عمان – (البوابة)
استبعد المحلل العسكري الإسرائيلي زئيف شيف أن يقرر رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك اجتياح أراضي السلطة الفلسطينية. وقال شيف في حوار مع "البوابة" أن الإسرائيليين يتجهون نحو اليمين منذ اندلاع الاشتباكات في الأراضي الفلسطينية، وأشار إلى أن موضوع القدس بالنسبة للإسرائيليين قابل للتفاوض والمرونة بعكس قضية اللاجئين الذين يرفض الإسرائيليون عودتهم. وفيما يلي نص الحوار..
كيف ينظر الإسرائيليون إلى الاشتباكات العنيفة المستمرة بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية؟
- في كل يوم ترى ردود أفعال مختلفة، وهذا أمر مألوف جدا في مواقف كهذه، فبعد زيارة شارون للحرم الشريف، كان الموقف غالبا ضد الزيارة. وقد بدأ في التغير فيما بعد، عندما حصلت اشتباكات وأعمال قتل ولكنه أمر مألوف. أستطيع القول بأنه عندما شاهدنا صورة الطفل الفلسطيني الذي قتل في قطاع غزة، كان رد الفعل يتسم بالمرارة. أنا نفسي انتابني شعور سيئ حيال ذلك. لقد أصبت بالاشمئزاز من هذا الأمر. لذا فهناك تغير في الأمور. وقد أحدثت أعمال العنف تغييرا في الموقف في المجتمع العربي الإسرائيلي مرة أخرى. وبصفة عامة أستطيع إخبارك بما يقلقني. في موقف كهذا، تختفي المبادئ حيث يتحول الناس المعتدلون إلى التطرف وغالبا إلى اليمين. ويحصل الشيء ذاته على الجانب الآخر خلف السياج، في المعسكر الفلسطيني.
لا يوجد أناس ينتقلون إلى الطرف اليساري ويكون لديهم استعداد للحلول الوسط.
ماذا حصل للمعسكر اليساري. هل هم يتحركون باتجاه اليسار أو اليمين اكثر؟
- معظمهم يتحركون بعيدا ولكن هذا أمر مألوف تماما. لقد تابعت ردة فعل معسكر الجناح اليساري على أحداث العنف في المجتمع العربي الإسرائيلي ووجدت العديد من الناس تحولوا من المعسكر اليساري بعيدا. وعلى أية حال، فسوف نشهد حوارات ومناقشات إزاء ذلك إلى أن تهدأ العاصفة، ولكن العاصفة لم تهدأ بعد ولا نرى نهاية لها.
قبل اندلاع المواجهات، كانت السياسة الداخلية الإسرائيلية غير مستقرة. كان موقف باراك متزعزعا وكان جليا أن شارون يخسر في زعامة حزب الليكود أمام نتنياهو. هل تغير شيء من ذلك بسبب المواجهات؟
- لست متأكدا بعد، ولكنك محق تماما في الأسلوب الذي وصفت به الموقف. كان موقف باراك متزعزعا لأسباب محلية بسبب النزاع بينه وبين حزب شاس بعد اعتقال زعيمهم بسبب إدانته. ولذا فان هذا الأمر سيكون له شأن لو لجأ باراك للانتخابات. وبالإضافة إلى هذا فهناك شائعات قوية، بأن باراك كان يرغب في دعوة شارون وحزب الليكود للانضمام إليه في ائتلاف وحدة وطنية. وكان الرافض لهذا هو شارون لأنه كان يعتقد أن الحظ سيحالفه إذا خاض الانتخابات. وظهر نتنياهو مرة ثانية بصورة مفاجئة مما أوجد عاملا جديدا في الحياة السياسية الإسرائيلية الداخلية. وكان هذا في مساء اليوم الذي سبق زيارة شارون وأعضاء الليكود في الكنيست للحرم الشريف.
يقول الكثيرون إن الهدف من المواجهات كان بقصد إحداث تأثير على السياسة الداخلية الإسرائيلية؟ تقول بعض الجهات إن الإسرائيليين هم الذين بدأوا هذه المواجهات لتحقيق ذلك، ويقول بعض الإسرائيليين إن الفلسطينيين يقومون بذلك للتأثير على السياسة الإسرائيلية. هل ذلك هو الحال في رأيك؟
- ليست الحالة كذلك. يمكن تفسير الموضوع بهذه الطريقة. كان من الواضح قبل زيارة شارون أن الفلسطينيين لم يكونوا سعداء من نتائج قمة كامب ديفيد ومن المجتمع الدولي بما في ذلك روسيا والصين وفرنسا، الذين كانوا يحثونهم على عدم إعلان دولة فلسطينية من جانب واحد. وقد ذكر الأشخاص المكلفون بتقييم الوضع في جانبنا مؤخرا انه يجب علينا أن نكون حذرين جدا بعدم إعطاء الجانب الفلسطيني أي ذريعة لبدء المواجهات وأعمال عنف لأنهم كانوا يسعون إلى ذلك. عليك أن تتذكر بأنه كانت هناك حادثتان قبل زيارة شارون للحرم الشريف. فقد ادعت مجموعة مجهولة مسؤوليتها عن زرع قنبلة على جانب طريق كانت تسلكه قافلة مدنية تصحبها قوة عسكرية. وقد قتل في الحادثة جندي وجرح آخر وبعدها أطلق رجل شرطة فلسطيني من عصيرة الشمالية النار على شرطي إسرائيلي كان زميلا له في دورية مشتركة في قلقيلية وأرداه قتيلا وجرح آخر. كان ذلك قبل زيارة شارون. أنا أصف الآن زيارة شارون بأنها استفزازية، لأنها ليست مسألة حق الذهاب إلى هناك، ولكن عندما يذهب شارون على رأس وفد وهو زعيم لحزب الليكود لزيارة الأماكن المقدسة في وضع حساس ومتفجر فان ذلك يعتبر استفزازا. إن الفلسطينيين يبحثون عن ذريعة للقيام بعمل شئ ما. كانت الزيارة عملا خاطئا لم يرق لي. فقد تسببت في التظاهرات. واعتقد أن رئيس وزرائنا اقترف خطأ أيضا. لو كنت مكانه، لدعوت شارون أخبرته "لا أستطيع منعك من القيام بالزيارة، ولكنك ستكون مسؤولا عن النتائج". لم يحدث هذا ولكن أعمال العنف لم تبدأ بسبب هذا؟ فقد قتل إسرائيليان قبل ذلك.
يجادل بعض الناس- من الممكن أن لا يكون جدلا- بأن الإسرائيليين لم يكونوا مستعدين لتقديم التنازلات في القضايا الجوهرية مثل القدس واللاجئين، ويجادل بعضهم الآخر بأن الشعب اليهودي نسي الوضع الذي كان سائدا أيام الانتفاضة، وكان من الضروري تذكيرهم بما سيكون عليه الوضع إذا لم يكن هناك سلام.
- أنت تخلط أمرين أو ثلاثة معا. دعني أتناول أولا قضية القدس وبعدها أتحول إلى النقاط الأخرى. أنا لست متأكدا على الإطلاق مما تقوله حيال القدس وباراك. فحسب ما أعلمه عن تفاصيل ما جرى في كامب ديفيد، يمكنني القول إن باراك كان جاهزا أكثر من كافة الذين سبقوه عندما يتعلق الأمر بالقدس. سوف لن نبحث قضية القدس، ولكننا نعلم بأن الأميركيين أثاروا أربعة إلى خمسة اقتراحات رفضها عرفات جميعا، وكان الإسرائيليون على استعداد لابقاء الحوار مفتوحا حيال قضية أو اكثر، ولذا فان الجدل لم يكن صحيحا عندما يتعلق الأمر باستعداد باراك لتقديم التنازلات إزاء القدس مقارنة مع أسلافه. ولكن دعني أضيف شيئا بخصوص القدس، لقد وجدت في الأسابيع الأخيرة أننا نحن الإسرائيليين وكذلك الفلسطينيين لا نعرف الخطوط الحمراء لكل منا عندما يتعلق الأمر بالقدس. لا نعلم أي شئ عما تعنيه القدس للإسلام ولا ماذا تعنيه لليهودية، ولكن هذا لا علاقة له البتة بالمفاوضات السياسية. يجب تثقيفنا بذلك وكذلك تثقيفكم. أنا أتذكر جيدا ما قاله ولي العهد الأردني السابق الأمير حسن وهو "دعونا نجري حوارا بين الأديان الثلاثة".
أما فيما يتعلق بقضية اللاجئين، أود أن أقول إنني منفتح اكثر بشأن قضية القدس ولكنني متشدد جدا إزاء مسألة حق العودة. إن هذا لا يعني أنني لا أود معرفة ما حصل من مأساة اللاجئين، وقد كانت هذه الرغبة السبب في زيارتي لمخيمات اللاجئين في الأردن اكثر من مرة.
وان سألتني عن استطلاع الرأي العام الإسرائيلي بخصوص حق العودة، فإنني أعتقد أن فرصة دعم مثل ذلك الأمر تكون محدودة للغاية.
والان فيما يتعلق بمسالة أننا نسينا الانتفاضة، هل تعتقد حقا أن باستطاعتك إجبار الإسرائيليين على عمل شيء لا يريدونه أو ضد إرادتهم.
فعلى سبيل المثال، هل يمكننا قبول عدد ما من اللاجئين بسبب رمي الحجارة. لا توجد لذلك فرصة على الإطلاق. فإذا كنا في عملية مفاوضات، علينا بالامتناع والبحث عن حلول وسط ووسائل ورؤية ما إذا كانت هناك أرضية مشتركة. أما بالقوة فسوف لن تكون قادرا على الحصول على ذلك. لقد مضى علينا الآن ونحن بهذا الصدد أكثر من خمسين عاما منذ إنشاء الدولة. لا أستطيع الادعاء بأننا خسرنا، ولكننا نفهم بأن علينا أن نجد طريقة لا نكون فيها مسؤولين عن حكم الفلسطينيين.
والان، إذا جاء شخص ما وقال انه بسبب الانتفاضة، سنقوم مرة ثانية بالسماح لمزيد من الفلسطينيين بالقدوم إلى إسرائيل، فإننا لن نفعل ذلك بالقوة، ونحن لسنا ضعفاء. إذا كانت الحالة هكذا، فانه عندما نصل إلى سوء تفاهم، فإننا سنواجه أعمال الشغب، وقد شاهدنا ذلك في الأردن. نستطيع القول إن العديد من حالات اتفاق وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والحكومة الأردنية قد تم خرقها. نحن نعلم نهاية القصة، وقد رأيناها في لبنان ليس مرة واحدة ولا اثنتين ولا عشر بل 70 مرة. لا تستطيع حل المسألة بالقوة. فقد وصلنا إلى نتيجة عام 1982 مفادها أننا لا نستطيع حل المسألة بالقوة. إذا لم يفهم عرفات أن الأمر هكذا، فعليك أن تتذكر انه كانت هناك أعمال شغب في ثلاث مرات، ولم تكن فقط في الأسبوع الماضي. لم تبدأ هذه الأعمال بزيارة شارون، فمنذ وصول عرفات، أو دعوته للعودة إلى المناطق مع قواته. وهل لي بأن أضع خطا تحت مع قواته، فقد كانت هناك ثلاث موجات من أعمال الشغب. هل تعلم عدد الذين قتلوا بعد قصة النفق وبعد أحداث تشرين ثاني / نوفمبر 96 عندما اندلعت الموجة الثانية من أعمال العنف. كم عدد القتلى بين الفلسطينيين؟
هذه هي المرة الثالثة. ليست هذه هي الطريقة الصحيحة والآن عادت هذه الحوادث للوقوع بين العرب الإسرائيليين حيث قتل ثمانية أشخاص ولربما عشرة. هذه ليست هي الطريقة الصحيحة. أعني انه إذا كان لديك حوار فهذا هو حوار.
أود هنا قول شيء بكل وضوح وأرجو منك تذكره. نحن وأنتم، أعني أنت وأنا والفلسطينيين والعرب كلنا جميعا فقدنا رابين. أنا لا اعتقد أن من الحكمة أن نفقد باراك كذلك، لأننا إذا فقدناه، وأنا لا أقول إنني أوافق على كل شئ يقوم بعمله، فان كافة قطاعات الرأي العام ستتحول من الوسط إلى اليمين وهذا شيء لا نستطيع عمله. سيكون هذا خطأ فاحشا. وأعني بذلك أن علينا (لتحقيق إنجازات) إجراء حوار وليس استخدام القوة. فإذا كان الأمر بالقوة، فسيخسر باراك، وسيخسر الوسط واليسار وسنرى للمرة الثانية المستوطنين المتطرفين وغيرهم يبرزون إلى السطح.
ما هي مقدرة إسرائيل على تحمل وضع مستمر كالذي شهدناه في الأيام القليلة الماضية. بادئ ذي بدء، نحن نفهم مدى قوتكم ونفهم في الوقت نفسه أن هذه القوة لم تنجح في لبنان. هل تستطيع إسرائيل تحمل مواجهات كالتي تجري حاليا لمدة طويلة؟.
- تستطيع توجيه نفس هذا السؤال للفلسطينيين، هل باستطاعتهم الاستمرار باقتراف الأخطاء والمواجهات كتلك التي تجري منذ الثلاثينات والأربعينات؟ هل باستطاعتهم الاستمرار بالخسارة المرة تلو الأخرى، حيث طردوا من الأردن ولبنان والكويت وغيرها. هل هذه هي الوسيلة؟ أعني أن الحقيقة، وأنا أكره أن أقولها، هي أن في أيدينا أوراقا عدة. لا نستطيع العودة إلى الوراء، هذا ما أفهمه من سؤالك حول النمط القديم بعينه. لقد كنا حذرين جدا في المواجهات الأخيرة، حذرين جدا. أنا لا أعلم إذا كنت تدرك بأننا نكبح جماح أنفسنا بقدر كبير جدا. دعني أضرب لك مثلا: الجسور مفتوحة، ليس هناك حظر للتجول في المدن العربية وليس هناك إغلاق للمناطق. وقد عبر ثلث العمال الفلسطينيين من قطاع غزة هذا اليوم للعمل في إسرائيل. الممر الآمن بين غزة والضفة الغربية مفتوح. تندفع البضائع على الميناء باستثناء صنفين لا علاقة لهما بأعمال الشغب هذه. الوقود يدخل إلى المناطق، وكان بإمكاننا وقف تزويد المناطق بالوقود بسهولة. وبذلك تتوقف أعمال الشغب في بضعة أيام. إن هذه ليست علامة ضعف. هذه علامة تنم على أننا لا نريد المواجهات، وأننا نكبح جماح أنفسنا. يتحدث الكثيرون عن دبابات تم نقلها إلى المناطق. دعني أقول لك أنني رأيت ذلك في مكان واحد فقط أثناء جولتي التفتيشية حيث تحركت وحدة واحدة من مكانها. لا أود ذكر اسم الوحدة بالضبط. أما باقي القوات الأخرى فهي نفس القوات التي كانت هناك. قامت الحكومة الإسرائيلية بإرسال المزيد والمزيد من التعزيزات إلى عدد من المستوطنات.
أما بخصوص مقدرتنا على الاستمرار، فبالرغم من أن هذا ليس بالأمر السار، يمكنك أن تحكم على ذلك بالعودة إلى الماضي. وسترى أننا استطعنا ذلك. هل نحب ذلك؟ لا!. ولكننا عندما كنا نقوم بعمل خاطئ في الماضي، فقد كنا نواجه انتقادات من الصحافة الإسرائيلية أقوى من أي جهة أخرى. وقد كنت شخصيا ضد الحرب في لبنان.
ولكننا إذا أجبرنا على الرد على عمل ما بالقوة، فإنني أستطيع التأكيد لك بأن الإسرائيليين يستطيعون القيام ذلك.
تقول الآن إن الجيش الإسرائيلي كان مقيدا جدا.
- نعم مقيد جدا.
ومع ذلك فان عدد الإصابات بين الفلسطينيين مرتفع جدا.
- أستطيع تفسير ذلك لك لأن المسألة سهلة وأعني بذلك أنني عندما تفحصت الأمر مرارا، كان واضحا لي أن الفلسطينيين أخذوا زمام المبادرة وبدأوا الهجوم. لقد بدأوا الهجوم في الوقت الذي كان فيه الجنود الإسرائيليون معظم الوقت- أستطيع القول إنهم خلال 25% من الحوادث- داخل ثكناتهم للاحتماء وهذا تفسير جيد من وجهة النظر التكتيكية. وتفحصت الأمر مرة ثانية – وكان أعضاء تنظيم فتح في بعض الأحيان يقومون بأعمال حمقاء من وجهة النظر العسكرية وهو تعريض شعبهم للخطر بطريقة عسكرية غبية. لذا هذا هو التفسير.
ولكن معظم الإصابات كانت بين أناس غير مسلحين. كانت معظم الإصابات لأناس قاموا بإلقاء الحجارة.
- أنا لست متأكدا إن كنت على صواب. يكون ذلك صحيحا بالنسبة للعرب الإسرائيليين، ولكنني لست متأكدا على الإطلاق بالنسبة للفلسطينيين في المناطق. أنا هنا لست متأكدا أبدا. وباستطاعتك رؤية ذلك على شاشة التلفزيون أيضا.
أنت مراسل عسكري الآن – إذا أراد الفلسطينيون المسلحون تصعيد الموقف وقاموا بإطلاق النار على الجنود الإسرائيليين، فكيف تفسر عدد الإصابات المنخفض للغاية بين الإسرائيليين؟
- كما شرحت لك، لأن الجنود الإسرائيليين كانوا في مواقع محصنة، ولأنهم كانوا بداخلها ولم يكونوا المبادرين في المواجهات، لأنهم لم يخرجوا من أماكنهم. كانوا يحتمون في مواقعهم الحصينة، في الخنادق، أو ما شابه ذلك. لقد كانوا متحصنين بشكل أكبر.
إذا ترك شخص موقعه وقام بالاعتداء، فانه يكون معرضا للخطر بشكل أكبر، هذا هو السبب. وهذا هو التفسير الجيد. فقد قرأنا في اليومين الماضيين بأن الجيش الإسرائيلي استخدم القذائف المضادة للدروع والصواريخ في بعض الأحيان. وقمت بالتحقق من عدد هذه المرات وستصيبك الدهشة حين تعلم بأن العدد كان محدودا جدا. ودوت صواريخ مضادة للدبابات في قطاع غزة، ولن أخبرك عن المسؤول عن هذا حينما تحدث أشياء من هذا القبيل. الضابط لا يستطيع إصدار أمر باستخدام صواريخ لاو المضادة للدبابات. هذا الأمر يجب أن يصدر عن سلطات أعلى من ذلك بكثير. أستطيع القول لك بأنه قد تم إطلاق أحد عشر صاروخ لاو فقط. ولذا فإنني وصفت الجيش الإسرائيلي بأنه كان مقيدا.
لقد أصبت بالدهشة هذا المساء مع بعض الجنرالات أثناء مؤتمر صحفي عند سماع بعض الصحفيين وهم ينتقدون الجيش بسبب ذلك. لذا دعنا نضع الأمور في نصابها. إذا كان الهدف هو إيقاع اكبر عدد من الإصابات، فهذا أمر سيئ جدا. لأن مزيدا من الفلسطينيين سيلقون مصرعهم إذا لم تكن هناك أوامر مقيدة لتصرفات الجنود.
إنه لا حاجة لزيادة عدد القتلى، ولكن هذا هو الموقف كما أراه.
لكنكم هزمتم في جنوب لبنان، ولذلك قمتم بسحب قواتكم؟
- إذا انتقلنا إلى موضوع لبنان، أستطيع القول إن الإسرائيليين كانوا في الجولة الأخيرة مكرهين على الانسحاب بسبب الأوضاع هناك. وأيضا بسبب الضغط الذي مارسه الرأي العام الذي اعتبر أن الإصابات بين الجنود الإسرائيليين عالية بينما هي لم تكن كذلك. ولكنهم اعتبروا ذلك شيئا عبثيا لأنه كما ترى كان عدد الإصابات في السنين السابقة أعلى. لم يكن ذلك يفي بما كنا نطمح لعمله. وقد استمر عدد الإصابات بين جنودنا لسنين عديدة في لبنان حوالي عشرين قتيلا سنويا.
وحتى أن هذا العدد تناقص فيما بعد. ولكن الرأي العام الإسرائيلي اعتبر ذلك إزهاقا للأرواح لا داعي له، لذا كان علينا الانسحاب بغض النظر عن الطريقة التي سيفسر بها ذلك الانسحاب.
قبل سنين خلت، قام الرئيس ايزنهاور قبل أعياد الميلاد بأيام قليلة بسحب القوات الأميركية من كوريا استجابة للرأي العام. لقد وعد وأوفى بوعده.
* نعم، ولكن ما أردت قوله هو هل تتوقع إصابات أقل بين جنودكم في الضفة الغربية؟
- انظر، هناك فرق واحد. دعني أقول لك إن عدد المدنيين الفلسطينيين المتورطين في المواجهات هو عدد هائل. يستطيعون التضحية ولكن عليهم أن ينسوا شيئا اسمه الدولة. سوف لن تكون لهم دولة.
هل تعتقد بوجود فرصة لدولة؟
- دعني أنهي كلامي وسأجيب على سؤالك فورا. إذا كان الأمر يتعلق بحرب فيها إصابات، فلن تكون هناك دولة. وتذكر أن مواجهات كهذه سوف لن تستمر في المناطق أو في إسرائيل فقط وسوف تنتقل إلى الأردن كذلك. أنت تعرف ذلك وتعرف ذلك بشكل أفضل مني. ماذا كان سؤالك الثاني الذي بدأت بإلقائه؟
كان سؤالي الثاني بأنك تتحدث وكأن إسرائيل على وشك الاعتراف بالدولة بعد هذه المواجهات؟
- أعتقد انه ليس مفروضا علينا أن نتوصل إلى اتفاقية وتفاهم مع الفلسطينيين بسبب المواجهات. علينا أن نرى قيام دولة فلسطينية. نعم! هذا ما أشعر به وكنت أعتقد أنه كان خطأ من جانبنا عدم المفاوضة على ذلك قبل بضع سنين.
كان على رابين أن يخبر عرفات بأن إقامة دولة فلسطينية هو أسمى ما تطمحون إليه. لماذا نهدر الوقت والدم والطاقة.
لنقم بعمل ذلك ونوفر الوقت – فأنت لم تعد صغيرا في السن. هذه اتفاقية وتفاهم وبذلك تكون هناك دولة فلسطينية ويكون الجدل الحالي حول أمور أخرى مهمة. نعم يجب أن نرى دولة فلسطينية ولكن السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه: أي نوع من الدولة الفلسطينية وسط سفك الدماء هذا. يتفهم معظم الإسرائيليين اتفاقية تقود إلى إنشاء دولة فلسطينية.
وتظل المسائل المتعلقة بالحدود، القدس، الترتيبات الأمنية واللاجئين الفلسطينيين. هذه أمور يجب أن نتوصل لتفاهم حولها. يمكننا التوصل إلى اتفاقية ولكن ليس عن طريق القوة.
إذا كنا في كل مرة لا نتفق فيها تؤدي إلى أعمال شغب أو شيء من هذا القبيل فانه لن يكون هناك اتفاقية. أنا على استعداد للتخلي عن معظم المناطق ولكن إذا كانت هذه مجرد بداية جولة من الصراع، فلن يكون هناك تخل عن بوصة واحدة. وإذا كانت حربا فإنني لن أكون على استعداد للتخلي حتى عن سنتمتر واحد لأن ذلك بسبب الحرب.
ولكن إذا كان ذلك عن طريق التفاهم، فانه ليست لدي مشكلة للتوصل إلى اتفاقية سخية ومنفتحة بكل معنى الكلمة. نعم سنرى دولة فلسطينية، آمل ذلك ولكن ليس عن طريق المواجهات وسفك الدماء.
كيف يكون المرء سخيا عندما يعيد شيئا احتله؟ القدس أرض محتلة وهذا أمر معترف به دوليا. لذا كيف يكون الإسرائيليون أسخياء جدا مع الفلسطينيين بمنحهم الصفقة والعرض الجيدين وذلك بإعادة أرضهم لهم؟
- إذا كنت تعتقد بأنه كان يتحتم علينا خوض حرب الاستقلال عام 47 و 48 و 49 فان القصة تكون مختلفة. ولكننا نريد إنهاء المسألة. فإذا كنت تود الآن أن تناقش معي قضية القدس، فليست لدي مشكلة، ولكن هذه المسألة تشكل قضية معقدة ذات تفاصيل كثيرة جدا، إنها ليست فقط أقل من كيلومتر مربع على الحرم الشريف وحائط المبكى وهو موقع يهودي مقدس والحي اليهودي السابق، وبالمناسبة فانك حينما تنظر إلى الكتاب السنوي الأردني فسوف ترى خريطة غريبة فيه. فالحي اليهودي غير مذكور وهذا شيء لا أكتب عنه. وإذا قدر لك أن ترى ذلك، فلا تتردد في إمعان نظرك فيه. لذا فان القدس تمثل عددا من المشاكل. إن فيها أماكن مقدسة للأديان الثلاثة، وهي المدينة القديمة داخل الأسوار والضواحي حولها وعلينا التفاوض حول ذلك. وأنا أعتقد شخصيا أن بإمكاننا التوصل إلى حل.
ولكن هناك مشكلة كبيرة – فقد ألغيت القمة التي كان مقررا لها أن تعقد بين عرفات وباراك في باريس. هل ثمة ضوء في نهاية النفق حسب رأيك؟
- أنا لا أرى انهم سيوافقون على مشاركة أوروبية مباشرة. ولكن يمكننا تلمس بعض المساعدة. وإذا لم يحصل ذلك في باريس، فربما تشهده في القاهرة. وإذا لم يكن في القاهرة، فمن الممكن أن نشهد المزيد من المواجهات. ولكن يجب توضيح شيء واحد وهو على ما أعتقد أن الطرفين اتفقا على التحدث. يجب عليك أن تتذكر انه قبل بضعة أيام فقط من موجة العنف الأخيرة قام عرفات بزيارة باراك في منزله الخاص في شمال تل أبيب. كان كل شيء على ما يرام، إنما يجب ألا تذهب إلى اجتماع في باريس أو القاهرة في الوقت الذي لا تزال فيه أعمال العنف مستمرة. إذا كنت تريد التفاوض، وإذا كنت تريد مناقشة قضايا، فان إعمال العنف لا تعمل بنفس الطريقة. لقد كتبت تقريبا رسالة دكتوراه حول عشرات الحالات من وقف إطلاق النار أبرمت في بيروت بين الفلسطينيين والجماعات الأخرى هناك. لا نستطيع بدء عملية لبننة هنا. أعتقد أننا لن نسمح بذلك.
إنها تختلف لأن الظروف مختلفة.
- إنها تشمل نفس اللاعبين. سوف لن نسمح لنفس الشيء الذي حدث في بلدكم وفي لبنان أن يحدث هنا لانك تعلم – أنا لا أود أن يساء فهمي –وأنا أود أن أكون حذرا جدا بشأن هذا، ولكن عليك أن تتذكر أن علينا أن نتعلم من الأخطاء التي ارتكبت هناك. وكلنا يعلم ماذا كانت نهاية القصة.
نعم، كانت نهاية القصة أن شارون أخفق في القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن هناك الآن قصة مختلفة.
- إذا أردت أن ترجعني إلى القصة، فقد أخفق شارون وكنا على علم بأنه سيفشل. ولكن عرفات طرد من بيروت من قبل الإسرائيليين وفيما بعد من قبل السوريين. ولذا فان هذه ليست قصة عملة بوجه واحد. فقد أخفق شارون لأن أهدافه كانت خاطئة.
فشل عرفات لأن أهدافه كانت خاطئة أيضا. ولكن شيئا حدث منذ ذلك الحين – نحن نفهم أننا قد فشلنا، ولكن جاء رابين بعد ذلك، وجاء بيريز بعده، وتم التوصل إلى اتفاقية أوسلو. دعا رابين عرفات وقواته للدخول إلى فلسطين. تذكر هذه بأنها كانت دعوتنا لعرفات وهو في وضع سيئ بعد حرب الخليج. ذهبنا إلى أوسلو للتوصل إلى اتفاقية. لذا إذا كنت تود إعطاء درس في التاريخ، فلتسمح لنا بقراءة الصفحات الأخرى من هذا الكتاب.
الإسرائيليون يستخدمون صواريخ لاو وقاموا بمهاجمة مبان سكنية وسيارات إسعاف أيضا. أين الحكمة في كل هذا؟
- استخدمت صواريخ لاو حسبما أعلم في أماكن انطلقت منها نيران الأسلحة. أما بخصوص سيارات الإسعاف، فأنا لا أعلم ولا أستطيع إجابتك.
حسب معرفتي، كانت هناك حالة واحدة حينما تقدمت سيارة إسعاف لنقل المصابين الفلسطينيين أنا أعلم بتلك الحادثة. وفي نفس الوقت أستطيع إعلامك أيضا أن شرطيا في قبر يوسف نزف حتى الموت لمدة أربع أو خمس ساعات دون أن يستطيع أحد إخراجه من الموقع بسبب تنظيم فتح في الخارج. انه أمر سيئ أن تضرب سيارة إسعاف ويقتل طفل مثل الطفل الذي قتل في غزة. انه أمر سيئ أن يترك الجرحى ينزفون حتى الموت.
هل احتمال شن هجوم عسكري إسرائيلي على الضفة الغربية ومنطقة "أ" أمر وارد؟
- لا أعتقد ذلك. إذا كان علي أن أقيم الوضع حتى هذه اللحظة التي نتحدث فيها، فإنني لا أرى هذا الاحتمال. فالإسرائيليون لم يدخلوا قبر يوسف وهو موقع في المنطقة "أ" سوف نناقش في الغد قضية القدس وستثار مسألة حائط المبكى وكيفية وصولنا إليه. وسوف تسمع الجواب.
لا يستطيع المرء الاعتماد عليهم فسوف لن يسمحوا لنا بذلك. وهذا ما حدث عندما كان الأردنيون يسيطرون على المدينة. إن الجواب على سؤالك هو أنني لا أعتقد بذلك. وان القيام بهذا العمل يعتبر بمثابة نقطة تحول خطيرة، وأنا أعتقد أن علينا أن لا نقوم بها ما لم تحدث كارثة أو شيء لا يمكن تصديقه. لا يوجد سبب واحد حتى للتخطيط لذلك. لسنا بحاجة للدخول إلى المناطق، لأنك إذا كنت تريد خنق مكان فلا يتوجب عليك الدخول إليه. فهناك طرق أخرى. ليس لدينا سبب لذلك.
* قال باراك من قبل انه سيضرب حصارا حول الضفة الغربية وأنه سيجوع سكانها.
- أنا لا أتذكر شيئا من هذا القبيل. عليك أن تقنعني بالحقيقة.
أنا لا أقوم بإقناعك، أنا أسألك.
- لا، أنا لا أعتقد ذلك. أنا لا أعتقد أن أحدا يفكر في ذلك. نحن نفكر في المفاوضات التي ستجري بعد توقف المواجهات. تذكر أننا أجرينا مناقشات مطولة قبل المواجهات. فقد تساءلنا ماذا سيكون عليه الحال إذا حدثت مواجهات؟ ماذا ستكون النتيجة؟ وقد وافق معظم أعضاء التنظيمات على أننا سنذهب إلى المفاوضات بعد انتهاء المواجهات. إذا كنا سنذهب إلى المفاوضات، لماذا القيام بمثل هذه الأعمال ؟ إذا كنا سنذهب إلى المفاوضات، فلماذا نقوم بتجويع الناس؟ لماذا التسبب بهذه الإصابات العالية جدا؟ علينا إنهاء ذلك – وليس زيادة عدد الإصابات- . لذا فأنا لا أعتقد أن باراك يفكر في هذا الأمر – أنا لا أعتقد أن هذا هو هدفه. أنا أعلم ما هم بصدد مناقشته وكيف يدربون أنفسهم. هذا هو الموقف الآن. فإذا حدث شيء رهيب، كأن تسقط السماء على الأرض فسيكون الموقف مختلفا حينئذ.
حسنا، وإذا لم يحدث شيء رهيب ولم تسقط السماء وتوقفت المواجهات، هل تعتقد أن كلا الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني سيعودان إلى المفاوضات وفقا لنفس الأسس – معاهدات أوسلو والاتفاقيات الأخرى- أم سيكون هناك مشهد آخر.
- سيكون الشيء الأول هو العودة إلى المفاوضات. ليس لدي شك بأننا سنعود للمفاوضات. لسنا بحاجة للمزيد من مؤتمرات القمة. نحن نعرف مواقف بعضنا البعض. لقد أجرى المتفاوضون مناقشات طويلة في كامب ديفيد ونحن نعرف بماذا يفكر كل واحد بشأن المناطق. نحن بحاجة إلى قرارات فقط. علينا مناقشة بضعة أمور من خيارات أربعة أو خمسة. نستطيع تناول خيار واحد أو اثنين معا، ونستطيع الانتقال لموضوع اللاجئين. لا أعتقد أنك بعد أعمال الشغب وبعد هذه المواجهات سترى أحدا في وضع جيد، لقد تعلمنا شيئا مما حدث. عليك أن تتوقع أن لا يقول لك الإسرائيليون خذ كل شيء تطلبه أو أنهم يوافقون على عودة اللاجئين أو إعادة القدس كلها. من الأفضل أن لا نرتكب خطأ هنا. حسب معرفتي، في جانبنا، يقول الكثيرون من الناس. انظروا، عرفات لجأ إلى أعمال العنف لأنه سيتنازل عن شيء فيما بعد في القدس. وأنا أقول أنك مخطئ هذا ليس ما يقوله ويفكر فيه. علينا أيضا أن نفهم أن هناك أيضا خطوطا حمراء أخرى على الجانب الآخر، ولكن علينا أن نجد وسيلة للتوصل إلى اتفاقية.