلنت الولايات المتحدة هذا الأسبوع خططا لتنفيذ نظام يتم بموجبه أخد بصمات و صور لكافة زوار البلاد الأجانب ابتداء من السنة القادمة في محاولة لمراقبة تحركات الأجانب داخل الولايات المتحدة. 

و في الهند يستطيع رجال الشرطة توقيف المشبوهين دون توجيه تهمة لمدة ثلاثة شهور، أما في جنوب إفريقيا فقانون مكافحة الإرهاب يحرم الإضرابات بينما تم تطبيق القانون القمعي في إسبانيا الذي يحظر الأحزاب السياسية التي تدعو إلى " ثقافة المواجهات المدنية". و في إيطاليا تتمتع سلطات الأمن بصلاحية خرق القانون بهدف حماية الأمن القومي. 

تقحم الحكومات الغربية نفسها في أمور كان يعتقد الناس قبل الحادي عشر من أيلول/سبتمبر أن عليها الابتعاد عنها و لا يزال العديدون يتمسكون بهذه الأفكار الخاصة بالحرية الشخصية و خصوصية الأفراد و حقوقهم . 

يمكن بقليل من الخيال رؤية أن كل شيء ابتداء من المصادر المائية إلي الدخول إلى الإنترنت يمكن أن يكون هدفا للإرهاب و قد أعلنت بعض الحكومات الأوروبية عن خطط تنوي بموجبها إجراء تعديلات على الإنترنت. 

وليس من المستبعد أن تقوم الحكومات بإجراءات من شأنها مراقبة الاتصالات عبر الإنترنت، ففي الصين على سبيل المثال تم احتجاز 33 شخصا بسبب مناقشات سياسية على الشبكة الدولية حيث أمرت شنت الحكومة الشيوعية حملة لسحق محاولات استخدام الإنترنت كوسيلة لانتقاد الحكم الشيوعي والمطالبة بالإصلاح السياسي. 

و هذه سياسات قمعية يمكن توقع وجودها في بلد يقبع تحت حكم شيوعي متسلط كالصين و لكنها تترافق مع سياسات مماثلة في إدارات منتخبة و ديموقراطية في جميع أنحاء العالم. إن استعادة الحكومات لقوة البطش جاءت نتيجة قوية لأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر فقد عادت هذه الحكومات إلى سياسة القبضة الحديدية والتغني بالشعار القديم "الأمن القومي". 

إن هذا الأمن القومي اصبح الآن بمثابة الشرطي، القاضي ، هيئة المحلفين ومنفذ القانون. 

جايمي بارتون: صحفي مقيم في بريطانيا متخصص في الشؤون الخارجية، الشرق الاوسط والارهاب العالمي وهو حاليا يساهم في الكتابة الى عدة مواقع انترنت في الشرق الاوسط والصحف البريطانية.