هددت السلطة الفلسطينية بإعادة النظر بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، في وقت واصلت فيه القوات الإسرائيلية تجريف أراضي بيت حانون التي انسحبت منها الليلة الماضية، كما اعتقلت فلسطينيين، وأعلنت أن فلسطينيين قصفوا بمدافع الهاون مواقع إسرائيلية في غزة، وأنها أبطلت مفعول عبوة ناسفة.
قال أمين عام مجلس وزراء السلطة الوطنية الفلسطينية أحمد عبدالرحمن أن السلطة قد تعيد النظر في الاعتراف بدولة إسرائيل.
ولم يستبعد عبدالرحمن في حيث أدلى به لـ"صحيفة الحياة الجديدة" الفلسطينية إجراء مراجعة للاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي بما فيها الاعتراف بدولة إسرائيل، إذا ما استمرت في عدوانها على الشعب الفلسطيني.
ودعا عبدالرحمن الدول العربية إلى عقد قمة عربية طارئة لبحث الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية واللبنانية.
استمرار المواجهات: عبوة ناسفة ..وقذائف هاون
ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الجيش قام اليوم الأربعاء بإبطال مفعول عبوة ناسفة شديدة القوة كانت موضوعة قرب حاجز معبر المنطار (كارني) بين قطاع غزة وإسرائيل.
وأوضحت الإذاعة أن العبوة كانت موضوعة قرب السياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل.
وأعلن ناطق عسكري إسرائيلي أن ست قذائف هاون أطلقت صباح اليوم على أهداف إسرائيلية في شمال وجنوب قطاع غزة بدون أن تسفر عن وقوع إصابات أو أضرار.
وقد سقطت ثلاث قذائف في محيط مستوطنة نيفي ديكاليم جنوب قطاع غزة، وانفجرت إحداها قرب أحد البيوت الدفيئة.
كما أصابت ثلاث أخرى المنطقة الصناعية في إيريز، المعبر الرئيسي بين قطاع غزة وإسرائيل.
ويأتي إطلاق هذه القذائف بعد ساعات قليلة من انسحاب القوات الإسرائيلية، حيث أكدت مصادر أمنية فلسطينية في ساعة متأخرة من الليلة الماضية أن الجيش الإسرائيلي سحب قواته من منطقة شمال شرق بلدة بيت حانون في قطاع غزة، غير أنها واصلت اعتداءاتها على أراضي المواطنين وأملاكهم في بيت حانون شرقي قطاع غزة.
وأفاد العديد من سكان المنطقة أن أكثر من ست جرافات إسرائيلية، واصلت أعمال التجريف والتدمير لأراضي المواطنين وأملاكهم، خاصة في المناطق الشرقية والشمالية من المدينة، والتي استمرت حتى صباح اليوم.
وكان قائد قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة الجنرال يائير نافيه قد صرح أمس أن الجيش الإسرائيلي قرر أن يقيم مناطق أمنية داخل أراض تقع تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة لمدة محددة.
وجاء الانسحاب الإسرائيلي بعد أن وجهت الولايات المتحدة أمس تحذيرا شديدا إلى إسرائيل وطلبت منها العمل على إنهاء عمليتها العسكرية "المبالغ فيها غير المتناسبة" في قطاع غزة كما حذرت من اتساع رقعة النزاع.
وفي تصريح مكتوب اعتبر شديد اللهجة ضد إسرائيل دعا وزير الخارجية الأميركي كولن باول الإسرائيليين الى "التقيد بالتزامهم بالانسحاب من غزة وفقا لبنود الاتفاق الذي وقعه الطرفان".
من جهته قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية طلب عدم الكشف عن اسمه إن "على الإسرائيليين الرحيل على الفور. لقد وقعوا اتفاقا ليغادروا وعليهم ألا يعاودوا مجددا احتلال" مناطق خاضعة للسيطرة الفلسطينية.
وتعتبر هذه التصريحات الأكثر تشددا ضد إسرائيل التي تصدر عن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش منذ تسلم رئيس الحكومة الاسرائيلية أرييل شارون السلطة في آذار/مارس الماضي.
وندد باول بـ "الهجمات الاستفزازية (للفلسطينيين) بقذائف الهاون" على سديروت التي لم توقع ضحايا لكنها أدت إلى تنفيذ العملية الإسرائيلية في قطاع غزة.
كما دعا مجددا الفلسطينيين إلى "الوفاء بالتزامهم بالتخلي عن الإرهاب والعنف والسيطرة على جميع عناصر منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية ومعاقبة من يخرق هذه الاتفاقات".
وأضاف وزير الخارجية الأميركي أن "الولايات المتحدة تشعر بعميق القلق لأحداث الأربعة أيام الأخيرة في الشرق الأوسط".
وذكر خصوصا الهجوم الذي شنه حزب الله على القوات الإسرائيلية في منطقة مزارع شبعا وعمليات الرد الإسرائيلية التي استهدفت مواقع سورية في لبنان.
وتابع إن "الوضع مهدد بمزيد من التصعيد الذي يثير خطر نزاع أوسع نطاقا. وندعو الأطراف إلى التحلي بأكبر قدر من ضبط النفس والعمل على خفض حدة التوتر واتخاذ خطوات لوضع حد للعنف فورا".
وقال "لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري لهذا النزاع" مضيفا أن الولايات المتحدة ما زالت مستعدة لمساعدة الأطراف المعنيين على استئناف الحوار واتخاذ تدابير لخفض العنف وربما وضع حد له.
وأثارت العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة استياء في العالم العربي ووصفها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بأنها "جريمة لا تغتفر".
وأعلنت مصادر دبلوماسية أن إسرائيل حاولت عبثا أمس الثلاثاء منع الولايات المتحدة من نشر بيان باول، وقال المصدر إن سفير إسرائيل في واشنطن وفي محاولة لمنع نشر بيان وزير الخارجية كولن باول الذي وصف فيه العملية الاسرائيلية بـ "المبالغ فيها وغير المتناسبة" في قطاع غزة، أبلغ مسؤولون أميركيون بأن الانسحاب الإسرائيلي أمر وشيك.
وقال مسؤول مقرب من المحادثات إن "الإسرائيليين اتصلوا بوزارة الخارجية لإبلاغها قرارهم الانسحاب من غزة والطلب إليها تعليق إصدار البيان".
وأضاف هذا المسؤول بأن الاتصال جاء قبل بدء الانسحاب الإسرائيلي ولكن مباشرة قبل أن يتلو المتحدث باسم الخارجية ريتشارد باوتشر بيان باول على الصحافيين خلال لقائه اليومي معهم.
وقال مسؤول أميركي آخر إن المحاولات الإسرائيلية "لم تنجح لأن (الولايات المتحدة) تريد أن يعرف العالم أن إسرائيل اجتازت الخط الأحمر بدخولها الى غزة".
وأوضح أن واشنطن كانت عازمة على نشر بيان حازم لأن إسرائيل عمدت أيضا على اجتياز "الخط الأزرق" الذي حددته الأمم المتحدة في لبنان بضربها هدفا سوريا في هذا البلد ردا على هجوم شنه حزب الله الشيعي.
وأضاف أن "الولايات المتحدة تريد توجيه رسالة قاسية إلى إسرائيل حول رد فعلها المفرط".
ولاحقا أشادت الولايات المتحدة الأميركية بالانسحاب الإسرائيلي، ولكنها حذرت الدولة العبرية من مغبة القيام بإجراءات متطرفة ضد الفلسطينيين في المستقبل حسب ما أعلن مسؤول أميركي كبير في وزارة الخارجية الأميركية أمس.
وقال مسؤول كبير في الوزارة فضل عدم الكشف عن هويته لوكالة "فرانس برس": "نحن مرتاحون لرؤية (الإسرائيليين) ينسحبون من غزة".
وأضاف "ما زلنا قلقين في الوقت نفسه من قيام إسرائيل برد متطرف على التحريض مثل الذي شاهدناه مؤخرا من قبل حزب الله ومن الجانب الفلسطيني".
وأوضح أن "تنظيم هذه الأوضاع يجب أن يؤدي بنا نحو السلام وليس المخاطرة بزيادة تأجيج الوضع".
ترحيب فلسطيني
رحب مسؤولون فلسطينيون اليوم بالضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية على إسرائيل لسحب قواتها من مناطق أعيد احتلالها في قطاع غزة .
ونقلت وكالة الأنباء الكويتية "كونا" عن صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين قوله إن انسحاب الجيش الإسرائيلي من قرية بيت حانون بناء على طلب أميركي يثبت قدرة الإدارة الأميركية على توظيف الضغط على الحكومة الإسرائيلية لإلزامها بالاتفاقيات الموقعة.
وأشار عريقات إلى أن المطلوب من الإدارة الأميركية هو الضغط على إسرائيل كقوة محتلة لمنعها من إعادة احتلال أراض فلسطينية في إطار العدوان المعلن من قبل الحكومة الإسرائيلية التي يقودها شارون ضد الشعب الفلسطيني.
وقال إن وقف هذا العدوان يجب أن يتم في إطار احترام وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي تلزم إسرائيل بالعودة إلى خطوط الرابع من حزيران عام 1967 حتى يتسنى بناء سلام حقيقي في الشرق الأوسط.
وفي السياق ذاته تساءل عريقات عن سبب إحجام الإدارة الأميركية عن الضغط على الحكومة الإسرائيلية في قضايا أخرى.
وقال إن المطلوب من هذه الإدارة بعد تجربة بيت حانون هو إلزام حكومة إسرائيل بالتوقف عن سياساتها الاستيطانية وتنفيذ الاتفاقيات المبرمة مع الشعب الفلسطيني ووقف عدوانها المستمر منذ سبعة أشهر.
وأضاف أن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب التزم في رسائل الضمانات التي قدمها للقيادة الفلسطينية بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية وعلى رأسها قرارا 242 و338.
ودعا عريقات الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الابن إلى تنفيذ ما التزمت به الإدارة الأميركية عندما دعت إلى مؤتمر مدريد للسلام.
وختم المسؤول الفلسطيني حديثه بالقول إن المهم أن ما جرى اليوم يثبت أن الإدارة الأميركية تملك قوة الضغط على الحكومة الإسرائيلية وعليها ممارسة الضغط ذاته لإلزامها بتنفيذ كل ما اتفق عليه والاستمرار في المسيرة السلمية التي يجب أن تحقق في النهاية مطالب الفلسطينيين العادلة.
وعلى نفس الصعيد رحب اللواء أمين الهندي رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية بالخطوة الأميركية، وقال الهندي: إن ما جرى يثبت أن بإمكان الإدارة الأميركية مساعدة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في الاستمرار في المسيرة السلمية.
وأضاف الهندي أن ما حصل اليوم يثبت أن إسرائيل لن تستجيب للمطالب الفلسطينية أو تنفذ قرارات الشرعية الدولية ما لم تتدخل الإرادة الدولية خاصة الأميركية.
وعبر المسؤول الفلسطيني عن أمله في أن تواصل الإدارة الأميركية تدخلها الإيجابي بالشكل الذي يدفع حكومة إسرائيل نحو تنفيذ كافة الاتفاقيات المبرمة ووقف عدوانها على الشعب الفلسطيني.
ساريد: حكومة شارون فقدت صوابها
ومن ناحية ثانية أثار العدوان الإسرائيلي على بيت حانون وتصريحات الجنرال يائير نافيه قائد قوات الاحتلال في غزة ردود فعل داخل إسرائيل، فقد قال زعيم المعارضة الإسرائيلية رئيس حركة ميرتس يوسي ساريد إن الحكومة الاسرائيلية برئاسة أرييل شارون فقدت صوابها وأخذت تنتهج سياسة متعرجة.
وأضاف ساريد في تصريحات إذاعية "أن الحكومة تحتل أولا مناطق في قطاع غزة بهدف الاحتفاظ بها ثم تنسحب منها فورا مؤكدا أن حكومة شارون " تستخدم القوة فقط ولا تفعل شيئا على الصعيد السياسي".
وأثارت تصريحات القائد العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة الجنرال يائير نافيه حول نية الجيش الإسرائيلي البقاء في قطاع غزة فترة طويلة ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية الإسرائيلية.
وطالب رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن التابعة للكنيست ران كوهين من حركة ميرتس بتشكيل لجنة تحقيق في الطريقة التي تم فيها نقل أوامر انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة.
وأكد كوهين أن نافيه لم يكن ليقول أمس أن القوات الإسرائيلية قد تبقى في القطاع أسابيع أو شهورا لو أنه لم يتلق توجيهات مسبقة بهذا الشان.
وقالت الإذاعة الإسرائيلية إن مسؤولين في ديوان رئيس الوزراء طالبوا بالتحقيق في موضوع إدلاء نافيه بهذه التصريحات.
وقال الوزير متان فلنائي من حزب العمل وهو جنرال سابق في الجيش الإسرائيلي إن قرار الانسحاب من قطاع غزة " منع نشوب خلافات مع جهات أخرى غير الفلسطينيين". لكن الوزيرة ليمور ليفنات من الليكود قالت "إن القوات الإسرائيلية ستواصل العمل في المناطق الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية طالما اقتضت الضرورة ذلك".
اعتقال فلسطينيين
ذكرت صحيفة هآرتس اليوم الأربعاء أن الجيش الإسرائيلي اعتقل الأسبوع الماضي فلسطينيين يشتبه بمشاركتهما في ضرب جنديين إسرائيليين حتى الموت في 12 تشرين الأول/أكتوبر الماضي في رام الله بالضفة الغربية.
وأضافت الصحيفة بدون مزيد من التوضيحات أن وحدة خاصة من الجيش أوقفت المتهمين الفلسطينيين عند حاجز قريب من رام الله.
وحتى الآن أحيل فلسطينيان متهمان بالمشاركة في ضرب الجنديين حتى الموت مطلع شباط/فبراير أمام محكمة عسكرية إسرائيلية.
وكان ضرب الجنديين ومقتلهما وكذلك الصور التي بثتها الصحافة لجثتيهما أثار الصدمة لدى الإسرائيليين وتعهدت الحكومة الاسرائيلية بأنها لن توفر جهدا لإلقاء القبض على المذنبين وإحالتهم الى القضاء.
وتعتقل إسرائيل 12 متهما إلى الآن بحسب هآرتس—(البوابة)—(مصادر متعددة)