دعا الرئيس العراقي صدام حسين في رسالته الثانية التي وجهها إلى الحكومات والشعوب الغربية الولايات المتحدة إلى التروي وتحكيم العقل، متهما "الصهيونية" بتأجيج نار الحرب التي أعلنتها واشنطن بنية مسبقة حسب رأيه.
وهنا نص الرسالة التي بثتها وسائل الإعلام العراقية قبل قليل:
مرة أخرى ، نعود لنعلق على الحادث الذي وقع في أمريكا في 11/ أيلول الجاري، ليس لأهميته بحد ذاته فحسب ، وانما للتداعيات التي أحاطت به ، وما سيترتب على كل ذلك من نتائج على مستوى العالم ، ونحن جزء منه ، أو نحن حالة خاصة فيه ، كأمة على ما هو معروف عنها ، وعن قاعدة أيمانها وخصوصيتها .
قلنا في مناسبات سابقة أن الولايات المتحدة بحاجة لان تجرب الحكمة ، بعد ان جربت القوة على مدى خمسين عاماً أو أكثر ، وما زلنا نرى ان هذا هو أهم ما ينبغي ان ينصح به العالم الولايـات المتحدة ، إذا كان من يقول قولاً ، أو يقف موقفاً ، من هذا الحادث ، يهمه أمن العالم واستقراره .. هذا إذا كانت الولايات المتحدة والعالم يقطعان بالقول والحكم ، بأن ما حصل قد جاء الى أمريكا من الخارج ، وليس من داخلها ..
من البديهيات المتعارف عليها في القانون ، أو الأحكام العامة ، في التعامل والحياة الاجتماعية وحتى السياسية ، أن أي اتهام ينبغي ان يقوم على دليل ، إذا أراد من يطلق الاتهام ، أو كان يهمه إقناع غيره .. بل إذا كان يحترم من يسمع الاتهام او يهمه أمره بالحد الأدنى الواجب .. ولكن الولايات المتحدة وجهت الاتهام قبل ان تتبين ، وقبل ان يكون في حوزتها الحد الأدنى من الإثبات في مثل هذا الاتهام ، بل أنها لم تعط حتى نفسها فرصة ان تتبين اولاً .. وراحت تهّوم وتهدد ، أو تقول قولاً غير مسؤول بتوسيع قائمة الاتهام من دول وجهات وأشخاص .. وراح المسؤولون الأمريكان يوجهون الاتهام أو يطلقون يد الإعلام الموجه ، والإعلام الصهيوني ورموزه في السلطة وخارجها ، ليهيئوا أذهان الناس إليه .. فماذا يعني ذلك ؟.
انه باختصـار يعني أن الولايات المتحدة لا تهتم بالقانون ، ولا تستند إليه ، ولا يهمها الرأي المقابل على وفق سياستها الخطيرة في هذا وفي غيره، لذلك ، تراها لا تجهد نفسها في توفير الحجة ، ولذلك ايضاً لا تحتاج الى دليل لكي تصدر حكمها .. وحسبها ان تقول قولاً ، وتطلق احكاماً ، اقتنع بها الآخرون من غير المسؤولين الأمريكان أم لم يقتنعوا ، وهذا يعني ، جرياً على سياسة اتبعتها منذ عام 1990 حتى الآن ، إنها لا تهتم برأي شعوب وحكومات العالم قاطبة ، ولا تقيم لها وزناً أو اعتباراً ، ومع إنها تنسب الى نفسها إنها الدولة الديمقراطية ( رقم واحد ) في العالم ، فأن أهم ما تعنيه الديمقراطية ، حتى على أساس بداية نشأتها في العالم الغربي ، هو ان تكون الحقائق كما هي أمام الشعب ، ليتحمل الشعب مسؤوليته عن بصيرة ، وموقف الولايات المتحدة تجاه هذا الحادث ، بالوصف الذي وصفناه ، وهو وصف واقعي ، يعني ان المسؤولين الأمريكان لا يحترمون حتى رأي شعوبهم ، وليس رأي العالم فقط ، بل ان المسؤولين الأمريكان في تصرفهم هذا كأنهم يستغفلون شعوبهم ، ويجعلون طبول الإعلام المزيف تقوم بواجب تعبئتها على عدو ، أو أعداء ، لم يقــدم الدليل على مسؤوليتهم عن الفعل الذي ينسب إليهم ، ذلك لان ما يهم المسؤولين هناك هو ان يتحشد عداء شعوب الولايات المتحدة على من افترضوه عدواً قبل الحادث ، ويكون دافع الضريبة في وضع يجعله يقبل الابتزاز الذي نصبت شركات السلاح فخاخها عليه ، مع ما يمكن أن يكون عليه الأمر من تداخل في المصالح على مستوى كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين فيها .
وقد يقول قائل : أن الأحكام السياسية لا تأتي دائماً وفق نفس الأسس والسياقات والمسارات التي يعتمدها القضاء والمحاكم الجنائية ، وانما يكفي في ذلك توفر القرائن والخلفيات ، ليتحقق الاستنتاج الذي قد يكون صحيحاً ، وحتى لو جارينا صاحب هذا الرأي في رأيه ، لكي لا نقطع صلة الحوار ، نقول : أن هذا قد ينطبق على الإعلام والتصريحـات ذات الطابع الإعلامي والدعاية الإعلامية ، وحتى بعض التصريحات السياسية ، وعندها قد لا يكون الخطأ فيها قاتلاً بالضرورة .
ولكن هل يجوز هذا في الحرب !؟ .
نعود لنقول : أن الحرب حالة غير عادية ، وغير سياقية في حياة الأمم والشعوب ، وانما هي حالة الاستثناء الملجئ ، ولا تكفي القرائن القائمة فيها على الاستنتاج ، حتى لو كانت قوية ، لتوجيه اتهام الى جهة أو عدة جهات ، او دولة او عدة دول ، الى الحد الذي يعلن الطرف الذي يوجه الاتهام الحرب على الطرف ، أو الأطراف التي وجّه الاتهام إليها ، ويتحمل مسؤولية ما يصيب شعبه من أذى ، وما يصيب الطرف المقابل من أذى ، بما في ذلك الموت ، وتدمير الممتلكات ، وما ينتج عنهما من نتائج خطيرة .. عدا عن أن الإدارة الأمريكية وجهت الاتهام الى دين بعينه ، وليس الى قومية بعينها فحسب .
ولنقبل ايضاً مداخلات من يقول ان الولايات المتحدة لم تقل بهذا على لسان مسؤوليها الكبار ، وفق هذا التحديد ، بل ان بعض المسؤولين نفوا ان تكون سياستهم توجيه التهمة والمسؤولية الى دين بعينه … نقول : مع هذا ، فأن عدم وجود دليل للاتهام، وعدم احترام القاعدة الذهبية الصحيحة في الاتهام الصحيح ، الذي يفضي الى إعلان حرب ، وجعل الاتهام محصوراً بأمة ودول ومسميات وشخوص وعناوين بعينها ، لا يمكن ان يفهم من كل هذا ألا انه اتهام مسبق ، ومن غير دليل على ان الفعل الذي وقع لا يتعدى المسلمين .. ويردف هذا إطلاق العنان للإعلام لان يـروج الى هذا ، ويهيئ أذهان الناس لقبوله او الاعتياد عليــه ، ليغدو أي شيء معاكس له كأنه الحالة النشاز .. وهاكم اللائحة :
-أفغانستان .. أسامة بن لادن .. حزب أو تنظيم القاعدة الإسلامي .. سوريا .. اليمن .. الجزائر .. العراق .. لبنان .. وفلسطين . وربما تتقلص هذه القائمة أو يزاد عليها، حسب ذرائعية سياسة القدرة التي وجدت فرصتها ، أو القدرة التي تفتش عن فرصتها لتعلن الحرب ، وسواء زيدت أسماء القائمة على هذه القاعدة أو حذفت منها .. فماذا يعني هذا غير اتهام المسلمين ، ومنهم العرب ، أو في مقدمتهم العرب ؟ ولماذا خطر هذا في بال المسؤولين الأمريكان لو لم يكونوا اساساً قد افترضوا أنفسهم وسياستهم أعداء للعرب والمسلمين؟ وهل يعني هذا الاتهام غير الرغبة في تصفية حسابات قديمة ، كلها قائمة على أساس أن سياستها الخارجية لا تتلاءم مع السياسة الأمريكية ، أو أنها لا ترضخ للسياســة الأمريكية – الصهيونية تجاه العالم ، وتجاه فلسطين ؟.
انظروا الى تصريحات المسؤولين الأمريكان الذين يقولون : ان الحرب ستكون طويلة، لأنها تستهدف عدة دول .. لاحظوا الابتزاز ، بل الإرهاب الذي يقصدونه ، والذي أرادوا منه أن يضعوا عدة دول وجهات في قائمة تطول أو تقصر ، وفق سياسة إرهابية ابتزازية بعينها ، في مقدمتها التوهم بان العرب والمسلمين سيخلون ، هم وشعب فلسطين ، الساحة لعدوانية الكيان الصهيوني واستعماره البغيض ..
أن هذه الاتهامات التي أطلقت من غير ترّو ، وبصورة فورية ، تعني حتى لو طبقنا عليها أحكام سياسة هذا الزمن ، وليس أحكام القانون ، ان عقل الإدارة الأمريكية قد خزن مسبقاً، وقبل الحادث ، وافترض بما يجعل الافتراض يرتقي الى الحكم القاطع ، ان الإسلام ، وفي مقدمة المسلمين ، العرب ، أعداء الولايات المتحدة ، بل الادق ان الولايات المتحدة على مستوى حكامها ، اعتبرت بحكم قاطع ، أنها عدو العرب والمسلمين ، وهم في هذا قد خزنوا الحكم القطعي في عقولهم .. وعلى أساسه قام تهيؤهم المسبق ، وعلى أساس هذا أعدوا ( عقل) الكومبيوتر الذي هيئت خططه على أساس هذا الافتراض، الذي اخذ شكل الحكم القاطع .. وهذا يذكرنا بأن العنان الذي أطلق للكتاب السياسيين ، ومن يسمون بالمفكرين ، ومن بينهم رؤساء دول ووزراء سابقون ، ممن أرادت السياسة الصهيونية ذلك منهم في السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة ، الذين افترضوا ان الإيمان على أساس الدين الإسلامي وما يترشح عنه ، هو العدو الجديد للولايات المتحدة والغرب ، وهو نفسه الخلفية التي يسير عليها الحكام الأمريكان ، يشاركهم بعض الحكام الغربيين ، الذين وقعوا تحت ضغط وإرهاصات الفكر والخطط الصهيونية ..
ويبدو ان هذا الافتراض لم يعد محض افتراض لأغراض التمحيص والاختبار والتدقيق ، وانما صار في عداد ووصف الأحكام القطعية ، لذلك جاء الاتهام فوريا ، ومن غير ترّو ، أو انتظار ان يقوم دليل ، ليكون قاعدة له ، ويستند إليه الافتراض المسبق ، ليصبح حكماً قطعياً .. وهذا الاتهام لم يوجه الى كل الحكومات في الدول الإسلامية والعربية ، وانما لكل الشعوب الإسلامية ، ومنها الأمة العربية ، والى العناوين والجهات والدول والحكومات التي لا ترتاح الولايات المتحدة الى سياستها ، أو لا تعجبها سياستها ومواقفها بوجه خاص ، او لأنها تدعو الى تحرير فلسطين ، وكف عدوان الولايات المتحدة عن العراق .. والاعتزاز باستقلالها وتراث أمتها ..
ومن يستغرب من هذا الاستنتاج الواقعي ، ويجعل كلام المجاملات الذي يقال على هامش الأحكام بديلاً عنه ، عليه ان يتمعن بقولنا : ان الولايات المتحدة أعلنت أنها في حالة حرب ، وقامت بإجراءات مستلزمات الأعداد للحرب منذ اللحظات الأولى التي أعقبت الحادث ، وكأنها الفرصة التي كان المعنيون ينتظرونها ، وخصصت الأموال اللازمة للحرب ، أو جزءاً منها ، فهل سمعتم ، أو قرأتم في التأريخ القريب أو البعيد ، عن دولة تعلن الحرب قبل ان تسمي عدوها!!؟ ألا يعني هذا ان الولايات المتحدة قد سمّت من تعتبره عدوها قبل إعلان الحرب !؟ وان إعلان حالة الحرب جاءت فرصته بالحادث الذي وقع لها ، والذي لا يعرف حتى الآن ما إذا كان قد وقــع من عدو خارجي ، أم بتدبير داخلي .. وعند ذلك ، لا تكون الحرب التي أعلنتها أمريكا سبباً للحادث ، وانما الحادث حقق فرصتها لشن الحرب التي لم تكن نتيجة له في كل الأحوال ! .
-وقد يقول قائل : ان طبيعة الحادث ، ومستوى الألم الذي أصاب المسؤولين الأمريكان جراء ما وقع على شعوبهم ، والحرج الذي واجهوه مما أصاب الناس هناك من الألم الذي لم يتسبب به الحادث وحده ، وانما افتضاح خواء الأجهزة المعنية التي انشغلت بتدبير المؤامرات في الخارج ، وعمليات القتل والتخريب ضد دول وأحرار العالم .. نقول : قد يقول قائل .. ان كل هذا هو الذي دفع بالحكام الأمريكان لان يتعجلوا الى الحد الذي جعلهم يتسرعون في إعلان الحرب ، وتسمية الجهات ، حتى انهم سيكونون مضطرين لشن الحرب ، وهنا نعود لنقول : إذا كان هذا يصلح سبباً وقاعدة لتسويغ الاتهام والقرارات المترتبة عليه ، للمسؤولين الأمريكان بعناوينهم الكبيرة المعروفة ، فلماذا لا تصلح سبباً مسوغاً ، ونية تبررها لاخرين ، بما في ذلك مستويات ، عنوانها ليس رئيساً ، أو وزيراً ، أو ما شابه ذلك ؟ وهل سأل ، أو اهتم أحد بهذا ؟ وهل سيسأل أحد نفسه ما إذا كان لاؤلئك أبناء أو اخوة أو أمهات واباء قتلوا بالمؤامرات والدسائس والحروب الأمريكية ضد الشعوب ، وفي المقدمة من ذلك الشعوب الإسلامية ؟ وما إذا كانت قد تهدمت لهم ، او لابناء أمتهم ، عمارات ومعامل ، وانتهكت مقدسات ؟ هذا إذا كان الاتهام ما انفك يوجه الى الخارج .
وإذا كان الوقوع في سورة الغضب ، وليس التخطيط المسبق ، تنجم عنه قرارات حرب على هذا المستوى العالي داخل الولايات المتحدة ، لماذا لا تتوقع ، تحت ضغط اعتبارات مماثلة أو أخطر ، من أحد ان يوجه إليها نيرانه ؟ .
مرة أخرى نقول : ان الإدارة الأمريكية ومن تحالف معها من الغرب ضد العرب والمسلمين ، الآن وقبل الآن ، بل وضد العالم ، في كل الساحات التي شهدت مآسي التحالف، بحاجة الى ان يهتدوا الى طريق الحكمة ، بعد ان امتلكوا القوة ، واستخدموها الى الحد الذي لم تعد تخيف من وقعت عليه ، ذلك لان الكرامة ، وسيادة الأوطان ، وحرية الإنسان المؤمن ، حالة مقدسة ، مع المقدسات الأخرى التي يؤمن بها المسلمون الحقيقيون، ومنهم العرب ، بل وفي مقدمتهم العرب .
وإذا كان هذا هو الوصف الواقعي للنوايا المسبقة التي قررت الحرب ضد العرب والمسلمين ، وكانت الجهة التي قررتها تنتظر غطاء لتعلن حرباً ، وقد تنفذها ، ضد من تحينت الفرصة عليهم .. فهل هناك من راد لها غير إرادة الواحد الأحد ، الحي الصمد ، القادر العظيم ؟ وغير ارادة الشعوب ، عندما تعي بعد ان تعرف ، وتتقي بعد أن تؤمن ؟ .
وحسبنا الله ونعم الوكيل ..
بقي ان نقول رأيا نرى ان مناسبته حانت ، وانه موجه هو الآخر الى شعوب الولايات المتحدة ، والشعوب الغربية بوجه عام .. وهو ان الصهيونية تخطط للسيطرة على العالم منذ مؤتمرها الشهير الذي عقد في بازل بسويسرا عام 1897 ، وأنها عملت على هذا منذ ذلك التأريخ ، وحققت فيه نجاحات يمكن ان تلاحظوها بسيطرتها على بيوت المال والإعلام والتجارة في بلادكم ، وعلى من يحكم باسمكم ، هنا أو هناك ، في مراكز القرار ، ولكن سيطرتها لم تتحقق كما يجب ، حتى الآن ، لتكون أرادتها مطلقة ونهائية .. وان هذا لن يكون ألا عندما تدفع الى اصطراع الدينين السماوييـن اللذين تتبعهما الكتلة الأكبر في العالم ، مما يحرم الصهيونية من تحقيق كل أطماعها ، لذلك فان دهاقنة الصهيونية ، يدفعون الى اصطدام المسيحية بالإسلام ، وفي ظنهم ، خاب ظنهم ، انهم بهذا فقط ، يحققون الفرصة ، ليسيطروا على العالم ، عندما تنفتح أمامهم فرص جديدة للسيطرة .. فهل هناك ما هو أفضل للكلب السارق من ان ينشغل أهله بعزاء ، ليظفر بما قد وضع عينه ، وسال لعابه عليه !؟ وهل ينتبه الى هذا عقلاء القوم في الغرب ؟ أم ستكون الصهيونية أذكى منهم، لتحقق مآربها !؟ –(البوابة)