العلاقات السعودية – الأميركية : الحلقة الثانية

تاريخ النشر: 14 فبراير 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

تنشر صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية سلسلة مقالات عن العلاقات السعودية الاميركية التي شهدت خلال الفترة الماضية توترا غير مسبوق.  

"البوابة" تنشر الترجمة الكاملة لهذه الحلقات. وتاليا ترجمة المقالة الثانية: 

النفط مقابل الأمن يدعم الروابط بين البلدين  

كان أسوأ يوم في العلاقات السعودية الأميركية هو يوم 20 تشرين الأول/أكتوبر عام 1973 حينما انضم ملك السعودية فيصل إلى الحظر النفطي العربي ضد الولايات المتحدة.  

وفي غضون أيام من ذلك التاريخ دبت الفوضى في أسعار النفط العالمية، ووقف الأميركيون في صفوف طويلة لشراء البنزين، وخلال بضعة أسابيع تضاعف سعر النفط أكثر من ثلاث مرات.  

لم تكن تلك المرة الأولى أو الأخيرة التي تسيء الولايات المتحدة فيها قراءة الموقف داخل السعودية. فعندما شنت مصر وسوريا الحرب على إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر عام 1973 قال المسؤولون الأميركيون سرا وعلانية "إن السعوديين لن ينضموا أبدا إلى الدول التي حظرت النفط دعما لمصر وسوريا". ولكن عندما أصبح واضحا أن إسرائيل كانت تريد إذلال العرب مرة أخرى وأن إدارة نيكسون طلبت من الكونغرس تخصيص مساعدة عاجلة بقيمة 2.2 بليون دولار لإسرائيل على هيئة شحنات عسكرية، انصاع فيصل إلى رغبات العلماء السعوديين (رجال الدين) واستخدم سلاح النفط لمعاقبة الولايات المتحدة.  

كان الحظر النفطي والحد من الإنتاج قصير الأمد ولكنه غيَّر العالم. وقد وجد الملك فيصل في آذار/مارس 1974م سبباً لرفعه، ولكن سعر برميل النفط كان قد ارتفع من ثلاثة دولارات إلى 11دولارا للبرميل الواحد، وقد أدى هذا التغيير إلى نقل مئات بلايين الدولارات من الدول المستهلكة إلى الدول المنتجة مما جعل السعودية دولة غنية بشكل هائل. واستنادا إلى هذه الثروة والنفط الذي تنتجه بنيت العلاقات السعودية الأميركية في العصر الحديث.  

لجأت الولايات المتحدة إلى بناء هذه العلاقات بصورة عاجلة خوفاً من الحظر النفطي، وكان مهندس هذه العلاقات وزير الخزانة الأميركية آنذاك وليام سايمون الذي لخص مصالح الولايات المتحدة عشية زيارته إلى المملكة في آب/أغسطس 1974م.  

كتب سايمون في إحدى مذكراته، "زيارتي للسعودية خطوة مهمة من العملية المستمرة لبناء أوثق شراكة ممكنة مع السعوديين. إن مصلحتنا الأساسية تكمن في الحصول على النفط السعودي بكميات كافية وبأسعار اقتصادية وسياسية مقبولة. 

نود أن نؤكد على ضرورة استمرار السعوديين بممارسة سلطتهم المتنامية على النفط والمسائل المالية بشكل معتدل وبطرق تتلاءم مع أهدافنا".  

إن مذكرة سايمون المحفوظة ضمن وثائقه في كلية لافاييت تجعل أهداف السياسة سهلة إلى حد ما، ولكن الحقيقة أن المسألة كانت أعقد من ذلك بكثير كما أظهر الحظر النفطي. فالمشاركة في السلطة بين السلطات العلمانية والدينية في السعودية هي إحدى العوامل الكثيرة التي جعلت من التحالف السعودي الأميركي "واحدا من أكثر العلاقات الدولية تعقيداً لدينا، حسبما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت.  

إن تاريخ العلاقة الحديثة بين البلدين حيث أن جزءا كبيرا منه لم ينشر قطّ ولا يفهمه الأميركيون، يجعل من هذه العلاقة ليست معقدة وحسب، بل حميمة جداً في بعض النواحي ولكنها مغلفة دائما بخلافات ثقافية عميقة.  

عندما كان سايمون يجري الاستعدادات لزيارته إلى السعودية كان يفكر في البترو دولارات السعودية ويأمل أن يستخدم السعوديون أموالهم لمساعدة الأميركيين في تمويل العجز في الموازنة الأميركية من خلال شراء سندات الخزانة والسندات الأميركية الأخرى. كان سايمون يريد أن يتوجه السعوديون إلى السندات الأميركية بسهولة. وقد أظهرت النقاط التي تم إعدادها لمناقشات سايمون مع السعوديين تبدو وكأنها مناقشات تجارية.  

ومن أجل الحفاظ على تدفق الدولارات السعودية (عائدات النفط) اقترح سايمون ووزير الخارجية الأميركية آنذاك هنري كيسنغر تأسيس هيئة سعودية أميركية مشتركة للتعاون الاقتصادي. وقد تخفى اسم هذه الهيئة وراء ما أسماه سايمون مفهوما جديدا للعلاقات الأجنبية لتطوير علاقات بين بلدين على عدة مستويات من الحياة الاقتصادية.  

ووفقا لشارل شوتا، مسؤول في وزارة المالية الأميركية آنذاك، فإن الفكرة لدى الأميركيين كانت لخلق وسيلة تمكنهم من تزويد السعوديين بالمشورة والمساعدة الفنية في كثير من القضايا تبدأ من كيفية إنشاء خدمة جمركية حديثة إلى كيفية جمع البيانات في اقتصاد ينمو بسرعة وصولا إلى تحلية مياه البحر لأغراض الشرب، وقد وضعت الترتيبات لتدفع السعودية مقابل كافة هذه الخدمات.  

وضع السعوديون ما يربو على بليون دولار في حساب يعود لوزارة المالية الأميركية في واشنطن من أجل دفع تكاليف الخدمات التي تشرف علي تقديمها الهيئة المشتركة بما في ذلك رواتب ومصاريف الأميركيين الذين يعملون فيها، أدار الأميركيون الصندوق وبعد مشاورات مع السعوديين قرروا الطريقة التي تصرف فيه هذه الأموال.  

وتظهر آثار ذلك جلية هذه الأيام في عدة مناح، حيث أن الأميركيين علموا السعوديين كيفية إنشاء البنية التحتية لدولة عصرية، وكان هذا شيئا ينبغي إنشاؤه من الصفر ابتداء من أواسط السبعينات، ولا غرابة فقد علم الأميركيون السعوديين ما يفعلونه هم أنفسهم.  

 

زواج مرتب  

مرت العلاقة السعودية الأميركية دون أن ينتبه لها أحد في الولايات المتحدة مثلها مثل الهيئة المشتركة بين البلدين.  

قال دون دي مارينو الذي عاش في السعودية بين عامي 1985-1987 وعمل المدير المحلي للهيئة المشتركة، "عندما كنت هناك، كان للأميركيين اهتمام بذلك".  

ووفقا لأحد الأميركيين من ذوي الخبرة بالسعودية، فإن السعوديين فضلوا الأمر بتلك الطريقة حيث أنهم كما يقول "يفضلون دائما إدارة هذه العلاقة على ركائز صغيرة وعالية بين أكثر المسؤولين رفعة في المناصب.  

وقد وصفت العلاقة بين البلدين بأنها كانت دائما عبارة عن زواج معد سلفا أكثر منه زواجا رومانسيا. فمن ناحية تقف المملكة كحكومة ملكية ثيوقراطية فوق ربع احتياطي النفط في العالم يحكمها نظام إسلامي متشدد لا يسمح بحرية الكلام أو الحقوق السياسية لمواطنيه مقابل أحدث دولة في العالم وأقدم ديمقراطية منفتحة، بالإضافة إلى أكبر مستهلك للنفط في العالم. ولو قدر لمعتقدات وقيم وعادات أي من الطرفين أن تفرض على الطرف الآخر لأثار ذلك رعبا لديه، وعلى الرغم من ذلك فقد لعبت كلتا الحكومتين دورها كصديق حميم للطرف الآخر منذ زيارة سايمون للمملكة. وقد كان لدى الطرفين فعلا علاقات وثيقة يعتمد كل منهما على الآخر، بما في ذلك الأمن القومي، النفط، الدعم السياسي، المال، المخابرات وغيرها.  

كان التحالف مناسبا لكلا الجانبين حيث يحقق للسعوديين الأمن في الوقت الذي يضمن للولايات المتحدة تدفقا مؤكداً للنفط بأسعار معتدلة. ولكن رغم كل ذلك، كانت هناك بؤر للتوتر بين البلدين.  

دأب السعوديون على بذل جهود لمنع الأميركيين من فهمهم وخاصة سياستهم، فقد بقي ما يدور داخل مجالس بيت آل سعود الحاكم والعائلة الملكية سرياً. ومن جانبهم فقد أعطى الأميركيون للسعوديين فرصة كافية للسخرية من المواقف والنوايا الأميركية.  

منذ اللحظة التي أصبح السعوديون فيها أثرياء، هرع الأميركيون بما في ذلك شركاتهم العملاقة أمثال بوينغ وبكتيل وغيرها لجمع الثروة في المملكة، وقد فرض السعوديون عمولة قدرها 5% للوكلاء المحليين الذين يكونون عادة من بين 8000 أمير يتقاضونها من الشركات الأميركية. قال الأمير بندر سفير السعودية لدى واشنطن مؤخراً إن حكومته، "أنفقت حوالي 400 بليون دولار خلال العقود الثلاثة الماضية لبناء دولة حديثة وأن حوالي 50 بليون دولار من هذه المبالغ ربما ضاعت نتيجة للفساد أو سوء الإدارة". وأضاف الأمير في مقابلة مع شبكة PBS، "ماذا إذًا، نحن لم نخترع الفساد".  

كانت الحكومة الأميركية على استعداد دائم للمساعدة بشتى الوسائل وكانت متيقظة لجني الفوائد الاقتصادية.  

فقد دأبت الوكالات الأميركية على تقاضي أعلى الأسعار وتقبل السخاء السعودي حيثما كان يعرض عليهم، فعلى سبيل المثال، فقد دأبت شركات الطيران الأميركية على استعمال الوقود السعودي منذ انتقال أول طائرة أميركية للإنذار المبكر (أواكس) إلى المملكة عام 1979م. وعندما أرسل السعوديون ضابطاً عسكرياً إلى مؤسسة تدريبية أميركية، قاموا بدفع رسوم للتدريب أعلى من أي بلد آخر بما في ذلك حلفاء أميركا في الناتو.  

قامت الشركة الأميركية كوربس أوف إنجنيرز بالإشراف على مشاريع إنشائية في المملكة وصلت قيمتها بلايين الدولارات بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وبصورة مكثفة ابتداء من عام 1974. وقد نقلت الشركة القسم الخاص بها لمنطقة البحر المتوسط من إيطاليا إلى الرياض وظلت قسماً للشرق الأوسط وقامت أخيراً بتقسيم المملكة إلى ثلاث مناطق. وعلى مر السنين أشرفت الشركة على إنشاء ثلاث قواعد عسكرية ضخمة بما فيها مدينة الملك خالد العسكرية بتكلفة مقدارها 6 بلايين دولار والأكاديمية العسكرية السعودية وميناءين عميقين للبحرية السعودية بالإضافة إلى المطارات والمعسكرات والمساكن والكثير غيرها.  

وقد بلغ إجمالي تكلفة هذه المشاريع عند توقيع العقود عليها 14 مليار دولار. 

كذلك أنفق السعوديون أكثر من 100 مليار دولار على شراء الأسلحة الأميركية والإنشاءات وقطع الغيار وغيرها واحتلوا المرتبة الأولى في العالم كزبائن لصانعي الأسلحة الأميركيين، فقد اشترى السعوديون طائرات F-16, F-5 وطائرات الإنذار المبكر من نوع أواكس بالإضافة إلى دبابات Abrams m-l والعربات المدرعة من نوع Bradely والسفن الحربية وغيرها.  

قال إدوار ووكر، المساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، "لنقل الحقيقة، فقد حصلنا على الكثير من الأموال من العربية السعودية".  

ومع مرور الزمن أصبح السعوديون على كفاءة عالية بتصدير الأموال إلى الولايات المتحدة مثل كفاءتهم في تصدير النفط، وبكل بساطة لم تكن هناك وسيلة أمام المملكة التي بلغ تعداد سكانها 10 ملايين نسمة عام 1980 لصرف مئات المليارات من الدولارات التي كانت تحصل عليها من النفط حتى في وجود برنامجها الطموح للتطوير المحلي. فقد قامت الحكومة السعودية من خلال مؤسسة النقد العربية السعودية SAMA بشراء سندات من الخزانة الأميركية في الوقت الذي قام فيه المواطنون السعوديون الذين أثروا من النفط بالاستثمار في المؤسسات المالية الغربية.  

قدم السعوديون إلى الولايات المتحدة لتعلم مهارات جديدة، ففي فترة الخمسينات والستينات أرسلت شركة أرامكو مئات من السعوديين للدراسة في الجامعات الأميركية، وفي السبعينات والثمانينات قامت الحكومة السعودية بتمويل التعليم الجامعي لعشرات الألوف من الطلبة السعوديين، وقد مثلت الدرجات الجامعية الأميركية للرجال السعوديين من مواليد الأربعينات والستينات وساما لعضويتهم في النخبة الوطنية.  

ففي هذه الأيام يبلغ عدد الوزراء في الحكومة السعودية الذين يحملون شهادات جامعية أميركية 21 من أصل 30 وزيراً بالإضافة إلى أن 16 من هؤلاء يحملون درجة الدكتوراة.  

بعض السعوديين الذين درسوا في الولايات المتحدة أحبوا أميركا واختاروا قضاء جزء من حياتهم في هذه البلاد، قدر شاس فريمان، عمل سفيراً لدى الرياض في مطلع التسعينات، عدد السعوديين الذين يملكون بيوتاً أو شققاً سكنية في الولايات المتحدة بحوالي 100000، فالسعوديون يستطيعون العيش في أميركا حياة لا يحلمون بها في المملكة فالذكور يستطيعون التمتع بالأشياء التي لا يسمح لهم بها في بلدهم كما أن الإناث السعوديات يستطعن التمتع بالحريات التي يحرمن منها في بلدهن.  

قال الأمير بندر، "هؤلاء السعوديون مزدوجو الثقافة".  

استخدم السعوديون أموالهم لمصادقة أميركيين جدد أو لمكافأة أصدقائهم القدامى من الأميركيين.  

ففي عام 1991م، طلب حاكم ولاية أركنسو من السعودية المساهمة في بناء مركز جديد للدراسات الشرق أوسطية في جامعة الولاية، ولم يجب السعوديون على الطلب لمدة عام واحد، وبعدها في عام 1992م، استقبل الحاكم مكالمة هاتفية من الملك فهد الذي كان يتصل مهنئاً بيل كلينتون على انتخابه رئيساً للولايات المتحدة.  

قال الملك فهد لكلينتون إن الحكومة السعودية، قررت منح مبلغ 20 مليون دولار كتمويل لبرنامج الدراسات الشرق أوسطية.  

في عام 1985م، قدم الملك فهد مبلغ مليون دولار لبرنامج السيدة الأميركية الأولى نانسي ريغان الخاص بالأدوية، وفي عام 1989م، قدم الملك مليوناً آخر لحملة السيدة الأميركية الأولى باربرة بوش ضد الإيدز. كما أن السعوديين ساهموا في كافة المكتبات الرئاسية، حسبما ذكر مصدر سعودي قدم الأمير بندر عدداً من المساهمات الخيرية بما في ذلك بضعة ملايين من الدولارات كهدية لمستشفى الأطفال في واشنطن، وفي عام 1991، قدم مبلغ 250.000 دولار للمركز الأميركي للمعاقين. كذلك استخدام الأموال لصالح عدد من المسؤولين الأميركيين.  

وفي إيماءات أكبر تنم عن الصداقة، قام مبعوث سعودي بالسفر إلى روما لإيداع مبلغ عشرة ملايين دولار في حساب يعود للفاتيكان بناء على طلب من وليام كيسي، مدير المخابرات المركز إبان رئاسة رونالد ريغان. وقد استخدمت هذه الأموال لمساعدة الحزب الإيطالي الديمقراطي المسيحي للتغلب على الشيوعيين الإيطاليين في لانتخابات الإيطالية.  

ولم يمض وقت طويل على ذلك، ففي عام 1984 أخبر مستشار ريغان لشؤون الأمن القومي، بد ماكفرلين، الأمير بندر أن ثوار الكونترا في نيكاراغوا بحاجة إلى المال وأن الكونغرس لا يستطيع تقديم المزيد لهم مما يشكل ضربة لسياسات ريغان. وكان ثوار الكونترا ضد الشيوعية يخوضون حربا أهليه ضد نظام ساندينستا اليساري وكان ذلك لا يعني الكثير للسعوديين ولكن بندر فهم الرسالة وبعد ذلك ببضعة أيام حضر بندر إلى ماكفارلين ومعه أنباء من السعودية تقول إن السعوديين على استعداد لدفع مبلغ مليون دولار سراً إلى الكونترا وتضاعف المبلغ بعد ذلك، وفي نهاية المطاف وصلت المساهمات السعودية في التبرعات لدعم الكونترا مبلغ 30 مليون دولار، وكانت هذه المبالغ يفترض فيها السرية ولكنها أصبحت معروفة حين كشف النقاب عن فضيحة إيران كونترا.  

في أغلب الأحيان، يبقى المسؤولون الأميركيون الذين عملوا مع السعوديين مرتبطين بهم حتى بعد تركهم مناصبهم.  

فالرئيس الأميركي السابق بوش تحدث إلى العديد من السفراء السابقين والضباط العسكريين في المملكة لقاء مبالغ مالية، وكانت هذه الاتصالات في بعض الحالات مربحة.  

يدير ولتر كتلر، عمل سفيراً لدى السعودية فترتين، حالياً مركز الميريديان الدولي في واشنطن وهي منظمة تروج للتفاهم الدولي من خلال التعليم وتبادل الخبرات. وكان المتبرعون السعوديون داعمين لهذا المركز، كذلك فإن ووكر، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأوسط يعمل حالياً رئيساً للمركز الشرق أوسطي في واشنطن. ويعمل هذا المركز على تعزيز التفاهم مع العالم العربي، كما أن رئيس مجلس إدارته هو عضو مجلس الشيوخ السابق ويش فولر، سفير الولايات المتحدة لدى السعودية في ولاية كلينتون الثانية، وقد غطت التبرعات السعودية مبلغ 200000 دولار من أصل 1.5مليون دولار هي ميزانية السنة الأولى للمركز، وفقاً لووكر.  

قال بندر للمقربين منه أنه محق في المحافظة على علاقة مع المسؤولين الأميركيين الذين عملوا مع السعودية بعد تركهم مناصبهم، وأضاف، "إذا عرف عن السعوديين بأنهم يحيطون أصدقاءهم بعد انتهاء مهماتهم، فلك أن تتخيل عدد الأصدقاء من المسؤولين الجدد الذين يريدون ود السعودية".  

 

صفقة سرية  

السرية هي الصفة الملازمة للعلاقات السعودية الأميركية، فالبرغم من أن السعوديين أكبر زبائن للأسلحة الأميركية، إلا إنهم أبدوا امتعاضهم من العملية التي يتوجب عليهم الدخول فيها للحصول على الأسلحة الأميركية الحديثة، فقد نجحوا مرتين في التغلب على تصويت أصدقاء إسرائيل في مجلس الشيوخ ضد تسليم طائرات متقدمة للمملكة. وفي مناسبات أخرى، كان على الإدارة الأميركية التحايل على المعارضة في الكونغرس لبيع أسلحة للرياض. ورفضت الولايات المتحدة بيع بعض أنواع الأسلحة المتقدمة للسعودية بما في ذلك الصواريخ، لذا فقد اشترى السعوديون تلك الأسلحة من دول أخرى بما في ذلك بريطانيا، فرنسا والصين مما أدهش الولايات المتحدة.  

وفي المحادثات السرية التي بدأت في الصين عام 1985 عقد الأمير بندر مفاوضات بشأن شراء صواريخ صينية من طراز CSS2 التي يبلغ مداها 1500 ميل والتي يمكن أن تصل إلى تركيا وإسرائيل من المناطق السعودية. وقد أخفقت الولايات المتحدة وإسرائيل في اكتشاف ما كان يجري لمدة عامين. وعندما تحققت أجهزة الاستخبارات في البلدين مما حدث، أصيبت بالذهول. فأصدرت وزارة الخارجية الأميركية تعليمات إلى سفيرها هيوم هوران الذي وصل لتوه إلى السعودية للقاء الملك فهد في آذار/مارس 1988 لتسليمه رسالة صارمة تعبر عن "دهشة الولايات المتحدة وعدم قبولها لهذا العمل".  

عمل هوران في منصب الرجل الثاني في السفارة الأميركية لدى الرياض بين عامي 1972-1977م.  

وكانت لديه اتصالات واسعة في المجتمع السعودي، وكان يعرف أيضاً بأنه أفضل مسؤول أميركي يعمل في الخارج من حيث إتقانه اللغة العربية، وهوران ابن لأب إيراني، من الطبقة الأرستقراطية وكان وزيراً للخارجة الإيرانية، وأم أميركية. وكانت هذه الحقيقة معروفة لدى السعوديين الذين لم يكنوا الحب للإيرانيين على الإطلاق.  

قال هوران إن الملك يمكن أن يعتبر الرسالة الشفوية بمثابة إهانة له ولذا اتصل بواشنطن للتأكيد على أنهم يفهمون مغزى رسالتهم فجاءه الرد بالتأكيد وقام بعمل ذلك. وعندما عاد إلى السفارة وجد برقية من واشنطن تدعوه إلى عدم القيام بتنفيذ التعليمات السابقة التي صدرت إليه والتي انتهى من تنفيذها بالفعل. ويتذكر هوران أن ذلك كان بمثابة وقع الصاعقة عليه.  

أقنع الأمير بندر كبار المسؤولين في إدارة ريغان بعدم إرسال احتجاج رسمي إلى الملك فهد مؤكداً للأميركيين أن الصواريخ الصينية ستنشر بطريقة لا تشكل خطراً على إسرائيل. وذكر أن هذه الصواريخ تحمل رؤوساً تقليدية ويهدف منها ردع العراق وإيران الجارتين المعادتين للسعودية.  

وقال السعوديون، "إن هذه الصواريخ ستستخدم فقط في حالة الدفاع عن النفس".  

أرسلت الإدارة الأميركية فيليب حبيب، وهو مساعد لوزير الخارجية الأميركية متقاعد وعمل مبعوثا للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، إلى الرياض لمحاولة إصلاح الأمور مع الملك فهد. أخذ حبيب هوران معه إلى الاجتماع مع الملك.  

كان فهد غاضباً من السفير هوران وطلب من حبيب تغييره. وعندما أثار حبيب موضوع الصواريخ، قال الملك غاضباً بأنه أخبر هوران بأن لا يحشر أنفه في هكذا موضوع. كذلك تذمر الملك إلى حبيب من أصول هوران الإيرانية.  

قررت إدارة ريغان استبدال هوران على وجه السرعة بسلفه كتلر وهو أيضا محترف يعمل في الخارج ولكنه لم يكن يتقن العربية مثل هوران، وقد كان التغيير سريعاً جداً لدرجة أن هوران قد طلب منه قبل العودة إلى الولايات المتحدة الاتصال بالسعوديين لأخذ موافقتهم على تعيين كتلر سفيراً لديهم. كانت هذه المهمة مهينة لهوران.  

 

عاصفة الصحراء  

حين دخل الجيش العراقي الكويت في آب/أغسطس 1990 أصبحت أكبر منطقة نفطية في العالم تحت تهديد الرئيس العراقي صدام حسين بما في ذلك السعودية المركز الرئيسي في هذه المنطقة. وفي خلال شهور، تم حشد نصف مليون جندي أميركي ووصلوا إلى السعودية أعداداً لعاصفة الصحراء، وهي حملة عسكرية هدفها طرد العراقيين من الكويت.  

تم نشر هذه القوة الهائلة دون اتفاقات رسمية، وتعهد الأميركيون بالانسحاب من العربية السعودية عندما تتم مهمة هذه الجيوش أو عندما يطلب منهم ذلك، ولكنهم لم يفعلوا ذلك تماماً، فقد بقى 5000 جندي ليومنا هذا وأصبح وجودهم مصدراً للجدل.  

وجه المتشددون الإسلاميون في الخارج والزعماء الدينيون داخل المملكة النقد إلى القادة السعوديين بسبب السماح للقوات الأميركية بالتواجد الدائم في أرض الإسلام التي يوجد فيها أقدس مقدسات المسلمين مكة والمدينة. ويعتبر بيت آل سعود الحاكم بالغ الحساسية تجاه علماء الدين لأنه يعتمد على دعهم في اكتساب شرعيته.  

دأب علماء المسلمين على أن يكونوا شركاء في السلطة في السعودية منذ القرن الثامن عشر حين أبرم جد الملك فهد، محمد بن سعود صفقة مع محمد بن عبدالوهاب وهو مسلم متشدد قاد عملية إحياء للتطرف الديني والتي لا تزال مستمرة إلى أيامنا هذه، ولا يزال آل سعود يحكمون المملكة منذ 250 عاماً جنباً إلى جنب مع المؤسسة الوهابية الدينية.  

تعهد الملك فهد وحث على أخذ التأييد من كبار علماء المسلمين، وقد صدرت بالفعل فتوى عام 1990 من قبل الشيخ عبد العزيز بن باز تقول، "بأنه على الرغم أن الأميركين، وفقا لوجهة النظر الدينية المتحفظة، مساوون للكفار،لأنهم ليسوا مسلمين، إلا أنهم يستحقون الدعم لأنهم جاءوا إلى هنا لحماية الإسلام".  

قبل كثيرون آخرون من علماء المسلمين السعوديين هذه المقولة بتردد وبعضهم لم يقبلها، كما تقول المصادر السعودية، ولكن الرئيس بوش الأب وكلينتون من بعده قرر أنه طالما بقي صدام حسين في السلطة فإن الولايات المتحدة ستظل بحاجة إلى التسهيلات الممنوحة لها خاصة في قاعدة الأمير سلطان الجوية، وقد بنى البنتاغون هناك مركزاً للقيادة على أحدث ما توصل إليه الإنسان من تكنولوجيا، وقد استخدمها لتنسيق العمليات الجوية ضد أفغانستان.  

كان السعوديون سعداء للمشاركة بالجزء الأكبر من نفقات حرب الخليج التي بلغت 60 بليون دولار وبدأ السعوديون برنامجا لشراء الأسلحة الأميركية وصل إلى 33 مليار دولار.  

ولكن بحلول منتصف التسعينات أصبح السعوديون عاجزين عن دفع فاتورة المشتريات من هذه الأسلحة مما أدى إلى عجز في الموازنة السعودية وتخفيض حاد في الإنفاق العسكري. كذلك أصبحت تكاليف الجنود الأميركيين في السعودية المقدرة بـ 80-100 مليون دولار سنوياً والتي تدفعها السعودية عبئاً إضافيا على السعوديين.  

وظهرت كذلك مشاكل سياسية جديدة، فبتنصيب الرئيس كلينتون عام 1993م، يكون الأمير بندر والسعوديون قد خسروا أفضل أصدقائهم الذين خاضوا معهم حرب الخليج وهم رفاقهم في إدارة بوش الأولى، فكلينتون لم يكن مهتما كسلفه بالخليج ولم تتوفر للسفير بندر سهولة الوصول إلى كلينتون كما كان الحال عليه أيام بوش الأب. 

اعترف بندر بأنه سئم من عمله وبدأ يمضي معظم وقته في بيته الريفي أو منتجعه في آسبن. وفي عام 1995 و 1996 هاجم الإرهابيون أهدافا أميركية في السعودية وبالذات في الرياض ومن ثم أبراج الخبر، وقد قتل 24 أميركياً في الحادثتين اللتين كانتا من تخطيط سعوديين متشددين، تم قطع رؤوس أربعة رجال اعترفوا باشتراكهم في تفجير الرياض بسرعة شديدة لدرجة أن المحققين الأميركيين لم يعطوا الفرصة للتحقيق معهم.  

وقال الأربعة قبل إعدامهم إنهم أمروا للقيام بذلك من قبل أسامة بن لادن. وقد اشتكى المحققون الأميركيون من التسهيلات المحدودة التي منحت لهم للاطلاع على التحقيقات بشأن تفجير الخبر.  

تمثلت ردة الفعل الأميركية على تفجير الخبر بنقل قواتها في المنطقة إلى مواقع صحراوية بعيدة وإرسال عائلاتهم إلى الولايات المتحدة. ويمضي الجنود الأميركيون في السعودية فترات تتراوح بيم 60 يوماً إلى سنة على أبعد تقدير حيث يتم استبدالهم بشكل روتيني.  

في غضون ذلك، كان الزعماء الدينيون السعوديون يواصلون تنفيذ أجندتهم في جميع أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك تمويل المساجد والمدارس من تركيا إلى الشرق الأقصى ويدعمون بصورة فعالة حركة طالبان في أفغانستان. وقد استطاع هؤلاء عمل ذلك بمساعدة من تبرعات المواطنين السعوديين بقيادة أعضاء في العائلة الحاكمة الذين يعتبرون الأعمال الخيرية جزءا أساسياً في الحياة.  

وبحسب محلل سعودي، نواف عبيد، فإن الولايات المتحدة والمخابرات الأميركية بوجه خاص لم يستوعبوا أبدا تأثير كبار العلماء الوهابيين على السياسة السعودية منذ الحظر النفطي عام 1973 وصولاً إلى الدعم السعودي لحركة طالبان.  

في رسالة الماجستير بجامعة هارفارد اختتم عبيد السعودي المولد رسالته بالقول، "المحللون الأميركيون قللوا أو تغاضوا أو لم يفهموا طبيعة وقوة وأهداف الحركة الوهابية في السعودية وكذلك مدى التزام القادة العلمانيين بهذه الجماعة".  

أنهى عبيد رسالته بتحذير أن السعودية كانت تدخل إلى حقبة تتسم "بالتغير السريع والهائل" من سماته النمو السكاني الهائل ونقص العائدات النفطية وعدم اليقين بشأن من يخلف الحكم الملكي".  

وتوقع عبيد "أنه في مثل هذه الحالة، يمكن للمؤسسة الدينية الحصول على نصيب أكبر من السلطة وبذلك تمثل تحدياً أكبر للولايات المتحدة".