تنشر صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية سلسلة مقالات عن العلاقات السعودية الأميركية التي شهدت خلال الفترة الماضية توترا غير مسبوق.
"البوابة" تنشر الترجمة الكاملة لهذه الحلقات. وتاليا ترجمة المقالة الاخيرة:
في اليوم التالي للهجمات الإرهابية على البنتاغون ومركز التجارة العالمي، استدعى ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز وزير النفط السعودي علي النعيمي وقرر الاثنان على وجه السرعة إرسال 9 ملايين برميل نفط إضافة إلى الولايات المتحدة لضمان توفر كميات كافية لدى الولايات المتحدة وإظهار الدعم السعودي لحليف تعرض لجرح كبير. وبذلك تكون المملكة قد أخلفت بوعد قطعته لدول الأوبك الأخرى بخفض إنتاج النفط.
وخلال الأسبوعين اللذين تليا الهجمات قامت السعودية، مستخدمة ناقلاتها النفطية، بشحن 500000 برميل يومياً أو أكثر من ذلك إلى الولايات المتحدة. وقد ساعدت كميات النفط الإضافية هذه على تخفيض سعر النفط الخام من 28 دولاراً للبرميل ليصل إلى 20 دولاراً بعد أسابيع قليلة. ومنذ ذلك الحين تمتع الأميركيون بنفط أرخص سعراً.
وعلى الرغم من أن القرارات السعودية الخاصة بالصناعة النفطية تظل دون إعلان أو تفسير، فإن الإيماءة التي قام بها الأمير عبدالله مرت مرور الكرام دون تقدير، وبدلاً من ذلك، ظلت السعودية هدفاً للنقد الأميركي الغاضب.
أنحى السياسيون الأميركيون ورجال الإعلام باللائمة على السعوديين لتمويلهم شبكة أسامة بن لادن الإرهابية ودعم حكم طالبان الذي كان يؤوي بن لادن في أفغانستان وخلق ظروف جعلت من السهل عليه تجنيد الإرهابيين الذين هاجموا الولايات المتحدة حيث أن 15 من خاطفي الطائرات التي استخدمت في الهجمات هم مواطنون سعوديون.
بالنسبة للسعوديين، كان توقيت هذه الهجمات شيئاً مؤلماً، فقبل بضة أيام من الهجمات في 11 أيلول/سبتمبر كان السعوديون يعتقدون أنهم حققوا إنجازاً مهما بإقناع إدارة بوش لتغيير سياستها والانخراط بصورة جدية في عملية السلام الشرق الأوسطية.
أما الآن فقد تعرضت العلاقات السعودية الأميركية إلى هزة أكثر من أي وقت مضى منذ عام 1973 حين فرض السعوديون حظراً نفطياً على الولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل.
قال ساندي بيرغر، مستشار الرئيس كلينتون لشؤون الأمن القومي: "منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، نزع القناع وأصبح الشعب الأميركي يرى لعبة مزدوجة لا تسره".
ويعتبر بيرغر العلاقة مع السعوديين "مهمة للغاية".
أصيبت الحكومة السعودية بهلع شديد من التصريحات الأميركية المعادية نحو المملكة لدرجة أنها قامت بشن حملة علاقات عامة كلفت ملايين الدولارات في محاولة منها لاستعادة الثقة بالعلاقة الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة بعدما وصفه الأمير بندر بن سلطان السفير السعودية لدى واشنطن منذ عام 1983، بالعاصفة الهائلة التي تسمى 11 أيلول/سبتمبر.
ولكن الضرر الذي أصاب العلاقة بين البلدين ربما يكون أبعد من أن تصلحه حملة للعلاقات العامة. قال صانعو السياسة والخبراء الأميركيون في الشؤون السعودية: "العلاقة الأميركية السعودية سيتم اختبارها بطرق جديدة في السنين القادمة".
ويرى هؤلاء الخبراء أن خلافات خطيرة ظهرت بين إدارة بوش والعائلة الحاكمة في السعودية إزاء كيفية التعامل مع العراق وإيران. والجانبان على نقيض تام بالفعل حيال رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون وسياسته المتشددة نحو الفلسطينيين وزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وهي القضية التي مزقت العلاقة بينهما في آب/أغسطس الماضي.
كذلك فإن مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المملكة أصبح موضع تساؤل؛ فالولايات المتحدة تخشى أن تفقد التسهيلات الممنوحة لها باستخدام قاعدة الأمير سلطان الجوية جنوبي شرقي الرياض حيث أنشأ البنتاغون أحدث مركز استخدمته الولايات المتحدة مؤخراً في توجيه عملياتها الحربية في أفغانستان وتنسيق النشاطات العسكرية في كافة أنحاء الخليج العربي.
وتضم القاعدة 5000 رجل معظمهم من القوات الجوية الأميركية بالإضافة إلى طائرات أميركية تراقب منطقة الحظر الجوي جنوب العراق.
نقلت صحيفة "الواشنطن بوست" الشهر الماضي عن مسؤول سعودي رفيع القول بأن حكومته يمكن أن تطلب من الولايات المتحدة وقف استخدام القاعدة الجوية بانتظام حال انتهاء الحرب في أفغانستان.
كذلك أكد رئيس موظفي البيت الأبيض أندروكارد الابن في مقابلة مع شبكة CNN أن السعوديين يريدون تخفيض عدد القوات الأميركية. وقال إن الولايات المتحدة مهتمة بتخفيض عدد قواتها في السعودية، وتوقع كارد أن يحصل ذلك مع مرور الزمن.
كذلك عبر صانعو السياسة والمحللون الأميركيون عن قلقهم إزاء مقدرة العائلة الحاكمة في السعودية على التعامل مع المتغيرات التي قد تحدث في بلادهم خلال السنين القليلة القادمة.
قال شاس فريمان، سفير أميركي سابق لدى السعودية والرئيس الحالي لمجلس السياسة الشرق الأوسطية، "إن جريمة 11 أيلول/سبتمبر أثارت كثيراً من الأسئلة في أذهان الأميركيين وغيرهم حيال السعودية وعلاقتنا معها". ومن ضمن هذه الأسئلة "هل هناك شيء متعفن في السعودية؟" "وهل المملكة مستقرة بدرجة كافية يمكن الاعتماد عليها كشريك موثوق للولايات المتحدة في المستقبل؟".
يقول فريمان، إذا أخذ المرء سؤال الرئيس بوش على محمل الجد "هل أنتم معنا أو ضدنا؟" وهو السؤال الذي طرحه بوش على العالم بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، فماذا يكون جواب السعودية وأين تقف المملكة؟
حاكم ذو عقليتين
من الأشياء التي تثير القلق الأمير عبدالله الذي أخذ يدير الحكم يوماً بعد يوم منذ تعرض أخيه الملك فهد، 79 عاماً، إلى سكتة دماغية عام 1995م حيت أن 26 طبيباً يشرفون عليه حالياً. ووفقاً لأحد المستشارين الأميركيين للحكومة السعودية، وفي حالة بقاء الملك فهد على قيد الحياة فإن ولي العهد الأمير عبدالله، 78 عاماً، يظل يفتقر إلى السلطة الملكية التي تخوله اتخاذ القرارات بنفسه.
يبدو الأمير عبدالله ذا توجهين حيال علاقات المملكة بالولايات المتحدة، فمن ناحية يدافع الأمير عن تحالف بلاده مع أميركا حيث أخبر محررين في صحيفة "البوست" كانوا في زيارة للمملكة الشهر الماضي: "علاقتنا مع الولايات المتحدة قوية جداً منذ ستة عقود وأنا لا أرى سبباً يوجب تغيير ذلك". ولكنه في الوقت ذاته، أثار جدلا داخل العائلة الحاكمة حول الوجود الأميركي في المملكة وما إذا أصبح هذا الوجود مسؤولية سياسية أكثر منه منفعة أمنية للمملكة، "حسبما ذكرت مصادر سعودية.
كذلك وقف الأمير مع السلطات الدينية السعودية الذين ينشرون التطرف الإسلامي الذي يخيف الأميركيين.
ففي المقابلة التي أجريت الشهر الماضي مع الأمير "ناقش القيود المفروضة على المجتمع السعودي حيث أن القرآن يوصف بأنه دستور البلاد، كذلك فإن القوانين تحرم تناول المشروبات الروحية وتحرم المرأة من حقها في قيادة السيارات أو السفور في الشارع وتمنع غير المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية". وقال الأمير إن ذلك "ينبع من أن بلدنا يحتضن بيت الله (مكة) ومسجد الرسول (المدينة). إن وجود المسجدين يرشدنا إلى ما ينبغي أن نفعله.. إن إيماننا وحضارتنا هي اللتان توجهان هذه البلاد".
يوصف الأمير عبدالله بأنه أقل إخلاصاً للولايات المتحدة من الملك فهد وبأنه أكثر وطنية وحساسية تجاه الرأي العام السعودي الذي يساوره الشك حيال اعتماد العائلة الحاكمة على الدعم الأجنبي.
ويقول المحللون السعوديون إن الأمير عبدالله يتمتع بشعبية أكثر من الملك ويعود ذلك جزئياً إلى سمعته كرجل تقي يستمع إلى المواطنين السعوديين.
ولكن الأمير كشخصية مستقلة من العائلة الحاكمة أبدى على الدوام احتراما لاتفاقية "النفط مقابل الأمن"، التي تقع في صلب العلاقات الأميركية السعودية. وحتى أنه عندما اضطربت العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة في آب/أغسطس الماضي، استبعد الأمير عبدالله استخدام سلاح النفط، وفقا لمسؤول سعودي رفيع، فقد أمر الأمير عبدالله بشحن كميات إضافية من النفط إلى الأميركيين في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر الماضي.
كذلك كان الأمير عبدالله عام 1998 هو المسؤول السعودي الذي دفع باتجاه تغيير تاريخي في سياسة السعودية النفطية حيث دعا شركات النفط الأميركية التي تم تأميمها عام 1975م للعودة مجددا إلى المملكة، ومكن هذا القرار شركة إكسون موبيل وأربع شركات أميركية أخرى من الحصول على وضع الشركات الأفضل في صفقات بعدة بلايين من الدولارات لتطوير احتياطات المملكة الهائلة من الغاز الطبيعي.
فسر القرار القلق السعودي، قبل مدة طويلة من أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، من تدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وبحسب مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى، أراد الأمير عبدالله وقف هذا التدهور وقرر استخدام احتياطات المملكة الهائلة من الغاز الطبيعي في محاولة منه لإعادة تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة.
قال مسؤول سعودي: "إن محاولة أي ملك سعودي النيل من علاقات المملكة مع الولايات المتحدة سيكون بمثابة انتحار" وكان هذا المسؤول ضمن مسؤولين آخرين ذكروا أن الأمير عبدالله جعل العلاقات مع الولايات المتحدة غير ظاهرة للعيان قصد منها تقوية التحالف بين البلدين.
قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت: "لدى السعوديين هذا الموقف الغريب الذي يتمثل في عدم الظهور بين أوساطهم بالارتباط بعلاقات مع الولايات المتحدة، ومع ذلك فهم يريدون علاقة معها".
ربما يكون عمر الأمير عبدالله هو أهم عامل في هذا المجال. ماذا سيحدث عندما يموت الأمير يبدو أمراً غير أكيد. شبه الكثير من المحللين الأميركيين التحدي الذي تواجهه السعودية بذلك التحدي الذي واجهه المكتب السياسي للزعامة السوفياتية في أواخر أعوام الاتحاد السوفياتي حيث تعاقب على الحكم لفترات قصيرة عدد من الزعماء من كبار السن.
يأتي بعد الأمير عبدالله أخوه الأمير سلطان وزير الدفاع ووالد السفير بندر. ولكن الأمير سلطان في مثل عمر الأمير عبدالله ويقال إنه في حالة صحية أسوأ من حالة عبدالله، ولا يبدو أن هناك مرشحا واضحا بعد سلطان مما يثير إمكانية نشوب خلاف على السلطة في المستقبل القريب نسبياً.
مشكلة سكانية
ستواجه السعودية في السنين القادمة تحديات جديدة بغض النظر عمن يكون ملكاً على البلاد، فالنمو السكاني في المملكة يسير بسرعة أكبر من نمو الثروة فيها أو قدرة الحكومة على توفير فرص عمل لمواطنيها. يقول المحللون الأميركيون إن هذه الأحوال تولد غليانا اجتماعياً يمكن أن يؤدي إلى التطرف الإسلامي.
الأمير عبدالله محافظ يبدي القليل من الاهتمام في مواجهة مشكلة بلاده السكانية، فالنمو السكاني في المملكة هو الأسرع في العالم حيث يبلغ تعداد السكان حالياً 18 مليون نسمة (بالإضافة إلى 5-6 ملايين عامل أجنبي) وقد كان النمو السكاني في الفترة بين عامي 1980-1998 بمعدل 4,4% .
تتألف العائلة السعودية في الوقت الراهن من 6-7 أطفال إضافة إلى الوالدين. ومن المتوقع أن يصل عدد سكان المملكة إلى 33.7 مليون نسمة عام 2015م.
انخفض معدل دخل الفرد في السنة من 19000 دولار عام 1981 إلى 7000 دولار عام 1997. وتشكل الفئات العمرية بين 14 وما دونها نسبة 43% من عدد سكان المملكة البالغ 22 مليون نسمة، ومن جهة أخرى فإن الشباب السعوديين غير مهتمين بالقيام بأعمال لا تدر عليهم دخلا كبيراً والتي يقوم بها عادة العمال الأجانب.
يتخرج أعداد كبيرة من مدارس وجامعات المملكة سنوياً حيث بلغ عدد الخريجين 343000 عام 1999م وهو نمو أسرع بكثير من قدرة الاقتصاد على إيجاد فرص عمل.
لم يعد بمقدور الحكومة تقديم العون السخي لبرامج الرفاه الاجتماعي الذي أوجدته إبان الازدهار الاقتصادي بسبب دخل النفط المرتفع، وبرز سؤال يتمثل في إمكانية المملكة بعث الحياة في اقتصادها الراكد حيث أن عائدات النفط البالغة 227 بليون دولار عام 1981 انخفضت إلى 31 بليونا بعد خمس سنوات من ذلك وظلت دون 60 بليون دولار سنوياً طوال فترة التسعينات. أما هذا العام، فمن المتوقع أن تصل العائدات النفطية إلى 48 بليون دولار فقط.
على الرغم من الاحتياطات البترولية الهائلة لدى المملكة، إلا أن لها تأثيرا قليلا على العائدات النفطية التي تخضع للعرض والطلب العالمي أكثر من أي شيء آخر.
ساهم انخفاض عائدات الدولة في الانخفاض الحاد في عدد الطلاب السعوديين الذي يذهبون إلى الولايات المتحدة للدراسات العليا وهي حقيقة تزعج بعض السعوديين. قال أحد رجال الأعمال السعوديين الناجحين، "سوف لن يكون أولادنا قريبين من الأميركيين مثلما كنا نحن".
لا يعتقد الحكام السعوديون أن لديهم مشكلة سكانية
قال أحد الأجانب الذي حاول مناقشة القضية مع ولي العهد: "عبدالله لا يصغي، إن هذه القضية واحدة من القضايا التي لا يرغب في مناقشتها، إن موقفه يتمثل في أنه كلما كبر حجم السكان، كان ذلك أفضل وعندما يصل عدد سكان المملكة 45 مليونا، يمكنك التحدث معنا حول تنظيم الأسرة". وأضاف، "ينظر السعوديون إلى إيران والعراق من حولهم بأعداد سكانهما الكبيرة".
قال أنطون كوردسمان، صاحب دراسة CSIS، "لم يكن عبدالله هو الوحيد غير المكترث بالانفجار السكاني، فالتكنوقراطيون لا يسمعون أيضاً، القليل فقط يفهمون المشكلة السكانية أما علماء الدين فليسوا على استعداد لسماع أي شيء من هذه القبيل".
قال مسؤول سعودي إن الأمير عبدالله يدرك المشكلة السكانية وبدأ مناقشتها. وأضاف المسؤول أن القضية يجب معالجتها بحذر بسبب الحساسيات الثقافية والدينية.
يحرص الأمير عبدالله على الإصلاح الاقتصادي ولكن كوردسمان أعرب عن شكه بأن الحكومة السعودية وجدت وسائل لإيجاد فرص العمل التي تحتاج إليها. فعلى سبيل المثال، كان لدى السعوديين أمل بأن كل بليون دولار من الاستثمار الأجنبي في مشروعات الغاز، يمكن أن يوفر 15000 فرصة عمل. ولكن الشركات أخبرت الحكومة السعودية أن هذه المشروعات بهذه الشروط يمكن أن لا تحقق الهدف المنشود أبدا.
قال كوردسمان "إن مشاريع النفط والغاز تركز على رأس المال وليس على العمالة ولذا فإنها لا يمكن أن توجد حلولا لمشكلة البطالة".
ومن بين الأمور التي تسبب قلقا لدى الخبراء السعوديين والأميركيين، الجامعات السعودية الخمس التي تخرج حاليا آلاف المشايخ الذين لا يمكن أبداً استيعابهم للعمل في المساجد والمؤسسات الدينية بالمملكة، فالعديد من هؤلاء ينتهي بهم الأمر في نشر وترويج المذهب الوهابي المتشدد داخل البلاد وخارجها.
قال الخبير الأجنبي الذي حاول مناقشة قضية معدل الولادة مع ولي العهد، "إن الأمير عبدالله لا يبدو وكأنه يهتم بذلك"، وقال خبراء آخرون، "إن الأمير عبدالله له روابط متينة بالمؤسسة الدينية الوهابية".
يهيمن رجال الدين على نظام التعليم في المملكة والذي يركز دائما على التعاليم الدينية والقليل على العلوم والرياضيات التي يحتاجها العالم. ويقول كوردسمان، "إن رجال الدين يسيطرون أيضاً على المطوعين وهم نوع من الناس يشبهون شرطة طالبان في تنفيذ التعاليم الدينية على الطريقة السعودية".
وفقاً لمحللين أميركيين وسعوديين فإن الأمير عبدالله هو أفضل عضو رفيع في العائلة السعودية الحاكمة للسيطرة على علماء الدين الوهابيين بسبب سمعته كرجل تقي. وقد استخدم الأمير هذه الصفة للطلب إليهم بالتنديد بالتطرف الديني والإرهاب بقوة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ولكن لا يزال عليه اتخاذ الخطوات اللازمة لكبح جماحهم في الهيمنة على برامج التعليم والشرطة الدينية (المطوعون).
في الخريف الماضي، عندما سلط السياسيون الأميركيون والصحفيون الضوء على الفشل السعودي في المساعدة على محاربة الإرهاب أصيب المسؤولون السعوديون الذين عملوا جاهدين على تقوية العلاقات السعودية الأميركية بالإحباط.
قال عادل جبير، دبلوماسي سعودي عمل عدة سنوات في واشنطن ويعمل حاليا مستشاراً للأمير عبدالله للشؤون الخارجية، "كل فرد في أميركا كان يهاجم السعودية".
هرع جبير إلى الولايات المتحدة للدفاع عن السعودية في التلفزيون وغيره من وسائل الإعلام، لكن العداوة التي واجهها جبير وبندر وبعض السعوديين كانت مؤلمة حيث أنهم كانوا معتادين على علاقات دافئة مع الأميركيين.
نقلت الصحف السعودية قصصا عن تحرش السلطات الأميركية والمواطنين الأميركيين الغاضبين بالسعوديين والعرب بسبب الهجمات الإرهابية.
ووفقاُ للكثير من السعوديين والأميركيين، فإن الكثير من السعوديين الذين يسافرون كثيراً إلى الولايات المتحدة توقفوا عن ذلك، قال فريمان، السفير السابق لدى الرياض الذي يسافر إلى دول الخليج بانتظام بعد جولة له في تشرين الأول/أكتوبر الماضي: "لم أر أي رجل أعمال واحد في الخليج يرغب في القدوم إلى الولايات المتحدة لأي غرض كان".
وبتفسير من الأمير عبدالله، ردد الكثير من السعوديين الفكرة بأن الأميركيين شنوا حملة ضد السعودية لا يمكن تفسيرها.
قال السفير بندر في مقابلة له: "إنقاذ العلاقات بين البلدين يعتمد إلى حد كبير على الإنسان الأميركي العادي، أنا أعتقد أن العلاقة بين السعودية وأميركا ستسقط أو تستمر بناء على كيفية نجاحنا في الوصول إلى تجمعات الأميركيين في منازلهم وقراهم".
وأضاف، "وإذا ما فشلنا هناك، فإن كل شيء نعمله مع الساسة الأميركيين والنخبة والحكومة سيكون غير مناسب لأن الريح الأولى التي تهز هذه العلاقة ستفضي بها إلى الانهيار لأنها دون جذور".
ومن أجل إعادة كسب عقل وقلب المواطن الأميركي العادي، عاد السعوديون إلى شركة للعلاقات العامة مقرها في واشنطن، كورفيس كومنيكيشن من أجل تصميم وشن حملة لمدة سنة تهدف إلى تلميع صورة السعوديين لدى الشعب الأميركي.
لا تزال شركة كورفيس تعد استراتيجية الحملة التي تستهدف الأميركي العادي وتسأله: هل العربية السعودية صديقة أم عدوة؟ قال أحد مسؤولي الشركة إن الكثير من الأميركيين لا يملكون إجابة عن هذا السؤال.
أكد استطلاع حديث أجرته "الواشنطن بوست" والـ ABC” نيوز" هذه الخلاصة: فقد أظهر استطلاع أجري الشهر الماضي أن 10% من الأميركيين اعتبروا السعوديين حلفاء وأن 14% منهم قالوا إنهم أعداء بينما ذكر 54% أن السعودية كانت بلدا صديقا ولكن ليست حليفاً.
قامت شركة كورفيس بنشر إعلانات في كبرى الصحف والمجلات الأميركية تعرض حمامة للسلام وهي تطير حاملة عبارة "أمتان وهدف واحد"، وعلما البلدين تحتها. أما المرحلة الثانية في الحملة، وفقاً لكورفيس، فستركز على القيم المشتركة بين البلدين.
يقارن جبير، مستشار الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، بين العلاقة السعودية الأميركية والعلاقة الأميركية البريطانية قائلاً: "لن تجد أي بلد (غير السعودية) لديه علاقة وثيقة أو مصالح مشتركة مع الولايات المتحدة سوى بريطانيا العظمى".
روج السعوديون لهذه الفكرة لعدة سنوات ولكن الأميركيين المنخرطين بتعمق في هذه العلاقة، لا يقبلون تلك الفكرة بصفة عامة.
قال جوزيف ماكميلان، وهو مسؤول في وزارة الدفاع عمل في مكتب البنتاغون للشؤون الأمنية الدولية، "هذان بلدان تعتبر القيم هامة بالنسبة لهما ولكن هذه القيم مختلفة عن بعضها البعض بقدر أهميتها".
أما وولتر سلوكومب، وكيل وزارة الدفاع إبان فترة كلينتون الرئاسية، فقال: "السعودية والولايات المتحدة ثقافتان سياسيتان تتحدثان إلى بعضهما البعض بلغات مختلفة تماماً".
كذلك فإن هناك مشكلة محتملة وهي أن البلدين لم يعودا يشاطران بعضهما البعض في نفس التقييم الخاص بالموقف الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
فالسعودية توصلت إلى سلام جديد مع عدوتها اللدود الجارة إيران بينما أن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر إيران قوة معادية. كذلك فإن السعوديين لا يعتقدون بأن صدام حسين ضعيف يمكن أن يهددهم بينما يجادل الأميركيون في مسألة غزو العراق (خطوة يقول عنها السعوديون إنها ستسبب أزمة في العلاقات مع الولايات لمتحدة، والسعوديون أيضاً أصدقاء أوفياء للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وقضيته.
ظهر الرئيس بوش الخميس الماضي أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون إلى واشنطن وهو يطمئن السعوديين حيث رفض طلب شارون بتهميش عرفات وتابع قائلاً إنه كان قلقاً حيال مأساة الفلسطينيين العاديين. ومن ناحية أخرى فإن هذه الإيماءات لا تصل إلى مستوى المبادرة السلمية برعاية أميركية التي كان السعوديون يعتقدون أنهم أقنعوا إدارة بوش بتبنيها قبل الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.
قال عدد من الخبراء الأميركيين، "في خضم الخلافات المستمرة، أوجدت الإدارات الأميركية والحكومات السعودية المتعاقبة غطاء من المجاملة يخفي خلافات صغيرة وعميقة بين الطرفين". قال ماكميلان، مسؤول الدفاع، "عندما تكون هناك خلافات، تمر هذه الخلافات دون حل لأن إيجاد حلول لها يتطلب نضالاً، جدالا ونقاشاً. ويضيف: "ما بيننا وبينهم عبارة عن علاقة لا تستند إلى قيم مشتركة بل إلى مصالح مشتركة: الأمن والنفط".
يعتمد المستهلكون الأميركيون بشكل أقل من ذي قبل على النفط السعودي، وقد انخفضت واردات النفط الأميركية من المملكة العربية السعودية من 24% إلى 14% خلال فترة التسعينات، ويصدر السعوديون حالياً إلى الولايات المتحدة 8% من احتياجاتها من النفط. ولكن المملكة تبقى أكبر منتج للنفط في العالم لأن لها القدرة على العودة إلى سدادة البرميل وتغيير السوق النفطي كما فعل الأمير عبدالله في 12 في أيلول/سبتمبر الماضي.
السعودية هي البلد الوحيد الذي يمكنه زيادة إنتاج النفط بمعدل مليوني برميل يومياً، وهذا بحسب ما يقوله فريد محمدي، رئيس المستشارين الاقتصاديين لدى شركة التمويل البترولية إن السعودية ستبقى على الأغلب اللاعب النفطي المهيمن والمتحكم في أسعار النفط العالمية.
يقول محمدي: "إن مقدرة العربية السعودية الاستفادة من قوتها النفطية سياسيا مع واشنطن تبدو أكيدة لسنين عديدة قادمة، "خاصة إذا أراد المستهلك الأميركي الاستمرار في استهلاك النفط مثلما اعتاد عليه ورضي السياسيون بذلك".
ويوافق ريتشارد هولبروك، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في ولاية كلينتون الثانية على أن "أكبر فشل للولايات المتحدة خلال الخمس والعشرين سنة الماضية كان الفشل في الإقلال من الاعتماد على النفط الأجنبي والذي كان من شأنه أن يقلل من نفوذ العربية السعودية".
