سخرت بغداد من الادلة التي ساقها وزير الخارجية الاميركي، كولن باول، امام مجلس الامن، لاثبات اخفائها اسلحة محظورة واقامتها علاقات مع القاعدة. ودوليا، فقد بدا ان هذه الادلة جاءت بنتائج معاكسة لما توخته واشنطن، حيث توافقت مواقف الدول دائمة العضوية في المجلس على ضرورة دعم عمليات التفتيش، ووضع الخيار العسكري ضد العراق في نهاية قائمة الخيارات.
وتالفت الادلة التي عرضها باول امام جلسة خاصة لمجلس الامن من تسجيلات وصور لمنشات وخرائط زعم انها تثبت اخفاء بغداد اسلحة محظورة.
وشارك في الجلسة بالاضافة الى باول 11 وزير خارجية، وحضرها امين عام الامم المتحدة كوفي انان.
وقد وصف عامر السعدي مستشار الرئيس العراقي صدام حسين للشؤون العلمية في مؤتمر صحفي ان العرض الذي قدمه باول بانه كان نموذجا "للاستعراض الاميركي مع المؤثرات الخاصة". وقال ان مستوى الافكار التي طرحت اقل من ان تأتي على لسان دولة تقود العالم الان.
واضاف ان ما قيل الاربعاء موجه للعامة وبخاصة العسكريين للتأثير على آرائهم ومن اجل شن "عدوان" على العراق.
وشدد السعدي على ان التقرير الذي قدمه العراق في ديسمبر كانون الاول لمجلس الامن هو "دقيق وحقيقي بنسبة مئة في المئة."
ووصف مزاعم باول بان العراق يجري أنشطة محظورة بانها مجرد "محاولات تتعمد النيل من عمل المفتشين".
ونفى السعدي اتهامات باول بانه عضو في لجنة رفيعة المستوى تشكلت من اجل خداع المفتشين. واضاف ان اوامره منذ بداية استئناف اعمال التفتيش تشهد على كل شيء.
واشار السعدي الى ان المحادثات التي سجلت بين الضباط العراقيين يمكن تزويرها بسهولة وان اي ضابط مخابرات من الدرجة الثالثة يمكنه عمل مثل هذه التسجيلات التي هي ببساطة غير حقيقية وغير اصلية.
واشار الى ان اشكالية طائرات الاستطلاع (يو ٢) التي طلبتها الامم المتحدة يمكن حلها بسهولة فالولايات المتحدة وبريطانيا بحاجة الى وقف طلعاتهما الجوية فوق منطقتي حظر الطيران لمدة ساعات قليلة يمكن خلالها لهذه الطائرات التحليق داخل المجال الجوي العراقي.
ومن ناحيته، وصف وزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف الصور التي التقطتها اقمار صناعية لبرامج اسلحة محظورة وعرضها باول على مجلس الامن يوم الاربعاء بأنها "لا تختلف بشيء عن أفلام كارتون".
واضاف "نستطيع ان نقول بكل ثقة ان ما تحدث به وما قدمه من
واضاف "نستطيع ان نقول بكل ثقة ان ما تحدث به وما قدمه من مزاعم اسماها ادلة فيما يتعلق باسلحة الدمار الشامل او عن علاقة مزعومة بين العراق وتنظيمات القاعدة.. نستطيع ان نؤكد ونجزم بانها ادعاءات ومزاعم فارغة وبانه لا يوجد فيها شيء جديد عما هو وارد في تقارير السي اي ايه."
وقال الصحاف ان وزير الخارجية العراقي ناجي صبري سيبعث برسالة الى الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان يوم الخميس يرد فيها على "مزاعم واكاذيب" باول.
وبدوره، قال سالم الكبيسي رئيس لجنة العلاقات العربية والدولية في المجلس الوطني (البرلمان) ان ادلة باول اكاذيب وتلفيقات لا يوجد دليل مادي عليها وتستهدف ايجاد مبرر "لعدوان عسكري" على العراق.
وأفاد الكبيسي ان الرد الحقيقي على المزاعم الامريكية يجب ان يجيء من مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة الذين يستطيعون زيارة كل المواقع بحرية تامة.
وقبل ذلك، سخر المندوب العراقي لدى الامم المتحدة محمد الدوري من "المزاعم" الاميركية التي وردت على لسان باول واعتبرها مختلقة و"تثير الضحك"، مؤكدا ان العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل.
وقال السفير محمد الدوري ان ما عرضه وزير الخارجية الاميركي كولن باول كان الهدف منه إعطاء واشنطن الذريعة لشن حرب على العراق. واضاف انه كان ينبغي لباول ان "يوفر على المجلس الوقت" ويترك مفتشي الامم المتحدة "يعملون في سلام وهدوء دونما ضغط إعلامي."
وقال الدوري انه في أعقاب مزاعم أميركية وبريطانية سابقة عن امتلاك العراق اسلحة محظورة "تأكد للمفتشين ان كل تلك المزاعم الواردة في تلك التقارير ليست صحيحة."
واضاف قوله ان "برامج اسلحة الدمار الشامل ليست مثل قرص اسبرين يسهل إخفاؤه. بل تتطلب منشآت انتاج ضخمة بدءا بمنشآت الأبحاث والتطوير الى المصانع الى التسليح ثم النشر."
وقال "مثل هذه الاشياء لا يمكن اخفاؤها. والمفتشون جابوا أنحاء العراق ولم يجدوا شيئا من ذلك."
وكان المعلق السياسي في قناة التلفزيون العراقية الفضائية وصف الكلمة التي ألقاها وزير الخارجية الاميركي كولن باول امام مجلس الأمن بانها "مسرحية".
وقال المعلق ان "الرأي العام الدولي الذي خبر اسلوب الخداع والتضليل الذي تمارسه ادارة الشر الاميركية لا يجد في كلمة باول سوى مسرحية".
ردود فعل دولية معاكسة
الى ذلك، فقد توافقت مواقف كل من فرنسا وروسيا والصين على ضرورة دعم وتشديد عمليات التفتيش في العراق، وعلى ان يكون اللجوء الى القوة الملاذ الاخير، وذلك في كلمات القاها وزراء خارجية هذه الدول امام مجلس الامن بعد عرض كولن باول ادلته ضد بغداد.
فقد دعا الفرنسي دومينيك دو فيلبان مجلس الأمن الى تعزيز نظام التفتيش في العراق وقال ان القيام بعمل عسكري ضد بغداد يجب ان يكون الملاذ الأخير فحسب.
وقال الوزير الفرنسي "اذا كان الخيار بين التدخل العسكري ونظام تفتيش غير كاف بسبب عدم التعاون من جانب العراق فلابد ان نختار التعزيز الحاسم لسبل التفتيش."
وتابع "فلنضاعف عدد المفتشين او نجعله ثلاثة أمثال (ما هو عليه الآن). ولنفتح مزيدا من المكاتب الاقليمية. دعونا نذهب الى مدى أبعد في ذلك." ومضى يقول متسائلا "ألا يمكن على سبيل المثال ان نقيم هيئة متخصصة تفرض رقابة على المواقع والمناطق التي سبق تفتيشها."
وبعيد جلسة مجلس الامن، اعتبر دو فيلبان في تصريحات للصحافيين انه لا وجود لادلة "مطلقة" بشأن السلاح العراقي.
واكد انه لا بد من "استخدام هذه المعلومات للمضي قدما" في اشارة الى ما قاله باول من ان بغداد باتت في خرق واضح لالتزاماتها وان ساعة التحرك قد حانت. وقال ان كلام باول يعكس حالة من "القلق لا بد ان يقدم العراق اجابة بشأنها
ومن ناحيته، قال وزير الخارجية الروسي ايجور ايفانوف ان المعلومات التي عرضها باول يجب الآن ان يتحقق منها مفتشو الامم المتحدة داخل العراق.
وقال ايفانوف امام المجلس "المعلومات التي قدمت لنا اليوم تحتاج بالتأكيد الى دراسة جدية وشاملة جدا."
واضاف "النقطة الاساسية هي انه يتعين تسليم هذه المعلومات فورا لتحليلها من جانب لجنة الامم المتحدة للمراقبة والتحقق والتفتيش والوكالة الدولية للطاقة الذرية بما في ذلك التحقق المباشر على الطبيعة لإعطاء المفتشين إجابات على التساؤلات التي أثارها وزير الخارجية (الامريكي)."
واشار الوزير الروسي الى قرار مجلس الامن رقم ١٢٨٤ الصادر في كانون الاول/ديسمبر عام ١٩٩٩ قائلا انه كان يتضمن جدولا زمنيا يدعو الى توضيح مهام نزع الاسلحة الرئيسية المتبقية في نهاية مارس اذار وقال ان هذا "سيجعل عمليات التفتيش والمراقبة الدولية اكثر تنظيما وفاعلية
ولجهته، دعا وزير الخارجية الصيني تانغ جياكسوان الى مواصلة عمليات التفتيش في العراق.
وقال تانغ في مداخلته بعد كلمة باول "علينا ان ندعم مواصلة عمل" المفتشين الدوليين عن الاسلحة.
المانيا
وعلى صعيده، دعا وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر في كلمته الى "اعطاء الوقت" للمفتشين الدوليين عن الاسلحة و"مواصلة البحث عن حل سلمي" في العراق.
وقال فيشر "لا بد من اعطاء المفتشين فرصة حقيقية والوقت الذي يحتاجونه". واضاف "علينا ان نواصل البحث عن حل سلمي للازمة".
وتابع "نحن بحاجة الى نظام تفتيش اكثر قسوة يضمن نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية بشكل كامل ودائم" مشيرا الى "الاقتراحات المثيرة للاهتمام" التي قدمتها فرنسا في هذا المجال.
واخذ على بغداد عدم تقيدها بالتزاماتها وقال "لا بد ان ينزع العراق سلاحه بشكل كامل وسلمي عبر تعاون كامل مع المفتشين ومن دون تاخير".
وقال فيشر في تصريح صحافي عقب الجلسة انه ينبغي عرض المعلومات التي قدمها باول على "خبراء في الاستخبارات قبل ان نتمكن من اتخاذ قرار"، مؤكدا ان قرار تاييد الولايات المتحدة في الملف العراقي هو "قرار سياسي ولكن القرارات السياسية يجب ان تستند الى وقائع".
وعاود التاكيد مجدد على ان "بليكس والبرادعي وفرقهما يجب ان يحصلوا على متسع من الوقت للتحقق من كيفية تعاون" العراق مع اعمال التفتيش.
ودعا المندوب السوري لدى الامم المتحدة ميخائيل وهبة بدوره الى تمديد مهمة المفتشين الدوليين.
وقال ان "سوريا تطلب من مجلس الامن الاستمرار في دعم عمل المفتشين ومنحهم وقتا كافيا لانجاز مهمتهم".
واكد ان دمشق "لا تزال تؤمن في التوصل الى حل سلمي".
وذكر وهبة "بالتزام العراق مواصلة التعاون بصورة حثيثة مع المفتشين والاستجابة لما نص عليه القرار 1441". وطالب في المقابل "من مجلس الامن الدولي ان ياخذ التدابير اللازمة لرفع العقوبات المفروضة على الشعب العراقي".
كما طالب السفير السوري بجعل منطقة الشرق الاوسط منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل "بدون استثناء اي دولة بما فيها اسرائيل"، وشكر فرنسا على "جهودها من اجل السلام".
اسبانيا تقارب الموقف الاميركي
الى هنا، وابدت وزيرة الخارجية الاسبانية انا بالاسيو موقفا اقرب الى موقف الولايات المتحدة باعلانها ان بلادها تنتظر من الرئيس العراقي صدام حسين "تعاونا كاملا وبدون تأخير".
وقالت بالاسيو انه "من الضروري توجيه رسالة واضحة الى صدام بان عدم امتثاله بشكل كامل بالتزاماته سيشكل تهديدا للسلام".
واضافت ان "الرهان يتعلق الآن بمصداقية مجلس الامن".
ورأت بالاسيو ان تقرير وزير الخارجية الاميركي كولن باول "لا يمكن دحضه (...) بتأكيده ان العراق لا يتعاون مع قرارات" الامم المتحدة حول نزع اسلحته.
وتابعت "من وجهة النظر القانونية هذا يقودنا الى اعتبار العراق في وضع انتهاك لواجباته".—(البوابة)—(مصادر متعددة)
