السؤال الذي مازال حيا

تاريخ النشر: 25 سبتمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نبيل الملحم 

مراسل البوابة – دمشق 

 

هل يصح ذلك الاستنتاج الذي يقول بأن الدبابات قد أخلت مواقعها لحساب السلام في هذه المنطقة ؟ 

- من حق الكثيرين استهجان هذا السؤال ، فالسلام في الشرق الأوسط مصلحة أميركية عليا ، والأسواق المرتفعة هي البديل للجغرافيات المرتفعة بالنسبة للإسرائيليين ، ولعبة الحرب انتهت منذ أن رفع شوارتزكوف إصبعيه منتصرا في حرب الخليج الثانية 0 

كل ما سبق يصح الاقتناع به ، والوصول لاستخلاص يسمح لحملة البنادق بطرحها في أول مزاد علني لخردوات الزمن المقبل ، ولكن ما يبدو صحيحا ليس صحيحا بالضرورة ، على الأقل إسرائيليا ، فالمتابع للغة السلاح الإسرائيلية سيذهب بعيدا في الاحتمال المختلف ، فها هي إسرائيل قد دنت أكثر فأكثر من تحقيق إحدى أهم خططها العسكرية في نصب القوة، وبما يبدو بعيدا عن خطوط التماس المباشر مع العرب، وذلك بالجلوس على كتفي إيران الغربي والعراق الجنوبي المتاخمين للحدود التركية ، وفي بسط وهجها الدفاعي على مناطق النفط الأكثر غزارة في الكويت والمملكة العربية السعودية الواقعتين على ذراع من المثلث الإيراني – العراقي – التركي 

وهو ما أعلن عندما فاجأ رئيس الأركان التركي حسين كفرك أوغلو اجتماع حلف شمال الأطلسي  

في أثينا الأسبوع الفائت من هذا الشهر باقتراح يدعو إلى إنشاء قاعدتين عسكريتين للحلف في الأراضي التركية هدفهما احتضان " قوة للتدخل السريع في المناطق المجاورة " لأن بلاده محاطة بالأخطار حسب التبريرات التي قدمها 0 

بالنسبة إلى تركيا فهي معذورة حين تبحث عن قوات التدخل السريع ، وعذرها أن نفطا هائلا سيعبر أراضيها والمقصود بالطبع خط أنابيب نفط باكو – جيهان الهادف إلى إيصال نفط وغاز قزوين عبر أراضيها إلى أوروبا ، لكن عندما تضاف إسرائيل إلى المشروع عسكريا فلهذا معان قد تبتعد أكثر من النفط 0 

هذا سيعيدنا إلى أحاديث قديمة، إلى ذلك الحلم الذي راود شيمون بيريز النازل توا من الحرير ليتقاطع مع لعبة الفولاذ في البحث عن الكيفية التي تكون إسرائيل فيها نجمة المنطقة ، والمنطقة هنا ستكون أكثر اتساعا من دول تجاور تل أبيب لتكون إسرائيل (النجمة) بحجم الذراع الإسرائيلية والتي ( يجب ) أن تطال الشرق الأوسط برمته ، مع الأخذ بالاعتبار أن الطريق الإسرائيلي سالك إلى أنقرة فيما تضعف تدريجيا الممانعة الإيرانية كلما تقدمت إيران من الثورة إلى الدولة ، والعائق في هكذا حال هو التخوم الجغرافية التي مازالت خارج التسوية الإسرائيلية والتي ستشكل اليوم ، أو ذات يوم ، حجر عثرة في طريق القافلة الإسرائيلية ، ونعني هنا سوريا فقط ، باعتبارها مازالت خارج التسوية ، وباعتبار التسوية مازالت بين الخطوة أو الألف ميل ، وهو ما لا نعرفه نحن ولكن تقارير صحفية أميركية كانت قد أنبأت عن ملامح من حقائقه 0 

في آخر لقاء جمع الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى الرئيس بيل كلينتون في جنيف ، أفادت التقارير أن ذلك اللقاء شكل صدمة كبيرة للرئيس بيل كلينتون الذي قصر وقته إلى الدرجة التي لا تسمح له بتسجيل أي فشل حتى ولو كان بحجم دبلوماسي بسيط ، وفشل لقاء الأسد كلينتون ، وخرج الرئيس بيل كلينتون من جنيف والقرار جاهز في رأسه وفي التعليمات التي باتت بحوزة معاونيه ، والقرار يقضي بممارسة أقصى الضغوطات على دمشق ، والأقصى يمتد من محاصرة الرغيف إلى استخدام الصواريخ ، ودائما تستطيع الصواريخ أن تبحث عن الطريق المناسب حين يقرر البنتاغون، فكان الطريق المقترح هو بيروت ، والقرار يقضي بضرب المواقع العسكرية السورية في لبنان أولا ، ليتلوه ضرب البنى التحتية اللبنانية ، وبالتالي كسر المدى الحيوي لدمشق عبر إخراجها من بيروت أولا ، وعبر تنصيب قوى لبنانية قادرة على إزاحة الثنائية اللبنانية السورية ، وفي ظرف باتت معه هذه الثنائية ، موضع نقاش لفئات لبنانية فيما هي موضع رفض لفئات أخرى دون نسيان أنها أيضا موضع ترحيب لفئات ثالثة ، وفي كل الأحوال فالخطوة السياسية كان يمكن أن تبدأ بخطوة عسكرية ، وما حصل أن رحيل الرئيس الأسد أجل هذا الموضوع وفي اللحظة الأخيرة ، ولكن المؤجل هو الخطوة وليس السيناريو ، هذا في حال أن بقيت المعطيات كما هي على الجانب السوري – الإسرائيلي 0 

الإسرائيليون جاهزون لهذا الاحتمال ، وبالوسع القول ، أن جزءا من مستلزمات الدور والوظيفة الإسرائيلية هو الجاهزية لهكذا دور ، وواضح أن العسكرية الإسرائيلية تحدث تطورات هائلة ويومية على سلاحها ، وهكذا جاءت تجارب الصاروخ " حيتس " لتقول ، بأنه من غير المسموح على أي من دول المنطقة أن تحرك بطارية صواريخ واحدة ، فيما تطور نسق من المقاتلات الاسرائيلية حتى صار بمقدورها أن تبقى في الجو لمدة ساعتين ، مما سيؤدي بالضرورة إلى إطفاء قوة الخصم ، وفي الوقت ذاته إضافة قوة أساسية ستكون حاسمة عسكريا ، ومن سوء الظن ، الظن بأن العقل الإسرائيلي يكتفي بوضع سيناريو واحد فوق الطاولة ، ففيما تتحرك البلدوزر الإعلامية والدبلوماسية باتجاه 00 من الممكن تحريك الدبابة في اتجاه آخر ليكون الاحتمالان في اليد الاسرائيلية التي يصعب أن تكون يدا فارغة 0 

القصة الآن متوقفة على الوقت فقط : 

- الوقت الأميركي الذي يهيئ لرئيس جديد ، وبالتالي لأولوية جديدة 0 

- والوقت الإسرائيلي الذي يتغير في الوقت الأميركي المستقطع ليغير آلياته وليس أهدافه ، ويبدو أن بيروت مساحة اللعبة وساحتها الآن والهدف هو: دمشق 00 إذن ما الذي يمكن أن يحدث في بيروت ولبيروت الآن ؟ 

فوق سقف الحرب وتحت سقف السلام الاجتماعي هذا ما سيكون عليه حال بيروت، وبالون الاختبار أطلق من بكركي هذه المرة ، ولايعني هذا أن بكركي على تنسيق مع إسرائيل ، ولكن بالضرورة ما حملته بكركي سيستثمر إسرائيليا والى أبعد الحدود في هز الصيغة اللبنانية التي لابد وتهز دمشق ، وذلك بانتظار القرار النهائي لتاريخين معا : 

- التاريخ الأميركي ، الذي سيدخل مرحلة جديدة تحدد ملامحها صناديق الاقتراع الأميركية 0 

- والتاريخ السوري ، الذي مازال استمرارا للرئيس الراحل الأسد ، والذي لم تحدث أية تبدلات فيه على مستوى مشروع التسوية السياسية 0 

ما هو التاريخ الثالث الذي لا يمكن إغفاله ؟ 

- انه التاريخ الفلسطيني أيضا ، فالمقربون من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ، يدركون جيدا بأنه لا يرغب ، ولا يستطيع أن يقدم أية تنازلات جوهرية بما يتعلق بموضوع القدس ، وعند هذه النقطة قد تعود الأمور إلى بدايتها أي إلى منطقة متوترة خيار الحرب فيها مفتوح على أقصى الاحتمالات 0 

ألا يقول لنا هذا شيئا مهما عن الخطوة الاسرائيلية المتصلة بأنقرة والتي تجعل الشمال السوري على خطوة من قعقعات السلاح ؟ 

السوريون أدركوا هذا الموضوع منذ سنوات : 

- في البداية استثمروا عبد الله أوجلان لنقل المعركة إلى خارج حدودهم ، وفيما بعد تنازلوا عن أوجلان لحساب دبلوماسية نقاط الحدود ، والان تبدو العلاقات السورية التركية هادئة ودون أية شوائب فالطريق من باب الهوى إلى الحدود التركية فائق الأمان ، ولكن ؟ 

- من قاعدة انجرليك إلى الحدود السورية ما لا يزيد عن عشر دقائق طيران، والطيران الإسرائيلي طور إلى الدرجة التي صار بمستطاعه أن يبقى ساعتين متواصلتين في الأجواء 00 ألا يحتمل أن تتغير قواعد الحرب العربية الاسرائيلية ، فتبدأ هذه المرة من كل الجهات ؟