لفت انتباهي التصريح التكتيكي الأخير لوزير الدفاع الإسرائيلي أليعازر يقول فيه:
الانتفاضة قد تستمر ست سنوات قادمات ..
هذا التصريح جعلني أجري مقارنة بين الانتفاضة السابقة والانتفاضة الحالية.
فالانتفاضة السابقة التي أكملت السبع سنوات تختلف اختلافا كليا عن الانتفاضة الحالية،
فالانتفاضة السابقة كانت في حقل فلسطيني مغلق وهذا لم يؤثر على المستوطنين، ولم يؤثر
على اليهود الذين يعيشون في تل أبيب وما حولها، ولم يؤثر كثيرا على السياحة، ولم يؤثر
كثيرا على الصناعة ولا على الزراعة الإسرائيلية، وأيضا لم يؤثر كثيرا على التجارة
الإسرائيلية، أما العمالة الفلسطينية فلقد استعاضت إسرائيل الكثير منها بعمالة وافدة
وخصوصا من دول أوروبا الشرقية، ولم تتأثر كثيرا الهجرة إلى فلسطين، ولم تحدث هجرة
عكسية، ولكن إسرائيل خسرت إعلاميا واهتزت صورتها في العالم، وبدأت إسرائيل تتغلغل في
الشارع الفلسطيني بواسطة عملائها حتى تم لها اختراق كافة التنظيمات، الأمر الذي سهل
لها حملات الاعتقالات. وعملت إسرائيل بواسطة تلك الاختراقات على ضرب الفلسطينيين
ببعضهم واغتالت إسرائيل العديد من الشرفاء واتهمتهم بالعمالة لها، ثم بدأت إسرائيل
تخلط الحابل بالنابل حتى أوصلت عامة الفلسطينيين في يوم من الأيام على أن يبغضوا
الانتفاضة، وكان ذلك لأن إسرائيل تسيطر على الأرض فتدخل أي مكان تريد وتداهم أي بيت
تريد، وتعتقل من تريد، وتصل إلى من تريد، وإذا حصلت على قوائم من خلال اختراقات أو
اعترافات داهمت أحياء بأكملها واعتقلت الشباب بالمئات أو العشرات، فالأرض غير محرمة
عليها وكل الأحياء تحت سيطرتها إن أرادت ذلك.
أما الانتفاضة الحالية فإنها تختلف اختلافا كليا عن سابقتها.. فالأرض ليست تحت سيطرة إسرائيل والجيش الإسرائيلي محرم عليه دخول المدن الفلسطينية، وهو لا يستطيع الاعتقال أو المداهمة في الليل أو النهار،
وقيادة الشعب الفلسطيني عادت من الشتات لتكون في وسطه لتحرك العالم له وهي تعيش فيه،
ولتجعل من الأراضي الفلسطينية المحررة أراضي دولة مستقلة ممنوعة على غير الفلسطينيين وقواتهم، وهذا الأمر يجعل التخطيط للانتفاضة والمقاومة في مأمن عن قوات العدو ومداهماته، ويجعل التدريب أسهل، والفلسطينيون كلهم امتلكوا السلاح وأكثره تم شراؤه من عدوهم وبعضه جلبوه من الخارج وبعضه صنع بالخبرة والذكاء حتى أصبحت المدن الفلسطينية غابة من البنادق وأصبح للفلسطينيين أجهزة أمنية تمنع التجاوزات أو السرقات أو المشاكل الداخلية وتلاحق العملاء فأصبح العملاء يتقلصون بينما في
الانتفاضة السابقة كانوا باستمرار يزدادون.
في هذه الانتفاضة تقلصت الخلافات إلى حد الوحدة الوطنية، وفي الانتفاضة السابقة ازدادت الخلافات حتى أصبحت عامة على كل المستويات، حتى على المستوى العائلي عدا عن المستوى التنظيمي.
في الانتفاضة السابقة لم يكن هناك بديل مالي للمواطن الفلسطيني ولكن في هذه
الانتفاضة هناك مائة وعشرون ألف موظف عسكري ومدني تتكفل السلطة بإعطائهم رواتب
شهرية ولم ينقطع ذلك ولا في أي شهر من الشهور.
في الانتفاضة السابقة حدث في فلسطين سبع عمليات نوعية، في هذه الانتفاضة التي لم
تكمل العام فقد حدث أكثر من ثماني عشرة عملية نوعية، ولقد اعترفت إسرائيل أن
المقاومة الفلسطينية نفذت ما يزيد على 6 آلاف عملية عسكرية فلسطينية من عبوات ناسفة
وإطلاق قذائف الهاون وقتل مستوطنين وغير ذلك.
في الانتفاضة السابقة لم يهرب ولا مستوطن يهودي من مستوطنته، في هذه الانتفاضة
هرب أكثر المستوطنين من مستوطناتهم وكل الذين يعيشون بالقرب من المستوطنات يقولون
قليلا ما نرى أي سيارة تمشي في الشارع للمستوطنين.
في الانتفاضة السابقة لم تحدث هجرة عكسية، في هذه الانتفاضة أعلن مركز الهجرة
اليهودية في نيويورك عن هجرة مليون يهودي قبل شهرين من هذا التاريخ وفي خبر لاحق
أعلنت إسرائيل أنها فتحت سبع مراكز في أوروبا للملمة الاحتياطي الإسرائيلي وإرجاعه
إلى فلسطين المحتلة عدا عن الأخبار التي تسربت بأن إسرائيل منعت مغادرة أي شخص
يهودي إلا بتصريح من الداخلية الإسرائيلية.
في الانتفاضة السابقة لم تتأثر السياحة الإسرائيلية إلا الشيء اليسير، في هذه
الانتفاضة تكاد السياحة أن تكون توقفت إلى داخل الكيان، وأعلنت شركة العال
الإسرائيلية أن خسائرها تقدر بـ 160 مليون دولار خلال الانتفاضة.
في الانتفاضة السابقة لم يعش المجتمع الإسرائيلي برعب إلى درجة الجنون ولكنه الآن
يعيش ذلك.
في الانتفاضة السابقة لم يدمر الاقتصاد الإسرائيلي ولكنه الآن يدمر.
في الانتفاضة السابقة لم يكن هناك معالم دولة قادمة ولكن هذه الانتفاضة هي في دولة
تحاول أن تضم بعضها إليها وتحاول أن تفك الحصار وتعلن الاستقلال.
وهنا نعود إلى تصريح بن أليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي ماذا أراد من خلال تصريحه
بأن الانتفاضة الفلسطينية قد تستمر ست سنوات أخرى، لقد رأى وزير الدفاع
الإسرائيلي المحبط والبائس أن ينقل يأسه إلينا فهو يريد أن يقول لنا إننا لن نتنازل
لكم أيها الفلسطينيون حتى لو خضتم انتفاضة كالانتفاضة السابقة مدتها سبع سنوات إذ
يعني أن تستمر الانتفاضة ست سنوات أخرى يعني أن إسرائيل لن تتنازل، فمبرر استمرار
الانتفاضة هو عدم تنازل إسرائيل وطالما أن إسرائيل تحمل هذا الموقف المتصلب طالما
الانتفاضة مستمرة وتصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يدل على عكس حقيقته تماما ويدل على
مدى المكابرة التي تخفي وراءها الإحباط في القيادة الإسرائيلية مثلما هي في الشارع
الإسرائيلي، فهل إسرائيل تستطيع أن تصمد بضعة أشهر أخرى.
وأنا وضعت المقارنة بين الانتفاضة السابقة والانتفاضة الحالية حتى أؤكد أن سبعة
أشهر من هذه الانتفاضة المصحوبة بالمقاومة خسرت إسرائيل أكثر من السبع سنوات في
الانتفاضة السابقة سواء على صعيد الهجرة المعاكسة أو على الصعيد الاقتصادي أو على
الصعيد السياسي أو على الصعيد الإعلامي. فهذه الانتفاضة التي لم تتجاوز عاما واحدا
قد دمرت المجتمع الإسرائيلي وجعلته يتأكد أن الأرض ليست له وأن أصحاب الأرض يجعلون
من أنفسهم قنابل حتى يجعلوا من حياته جحيما أو يهرب بجلده، هذه الانتفاضة أعادت
اللحمة بين قضية فلسطين وبين العرب والمسلمين، هذه الانتفاضة وضعت الدولة
الفلسطينية وعاصمتها القدس على الخريطة السياسية، هذه الانتفاضة أعادت البعد
الديني لقضية فلسطين وأعادت المسجد الأقصى جزءا من عقيدة المسلمين.
ويقول لي صاحبي أين العرب وأين المسلمون؟ وأقول له مشكلتنا أننا ننسى، ألم تشاهد بعد شهر من
الانتفاضة المظاهرات التي قوامها 2 مليون شخص في إندونيسيا والذين اعتصموا أمام مقر
الأمم المتحدة في جاكارتا والذين أبلغوا كل الأجانب في الفنادق أن أمامهم أسبوعا على
مغادرة إندونيسيا ثم هل نسينا المظاهرات في ماليزيا والتي كانت بمئات الألوف
والمظاهرات في الباكستان وفي بنغلادش وحتى في تركيا وهل نسينا أن عُمان لأول مرة
تشهد مظاهرة في حياتها وكذلك دول الخليج.
أجابني صاحبي: فما الفائدة لقد ناموا بعدها؟
فقلت له هل أنت تمتاز من الغيظ بسبب ما يحدث في فلسطين فقال لي بل أكاد أتفجر. فقلت
له ولماذا لا تنزل إلى الشارع وتعمل مظاهرة؟ فقال لي سوف يقمعونني. فقلت له وكذلك كل
شعوب العالم العربي والإسلامي مثلك يكادون أن ينفجروا ولا ينزلون للمظاهرات ولكن
القاعدة العلمية تقول الضغط يولد الانفجار هذا عدا عن بعض التعتيم الإعلامي لبعض
المظاهرات التي تحدث أحيانا في بعض الدول.
ويسألني آخر ويقول: ألا ترى أن المقاومة تشكل خطرا على الانتفاضة فقلت له ألا ترى
معي أن شارون الذي اجتاح لبنان بحجة أن منظمة التحرير حاولت اغتيال سفير إسرائيل في
لندن فهل يحتاج حجة أكبر من عمليات القدس وتل أبيب الإستشهادية حتى يجتاح مناطق
السلطة الفلسطينية ولكنه لم يفعل لأنه خائف من المقاومة الفلسطينية ثم إن شارون بعد
عملية القدس الأخيرة فعل أقسى ما في جعبته. فقال لي صاحبي ولكنه اجتاح جنين فقلت له
ولماذا لم يمكث سوى أربع ساعات ؟ قال لي : لأنه لا يريد أن ينهي الاتفاقيات. فقلت له
بل هو خائف من المقاومة فليس العبرة بالدخول إلى المدن ولكن العبرة في إنهاء
المقاومة في المدن وإلا فإن الجيش الإسرائيلي سيكون قد دخل إلى المصيدة برجليه، ثم
إذا كان شارون حريصا على الاتفاقيات فلماذا دخل أبو ديس ولم يخرج منها ؟! وذلك فقط
بسبب أن أبو ديس هي منطقة "ب" أي يعني أن القوات الفلسطينية غير موجودة فيها ولذلك لم
تحدث مقاومة. إذاً واضح أن المقاومة خلقت لنا من أبسط الأسلحة توازنا استراتيجيا في
السلاح.. فإسرائيل تمتلك ألـ إف16 ونحن نمتلك القنابل البشرية، وكلما دمرت إسرائيل
البيوت بالطائرات والمدافع وكلما اغتالت الشباب كان الثأر والانتقام والعمليات
الاستشهادية حتى أصبحت إسرائيل رغم كل ما تظهره من مكابرة لتعكس الحقائق على الأرض
إلا أنها تحسب ألف حساب لكل عملية قصف أو اغتيال لأن الرد سيكون حتميا.
ولذلك فإن كل تحليل سياسي لا يعرف المعطيات على الأرض يصب أحيانا في خدمة الأعداء
بدون قصد. ولقد أثار انتباهي قبل فترة بعض المحللين السياسيين الذين أقحمتهم الصدفة
أو العمل الوظيفي بالتحليل السياسي بمعنى أنه ليس من الضروري أن أكون صاحب مكتبة
حتى أكون كاتبا أو أن أكون إعلاميا حتى أكون محللا سياسيا ، أحد هؤلاء المحللين الذين
ظهروا على بعض الفضائيات واسمه عثمان عثمان يقول إن أخطر ما يواجه الانتفاضة هي
العمل المسلح الذي يجب الابتعاد عنه بل يجب على طلاب المدارس الذين يخرجون في
الانتفاضة أن يضعوا كتبهم فوق رؤوسهم. وكلام عثمان عثمان إن دل على شيء فإنما يدل
على جهل كامل بما يدور على الأرض، ولقد سمعت لعثمان عثمان مناظرة بينه وبين أحد
المسؤولين الإسرائيليين على تلفزيون أبو ظبي حول قصة الهيكل، وكان الشيء المضحك
المبكي أن عثمان عثمان لا يعرف شيئا عن الهيكل ويعتقد أنه كان موجودا عام 1920 وحينما
يتحدث الإسرائيلي عن الهيكل المزعوم قبل ألفي سنة يرد عليه عثمان بقرارات
الأمم المتحدة وقرارات التقسيم، ثم تكلم عثمان عثمان جملة كشفت أنه لا يعرف أي شيء
عن الهيكل بل إنه يعتقد أن الهيكل هو حائط البراق ويقول عثمان عثمان لما هدم الهيكل
الثالث في حائط البراق بفتح الباء وتشديد الراء فيرد عليه الإسرائيلي أنت خربطت
التاريخ فلا يوجد هناك هيكل ثالث والهيكل الأول هدم زمن نبوخذ نصر والهيكل الثاني
هدم زمن الرومان. وإلى هذا الحد وصلت تفاهة بعض المحللين السياسيين الذين نشاهدهم
على بعض القنوات الفضائية وأتذكر أحدهم وهو الدكتور غسان الخطيب وكان قد حضر إلى
عمان قبل الانتفاضة بشهر أو شهرين وذهبت لأحضر له محاضرة في منتدى شومان فإذا به
يؤكد أنه لن تحدث أي انتفاضة جديدة ضد إسرائيل وذلك لأن اليهود انسحبوا من المدن
فمع من ينتفض الفلسطينيون. ثم إن إسرائيل أخذت السلام وتم لها ما تريد وانتهى الأمر.
فقمت وقلت له إن الانتفاضة مع المقاومة قادمة لا محالة وواهم أنت إذا اعتقدت أن
إسرائيل أخذت السلام ولكن الدكتور غسان الخطيب حتى لو أخطأ هذا الخطأ إلا أنه يخطئ
ويصيب بالتحليل السياسي كبقية البشر عكس بعض الأشخاص الذين يخطئون ولا يصيبون حتى
لو كانت أسماؤهم بارزة. وأتذكر من ضمن تلك الأسماء اللامعة أيضا إدوارد سعيد في
مقابلة مع إذاعة لندن بعد الانتفاضة بأسبوعين يؤكد أن هذه الانتفاضة هي ضد السلطة
وليست ضد إسرائيل ولكن الإعلام يحرفها.
شخص آخر يعيش في أميركا وله مركز إعلامي واسمه محمد ربيع التقيت به في نادي الفيحاء
وطلب مني أن يزور رئيس المجلس الوطني الفلسطيني لأنه كان صاحبه قبل ثلاثين سنة
وأخذت له الإذن بذلك وطلب من أبو الأديب أن يعمل محاضرة لبعض أعضاء المجلس الوطني
الفلسطيني فإذا به أثناء المحاضرة يقول إن أوسلو أفرزت سلطة فاسدة وأنا أرى أننا
دخلنا نفقا مظلما لا أرى من خلاله أي نور. فرددت عليه وقلت له أنا من أشد الناس
المعارضين في المجلس الوطني ولكني أرى في أوسلو عكس ذلك فأوسلو أوجدت اتفاقية مبادئ
من أجل السلام وليس اتفاقية سلام، ومن خلال اتفاقية المبادئ التي لم تعد تلزم بأي
شيء فإنه دخل إلى فلسطين 250 ألف فلسطيني ودخل 10 آلاف يعملون مع منظمة التحرير
كانوا يقارعون إسرائيل من الخارج فأصبحوا يقارعونها من الداخل، فما الخسارة في ذلك
وما الخسارة أن تنسحب لنا إسرائيل من المدن الفلسطينية دون أي اتفاقية سلام وما
الخسارة في أننا نسيطر على الأرض التي نقف عليها فنفعل ما نريد ونرسم ما نريد ونخطط
لما نريد، ثم ألم تسمع باراك الذي يقول إن الفلسطينيين هربوا عشرات الألوف من قطع
الأسلحة، فلو كانت الأرض ليست تحت سيطرتنا فكيف سنفعل ذلك. ثم قلت له كيف أنت رجل
إعلامي وتقول أننا خسرنا المعركة الإعلامية، فهل صورة محمد الدرة هزيمة في المعركة
الإعلامية وهل صورة تدمير البيوت وقلع الأشجار وقتل النساء والشيوخ والأطفال هزيمة
في المعركة الإعلامية؟ ولكن إذا كنت تعتقد أن الانتصار الإعلامي يأتي من خلال بعض
المقالات هنا وهناك في الصحف الأميركية فهذا كلام لا قيمة له ولكن الصورة لوحدها
دون أي تعليق هي التي جلبت لنا النصر الإعلامي الذي حرك العالم الإسلامي من جاكارتا
إلى الرباط ثم رددت على اقتراح منه يطالب فيه من الحضور أن يعملوا معه حكومة في
المنفى. فقلت له من أنت ومن نحن وهل تريد أن تكافئ القيادة وأبو عمار على صموده في
وجه أميركا وإسرائيل بأن تعمل له حكومة في المنفى؟ وهل تريد أن تكافئ أبو عمار وهو
الرئيس الوحيد الذي تحشره أميركا عندها ولا تستطيع أن تنتزع منه قرارا بالرغم من أن
أميركا تحرك العالم على الهاتف لم تستطع أن تركع عرفات وهو عندها تريد أن تزاود
عليه، وبعدها عاتبني أبو الأديب وقال لي: لماذا أحضرت لي هذه الأشكال؟! فقلت له وما
يدريني ماذا يدور بداخله.
والآن أعود للعنوان الرئيسي وهو السياسة بين الاستراتيجية والتكتيك. فأقول إن الذي دفعني لأن أحلل قضية التكتيك والاستراتيجية في السياسة أن المحللين السياسيين الذين دائما يذكرون كلمة استراتيجية لا يعرفون معناها أو مضمونها السياسي فلذلك سأدخل في تفسير هذا المصطلح مع الدخول في دينماكية العمل في القضايا الاستراتيجية والتكتيكية في السياسة.
وهنا أبدأ بتبسيط الأمور ما هي القضايا الاستراتيجية بالنسبة للإنسان والتي لا يسمح
الإنسان لأحد آن يمسها أو أن يصارعه عليها ؟ الجواب الماء والغذاء والهواء.
السؤال الثاني: ما هي الاحتياجات الاستراتيجية للإنسان؟ والجواب هو الرزق والعمل، السكن والوطن والأسرة والاستقرار.
وهنا أختصر كل شيء وأدخل مباشرة إلى السؤال التالي: ما هي القضايا الاستراتيجية بالنسبة للكيان الإسرائيلي؟
1- السكان اليهود 2- السلاح القوي 3- الاقتصاد القوي.
ثم أسأل السؤال التالي: ما هي الاحتياجات الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي ليتمكن من جلب المهاجرين اليهود وبقائهم في فلسطين؟
الجواب: الاستقرار الأمني بمعنى أن لا يمس الأمن الشخصي لأي فرد يهودي يعيش في فلسطين.
والاستقرار العسكري بمعنى أن لا يقضي اليهودي شبابه وهو في الاحتياط العسكري.
والاستقرار الاقتصادي بمعنى أن يبقى اقتصاد الفرد اليهودي يتطور وينمو دون أن
يتراجع أو أن يكون عرضة للنكسات الاقتصادية أو عرضة للتقلبات السياسية.
الاستقرار السياسي أي بمعنى أن يشعر اليهودي أنه فعلا في وطنه وليس أنه لص سرق
أراضي الناس الآخرين واغتصب بيوتهم، فبقاء الناس هؤلاء خارج أوطانهم يطالبون بالعودة
لها ومقارعة إسرائيل بالمحافل السياسية الدولية يولد لكل يهودي حالة من عدم الاستقرار السياسي.
إذاً القضايا الاستراتيجية لا تقبل التكتيك والمناورة، والقضايا الاستراتيجية تبين
أن الذي يمسها أي يحاول ضربها هو بالتأكيد لا يمكن إلا أن يكون عدوا استراتيجيا لصاحب
هذه القضايا فلا يمكن لأي زعيم أو جماعة أو حركة تعمل ضد استقرار إسرائيل السياسي
والعسكري والأمني والاقتصادي لا يمكن إلا أن يكون هؤلاء هم أعداء إسرائيل حتى لو
كانت أقوالهم عكس ذلك.
ولكن الذين يطالبون أن نترك مقاومة إسرائيل للأجيال أو أن يعتبر الشعب الفلسطيني
نفسه أسيرا فلا يخرج لمقاومة العدو أو الذين يشككون بالذين يقاتلون إسرائيل أو الذين
يؤلهون أميركا وبريطانيا بأنها هي التي تعلم ما تحمل الأرحام وما تخفي الصدور
والذين ينطلقون بالغباء الكامل بتحليلاتهم السياسية دون أن يدركوا معنى التحليل
السياسي وعليها يبنون مواقفهم في الحكم على الأمور كأن يقول أحدهم أميركا تسيطر على
العالم فلماذا إذاً سمحت بالثورة الفلسطينية؟ والجواب هنا صحيح أن أميركا أقوى دولة
في العالم لكنها لا تسيطر على الأرض أبدا وإلا لما وجدنا أميركا تضرب لها سفاراتها
وتضرب لها قواعدها في الخبر وتضرب لها البارجة كول دون أن تعرف من أين تأتيها
الضربة ثم إن الثورة الفلسطينية حينما انطلقت وجدت لها غطاء دوليا وهي قرارات الأمم
المتحدة التي تطلب من إسرائيل الانسحاب وليس من الفلسطينيين وقف ثورتهم ووجدوا من
قرارات الأمم المتحدة التي تجيز للشعوب مقارعة المحتل غطاء آخر. إذًا هناك ضوء أخضر
عالمي استفادت منه الثورة الفلسطينية للاستمرار بالعطاء، أما المشككون بكل من يعمل
ضد إسرائيل فهؤلاء هم حلفاء إسرائيل من حيث لا يدرون أو يدرون ولقد ضللتهم قياداتهم
حتى أصبحوا مصابين بمرض الشك وحتى أصبحوا أدوات للتخريب الفكري وحرب الإشاعات،
هؤلاء الذين يسخرون أنفسهم في سبيل الشيطان حتى إن الذين خربوا لهم فكرهم يجعلونهم
يجمعون المال القليل لطباعة أفكارهم التخريبية لينشروها بين الناس، وهؤلاء ينطبق
عليهم قول الله تعالى (قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة
الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) فهؤلاء أصبحت وظيفتهم بالمجتمع هي التثبيط
والتشكيك ومنع الناس أن تثق بالمجاهدين أو المستشهدين أو الذين يتصدون لأميركا أو
الذين يقارعون إسرائيل سواءً سياسياً أو عسكرياً أو أمنياً حتى تستقر إسرائيل وهم
يعتقدون من خلال تحليلاتهم الخاطئة والخطيرة أن الناس ساهية وهم الواعون الماشون
على الطريق الصحيح. وبعضهم يقول إن الجهاد لا يجوز إلا خلف جيش إسلامي وخليفة وهذا
مخالف للشرع تماما فمثلما الجهاد خلف الخليفة والجيش فرض مثلما هو فرض في غياب
الجيش والخليفة فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا
يبطله عدل عادل ولا جور جائر حتى أن المرأة تخرج من دون إذن زوجها والولد يخرج بدون
إذن أبيه أي يعني أن الجهاد لا يحتاج إلى حاكم عادل ولا لإذن من رئيس أو قائد أو أب
أو أم أو زوج والله تعالى يقول (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم
وأنفسكم لعلكم تفلحون) ، فلذلك الثورة الفلسطينية هي العدو الرئيسي لإسرائيل لأن
هذه الثورة هي التي حرمت إسرائيل طوال خمسة وثلاثين عاما من الاستقرار العسكري
والأمني والسياسي ومن ثم الاقتصادي ولذلك بقي عدد اليهود الذين جاءوا إلى فلسطين
محدودا ولم يأت الخمسة عشر مليون الذي كانت تعمل على جلبهم الحركة الصهيونية وهذا
بسبب عدم الاستقرار داخل الكيان الإسرائيلي؛ إذ لو كان الكيان مستقرا لجاء الخمسة عشر
مليون يهودي إلى فلسطين بملياراتهم ولقويت الدولة ولأن الاستقرار يولد القوة ويزيد
في الطموح والنجاح فإن إسرائيل أمام هذا الاستقرار ستطرد بقية الفلسطينيين من
فلسطين وستتوسع خارج فلسطين وستخطط بأجواء من الهدوء للسيطرة على العالم بأسره
وأوله العالم العربي وذلك لأنها لم تجد أحدا يتصدى لها أو يشاغلها داخليا وخارجيا.
هذه إذاً القضايا الاستراتيجية فما هي القضايا التكتيكية ؟
القضايا التكتيكية، فأكثر ما يشرحها لعبة كرة القدم فلاعب الكرة يطير الكرة أحيانا بعيدا إلى لاعب
الدفاع القريب من المرمى الذي يخصه وهو يقصد بذلك إعادة التشكيل والتخطيط من قبل
لاعبيه حتى يتمكنوا مرة أخرى من ترتيب مواقعهم وليتمكنوا من تمرير الكرة مرة أخرى
باتجاه مرمى الخصم وهذا يسمى الانسحاب التكتيكي، ولنا في التاريخ عبرة فصلح الحديبية
أراد الرسول صلى الله عليه وسلم منه أن يكون صلحا تكتيكيا وسماه صلح الدنية وكان من
ضمن التكتيك الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اعترض سهيل بن عمرو على
كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترض عمر بن الخطاب على ذلك إلا أن الرسول صلى
الله عليه وسلم وهو الأمي قال لسهيل أين هي فقال له هنا فمسحها بإصبعه وهذا عمل
تكتيكي أراد به الرسول صلى الله عليه وسلم غاية استراتيجية وهو تقوية المسلمين على
الأرض ونشر الدعوة والتدريب والاستعداد للأيام القادمة.
وكذلك أنا أقول للذين يقولون أن أوسلو هي مصيبة علينا أقول لهم بل هي مصيبة على
اليهود: فأولا أوسلو هي ليست اتفاقية سلام ولكنها اتفاقية مبادئ من أجل السلام وفيها
بند يقول أنه بعد الانتهاء من المرحلة النهائية تعلن الدولة الفلسطينية وعاصمتها
القدس وحسب قرارات الشرعية الدولية أي يعني قرار 242 ، 338 أي عودة اللاجئين
والانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران، إذاً أوسلو عمل تكتيكي أدخلنا بواسطته القوات
الفلسطينية إلى داخل فلسطين لتقارع اليهود من داخل الوطن وبواسطة أوسلو عاد مائتان
وخمسون ألف فلسطيني، ومن خلال أوسلو تدرب الشعب الفلسطيني وتسلح، وفي المقابل لم تأخذ
إسرائيل السلام، ولقائل أن يقول إن أوسلو تسببت في اعتقال الشباب الفلسطينيين من
قبل القوات الفلسطينية فأقول له هذا اعتقال تكتيكي أُجبرت عليه المنظمة حتى تأخذ ما
لها من أراض حسب الاتفاقيات فهي أرادت أن تمنع الفوضى في زمن الأخذ وهي تشرف الآن
على الفوضى، المنظمة في زمن المقاومة والانتفاضة والرسول صلى الله عليه وسلم في
صلح الحديبية كان عنده شرط أُجبر عليه وقبله تكتيكيا وهو أن الذي يهرب عنده من قريش
يعيده إلى قريش وكان صلح الحديبية هو الذي مهد الطريق لفتح مكة.
إذاً القضايا التكتيكية مسموحة بالإسلام بل هي سُنة فعلها الرسول صلى الله عليه
وسلم. ولسائل أن يسأل والمفسدون في السلطة هل كان حول الرسول صلى الله عليه وسلم
مفسدون؟ فأقول له نعم لقد كان حول الرسول صلى الله عليه وسلم منافقون وكانوا ثلث عدد
المسلمين في المدينة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفهم بأسمائهم، فالمنافقون
هم أشبه الناس بالمفسدين ،ثم إن الأمور الآن تفرز فرزا استراتيجيا (وأما الزبد
فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
وملخص الكلام أن أوسلو عمل تكتيكي مسموح به بالإسلام يصب باتجاه عمل استراتيجي. ولمزيد من الإثبات على ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "الحرب خدعة" والخدعة عمل تكتيكي وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لنعيم: (خذل عنا يا نعيم) أي استعمل الخدعة لكي تخفف عنا. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنا لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم) ، فهذا أيضا عمل تكتيكي
وكما قلنا سابقا أيضا صلح الحديبية وهو أيضا عمل تكتيكي صب لصالح عمل استراتيجي.
ولذلك علينا حينما نحكم على الأمور أن نرى كل المعطيات على الأرض وأن نفهم السياسة
من ديننا وأن نفرق بين الأعمال الاستراتيجية والتكتيكية. ولسائل أن يسأل أيضا لو
أخذنا كامل الضفة وغزة على أساس القرارات الشرعية الدولية فهذا حرام لأن فيه تنازلا
عن بقية فلسطين. فأقول له بل هو قمة الحلال لأنه لا يوجد أحد معه صك يجعل من هذا
التنازل حقيقيا إلا رب العالمين وعلى هذا فإن فلسطين ليست ملكا لزعيم وهي جزء من
عقيدة المسلمين، ولهذا فعلى السائل أن يكمل الطريق ولا أحد يقف أمامه ما دامت
الشهادة غاية عند المسلمين، وعلينا أيضا أن ندرك أن قضية المقاومة والتحرير هي قضية
تراكمية ولا تأتي من فراغ أو بفعل ساحر، فالمقاومة كما قلنا تمنع عن العدو الاستقرار
وتضعفه ولا تقويه، أما الذين يدعوننا أن نعتبر أنفسنا أسرى ولا نقاوم العدو فهؤلاء
يريدون للعدو أن يستقر بأرضنا وهم يخدمون أعداءنا من حيث لا يدرون.
وآخر يسأل وماذا عن القيادة ولو أراد المسلمون أن يكونوا دقيقين في العمل وراء
الحكام المسلمين في التاريخ لما تبع مسلم أي حاكم بعد انتهاء الخلافة الراشدة وذلك
لأن أكثر الحكام خالفوا القواعد الأساسية للحكم في الإسلام، فالخلافة في الأساس ليست
وراثية ولكن الأمويين وما بعدهم جعلوها وراثية.
وكان أكثر الخلفاء والحكام يعيشون في بذخ وترف وقصور فارهة. وكل هذا لم يمنع
المسلمين من مبايعتهم والقتال خلفهم وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن
الجهاد أنه لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر وإذا استنفرتم فانفروا، ولذلك بقيت
ديار الإسلام مصونة وحتى إذا احتلت قطعة من أرض الإسلام كان الجهاد يبقى دائرا فيها
وكان المسلمون في مد وجزر لكنهم كانوا أعظم الأمم وأرقاها.
إذاً الذين يضعون شروطا للجهاد وصفات خاصة للمجاهدين هم مجرد مثبطين لا أكثر بدليل
أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (يغفر للشهيد بأول دفقة من دمه حتى لو كانت
كزبد البحر) وحينما تكون الذنوب كزبد البحر يكون الإنسان بصفاته فوق الفجور وبالرغم
من ذلك فإن الله يغفر له ذنوبه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهناك بعض المحللين السياسيين يخلطون الأمور التكتيكية بالأمور الاستراتيجية وذلك
من خلال عدم التمييز أن هذه قضية تكتيكية وهذه قضية استراتيجية، فأول ما يسمع تصريح
لأحد القيادات فإنه يأخذه على محمل الجد ويبدأ يتعامل معه على أساس أنها أمر قائم
أو سيقوم فيخلط الحابل بالنابل ويتيه ويتوه بعض الناس معه. ولسائل أن يسأل كيف نميز
بين العمل الاستراتيجي والتكتيكي إذا كانت بعض الأمور تكون غامضة ؟ فنقول له كما
قال الرسول صلى الله عليه وسلم (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات) فكما
قلنا سابقا الذي يمس القضايا الاستراتيجية للعدو وهي الاستقرار الأمني والاستقرار
العسكري والاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي ويكون كل كلامه عكس ذلك أو لا يدل
على ذلك فنثق به لأننا نعتبره في وضع تكتيكي مناور وأما القادة أو الدول التي تحافظ
على القضايا الاستراتيجية للعدو مثل الاستقرار الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي
فهذه دول حليفة للعدو حتى لو قالت عكس ذلك، أي بمعنى أن العمل على الأرض يحدد لي
الاتجاه الصحيح للقادة أو الدول.
وبوضوح أكثر لا يمكن أن نقارن الفلسطينيين الذين كانوا خارج وطنهم ويعاملون كضيوف
وهناك تخل واضح عنهم من قبل أشقائهم لا يمكن أن نقارن أي مناورة أو تكتيك سياسي
لهم بأي عمل سياسي حتى لو أخذ طابع التكتيك للدول العربية التي تمتلك الجيوش
والتسليح والطائرات والغطاء الجوي والاقتصادي والحدود المستقلة ولا ينامون بالعراء
وليسوا بحاجة لأي سلام تكتيكي مع عدوهم فهنا لا يمكن أن نقارنهم بالفلسطينيين بل
على العكس يجب أن يكون موقف تلك الدول في أضعف الإيمان وأسوئها على الإطلاق هو ربط
أي حوار مع العدو من خلال تحقيق المكاسب للفلسطينيين، هذا إذا تعاملنا مع الأمور
ببراءة وبساطة.
مأمون أسعد التميمي
عضو المجلس المركزي الفلسطيني
