واشنطن – منير ناصر
وقع الأردن والولايات المتحدة اتفاقية التجارة الحرة في الشهر الماضي، وهي أول صفقه في تاريخ الولايات المتحدة التجاري تفرض على البلدين احترام قوانينهما المرعية وضمان حقوق العمال وحماية البيئة. ويعتقد الدكتور مروان المعشر سفير الأردن إلى الولايات المتحدة أن هذه الاتفاقيات ستعزز الاقتصاد الأردني وتساعد على جذب الاستثمارات المشتركة.
وقال الدكتور المعشر في مقابلة خاصة مع "البوابة" إن اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها الولايات المتحدة مع كندا، والمكسيك واسرائيل ستتمخض عن توسع سريع في بعض القطاعات مثل قطاعات الصناعات الدوائية وتكنولوجيا المعلومات، والفيديوات، وتطوير صناعة البرمجيات في الاردن.
وفيما يلي مقتطفات من المقابلة:
تنص اتفاقية التجارة الحرة التي وقعها الأردن مع الولايات المتحدة على الخفض التدريجي للتعرفة الجمركية على المنتجات الصناعية والتجارية خلال فترة 10 سنوات. فلماذا هي محدودة بعشر سنوات؟
- هذا ما توصلنا إليه في المفاوضات، سيعفى 70 بالمئة من جميع المنتجات على الفور من الرسوم الجمركية أو سيخضع لنظام الكوتا. أمَّا نسبة االثلاثين بالمئة الباقية فستخفض تعرفتها تدريجياً، ولن تصل جميعها الى مستوى الغاء التعرفة كلياً خلال عشر سنوات، لكن العشر سنوات هي الموعد الاقصى لإعفاء جميع المنتجات. ولا شك أنه لن يكون لدينا أية تعريفات أو حصص نسبية على أي منتج في الاتفاقية مع بعض الاستثناءات، ربما اثنان أو ثلاثة، مثل الكحول والتبغ لكن بالنسبة للأغراض العملية، فإن جميع المنتجات ستدخل البلدين معفاة من الرسوم الجمركية.
هل يتضمن هذا الخدمات ؟
- نعم، ثمة فصل خاص بالخدمات، مثل الأعمال المصرفية، والسياحة تسمح لصناعة الخدمات، وليس المنتجات فقط، بحرية الدخول والخروج الى كلا السوقين. لذلك حين نتحدث عن الخدمات المالية، فإن ذلك سيعزز إلى حد كبير قدرة البلدين وثقتهما بالعمل معاً.
ما هي المنتجات التي سيكون في وسع الاردن تصديرها الى السوق الأميركي ؟
- أي منتج يصنع في البلاد يمكن تصديره معفى من الرسوم الجمركية، وهذا مهم لأن الكثيرين يعتقدون أن ليس لدى الأردن اليوم الكثير من المنتجات التي يمكن تصديرها إلى الولايات المتحدة. لكن يجب علينا ألا نحكم على أهمية الاتفاقية من المنتجات التي نصدرها الى الولايات المتحدة حالياً. ما ستفعله الاتفاقية هو ايجاد استثمارات لمنتجات لا تصنع حالياً في الاردن. ويمكن (لدول اخرى) استخدام هذه الاتفاقية كمنطلق لدخول السوق الاميركي.
وكمثال على ذلك، ما شهدناه خلال العامين الماضيين في المناطق الصناعية المؤهلة . وصناعة الحقائب في الاردن، مثل حقائب ماركة "سامسونايت" وهو منتج لم يكن يصنع في البلاد سابقاً، لكن بسبب المنافسة الشديدة لدخول الولايات المتحدة من دون رسوم جمركية رأينا الاستثمارات تنتقل من جنوب شرق آسيا، مثلاً، ومناطق أخرى من العالم، الى الاردن للاستفادة من هذه الاتفاقية. لذلك، ستتوسع المجموعة الحالية من الصناعات، وتكبر كثيراً بفضل الاتفاقية.
هل يمكنك شرح دور المناطق الصناعية المؤهلة بين إسرائيل والأردن في هذه الاتفاقية؟ وهل هناك متطلبات مفروضة حول حجم المدخلات الاسرائيلية فيها؟
- المناطق الصناعية المؤهلة في الأردن تحدد الحد الأدنى للمدخلات الإسرائيلية بمقدار 8 بالمئة، حتى يسمح لها بدخول السوق الأميركي من دون رسوم جمركية أو تعرفة. وهو ترتيب اضطر الأردن للدخول فيه لأننا لم نكن قد وقعنا اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وأردنا الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع قيام الأردن بالتفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة حول اتفاقية التجارة الحرة، لم تعد هناك حاجة لطلب المدخلات الإسرائيلية. وطالما أن المدخلات الاردنية، أو المدخلات الأردنية الأميركية تصل إلى 35 بالمئة فإن في وسعنا دخول السوق الأميركي دون دفع رسوم جمركية. وهو أمر يختلف عن المناطق الصناعية المؤهلة في أنه لا يفرض وجود أية مدخلات اسرائيلية.
هذا يعني أن المناطق الصناعية المؤهلة، ستواصل العمل بشكل منفصل عن اتفاقية التجارة الحرة ؟
- نعم، لأن جميع المنتجات التي تصنع في تلك المناطق يمكن أن تدخل مباشرة من دون رسوم جمركية أو تعرفة، في حين أن أمام بعض المنتجات عشر سنوات لتنخفض رسومها تدريجيا. الاختلاف الآخر، أن المُنْتَج الاردني قد لا يتمكن من تلبية مطلب الحد الأدنى من المدخلات البالغ 35 بالمئة. فقد تُجلب مدخلات اسرائيلية مقدارها 8 بالمئة، ويمكن للاتفاقيتان أن تتعايشا، ويمكن للأردنيين استخدام الميزة النسبية التي يمكن لكلا الاتفاقين أن يقدماها.
هل يمكن لطلب الـ 35 بالمئة أن يأتي من مستثمرين عرب يقومون بمشاريع مشتركة مع الأردنيين.
- الاستثمار يمكن أن يأتي من أي مكان، أما التصنيع فيجب أن يتم في الاردن. فطلب الـ 35 بالمئة لا يتعلق بالرأسمال الأردني، بل بالتصنيع الأردني، المصانع يجب أن تكون في الأردن، ولا يمكنك، مثلاً شراء شيء من الصين وإعادة شحنه إلى الولايات المتحدة. هذا لا يجوز.
كانت هناك بعض الاصوات من نقابات العمال طالبت بمقاطعة المنتجات الأميركية، فكيف سيؤثر ذلك على اتفاقية التجارة الحرة ؟
- الواقع أنني لم أر أية معارضة لاتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، على العكس من ذلك، ثمة إدراك أنها ستساعد الاقتصاد الأردني بقدر عظيم، إذا نظرنا الى المناطق الصناعية المؤهلة نرى أنها حققت نجاحاً هائلاً في مجال توفير فرص عمل. فقد أوجدت 7 آلاف وظيفة جديدة، ورغم أنه لم يمض عامان على وجودها فقد اجتذبت استثمارات أجنبية كبيرة. وهو ترتيب حقق نجاحاً كبيراً في الأردن.
وفقاً للقوانين المرعية في البلاد، فإن الأردنيين أحرار في شراء المنتجات التي يرغبون. أمَّا إذا كان سؤالك عما إذا كان لذلك الأمر تأثير كبير على اتفاقية التجارة الحرة
فالجواب هو كلا.
كان هناك بعض القلق حول القوانين الخاصة بحماية حق النشر، فكيف تم تناول هذه المسألة في الاتفاقية ؟
- أحد المطالب المسبقة للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والتفاوض على اتفاقية التجارة الحرة فرض على الاردن في العام الماضي، سن قوانين تتعلق بالملكية الفكرية، جعلت الأردن من أوائل الدول في المنطقة (في هذا المجال). وهذا بالطبع سينتج عنه قيام شركات في قطاعات مثل الصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات أو الفيديو، مثلاً، أي شركات لا تقوم بنسخ منتجات مسروقة.
ما هو تأثير كل ذلك على صناعة البرمجيات في الأردن؟
- هذا سيؤدي الى تطور صناعة البرمجيات في الأردن، وجذب الاستثمارات الأجنبية التي لن تتوانى عن الحضور إلى الأردن لأنها تعرف أن منتجاتها محمية. الواقع أننا بدأنا نرى اهتمام شركات الأدوية بالمشاريع المشتركة في الأردن، واهتمام شركات التكنولوجيا العالمية بإقامة ورش ومعامل لتطوير البرمجيات في البلاد، كما رأينا تطوير البرمجيات المحلية يزدهر في الأردن أيضا بفضل قوانين حماية الملكية الفكرية. ومن المؤكد أن النتيجة النهائية ستكون ايجابية للغاية، لتطوير قطاعات الاقتصاد الرئيسية هذه في المستقبل.
علمت أن هناك بعض المعارضة لاتفاقية التجارة الحرة في الكونجرس، كما قالت غرفة تجارة الولايات المتحدة إنها ستسعى إلى جعل الكونجرس يلغي البنود التي تحمي حقوق العمال والبيئة. هل يمكنك الحديث عن هذه الامور التي تقلق الكونجرس ؟
- للجمهوريين والديمقراطيين أيديولوجيا مختلفة حول اتفاقيات التجارة الحرة. في حين يفضل الديمقراطيون شمول قضايا العمل والبيئة في أي اتفاق، مؤكدين على حماية حقوق العمال، وألا يكون في الاتفاقية شيء يضعف القوانين المتعلقة بالبيئة، فإن الجمهوريين مثلاً، يشعرون أن هذه القضايا لا تخص هذا النوع من الاتفاقيات. لقد أدركنا هذه الاختلافات منذ البداية، وعملنا بشكل وثيق مع كلا الحزبين في الكونجرس طيلة فترة المفاوضات. وأعتقد أننا خرجنا بنص مقبول من الطرفين، لن يلبي بالطبع مطلب كل عضو فيهما، لكني أشعر أننا لبينا المطالب الرئيسية لكلا الحزبين في الاتفاقية، وأتوقع أن يوافق عليها كلا الحزبين حين تعرض عليهما.
لذا، أنت تتوقع بعض الجدل حولها في الكونجرس قبل اقرارها بشكل نهائي؟
- بالتأكيد، هذه قضية لا تخص الأردن وحده. قضايا العمال والبيئة هي قضايا ايديولوجية لدى كلا الحزبين وجهات نظر قوية حولها، لكنها وجهات نظر خاصة بتلك القضايا، وليس بالأردن بالذات، لدينا قوانين ممتازة للبيئة والعمال في البلاد بموافقة جميع الأطراف هنا، بما في ذلك الادارة الاميركية والكونجرس لذلك، هذه قضية لا تتعلق بالأردن مباشرة، بل تتعلق بمفهوم اتفاقيات التجارة الحرة وما يجب أن تشتمل عليه.
ما سبب كل هذا الاهتمام بحقوق العمال في الأردن مثلاً ؟
- ليس لدى الأردن مشاكل بالنسبة لحقوق العمال. الواقع، أن قوانين العمل في الأردن إيجابية للغاية، وهو أمر تقره نقابات العمال هناك، ليس لدينا مشكلة محددة حين يتعلق الأمر بالأردن، لدينا مشكلة مفاهيم مع الجمهوريين الذين يعترضون، من حيث المبدأ، على شمول النص الرئيسي للاتفاقية قضايا العمال أو البيئة، كما أن الجمهوريين يحبذون، من حيث المبدأ تضمين الاتفاقية قضايا العمل والبيئة، لكن أيا من الحزبين لا يعترض على قوانين العمل والبيئة في الأردن أو على جزء منها. الواقع أن الجميع هنا، قطاعات الأعمال، والجمهوريون، والديمقراطيون ونقابات العمال، يقرون حقيقة أن لدى الأردن قوانين جيدة.