الرجل الذي يموت كل يوم..خالد ابو الخير

تاريخ النشر: 12 أكتوبر 2017 - 12:00 GMT
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

 

يمكن ايجاده في الزحام وحيث تزاحم الاقدام، كما يمكن العثور عليه يسير دون وجهة، غارقا في التفكير والسخام.

ملامحه تبدو مألوفة، ويمكن اذا دققنا  في سحنته أن نلمح رقماً من ستة او سبعة خانات، أو وسما كوسوم العبيد، يعلو جبهته، ويغلق الافاق والمدى.

إنه مجرد موظف، من الصعب أن تحدد مهنته، مجرد رب عائلة يجد صعوبة بالغة في تأمين لقمة العيش لها، مجرد اسم في سجلات الاحصاء ودوائر التموين والاحوال والركام والنسيان.

تمرده في مطلع شبابه مجرد عارض اختفى حين تحول إلى ترس في الة تدور، وقلمت اظافره السياسية دوائر السياسة والأمن ، فاختفت الوردة من قلبه، و حين أجبر المجتمع الحب والفن والمدى على الركوع في هيكل رأس المال.. صار ككل المواطنين، كجيوش من الموظفين والعمال، بلجام.

نهاراته لا تكاد تنقضي الا بشق الانفس، وعذاباته اشد وأطول تأثيراً ، وحين يغمض عينيه كل ليلة، لا على حلم شفيف، وإنما على ما تداركه من خسارات في نهاراته، وما تكبده منها، تحت مهرسة عملاقة أتت على ماله وصحته والعمر الذي لم يعد يتسع لشرب قدح أو سفر و تأمل. وحين يستيقظ؟، يكاد أولاً؛ ينكر الفجر.. ويردد دون كثير جلبة: الفجر للاحياء.

صعب أن يفهمه أحد.

 صعب أن يشعر بشعوره أحد.

كل ما في أمره.. أنه أن لم تبقِ عوامل النخر والتآكل والتعرية ومؤسسات المجتمع " المتوحشة" واعرافه وحكوماته ورجال " الحسبة" وخطوطه الحمراء ومقاصل الفكر والابداع والنور منه شيئاً،  ما زال فيه عرق ينبض.. للحياة.

الرجل الذي يموت كل يوم.. يستيقظ للتو، باتجاه موت يومه الجديد.