المقاطعة التي قسمت العرب.. عربين!

تاريخ النشر: 27 أغسطس 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان – خالد أبو الخير 

لم يتمخض اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي انعقد في القاهرة مؤخراً عن اتخاذ قرار بشأن المقاطعة العربية لإسرائيل، وانقسم فيه العرب، شأنهم دائماً.. عربين، في الوقت الذي تتواصل فيه الهجمة الإسرائيلية على الفلسطينيين متخذة زخماً إضافيا تبدى في محاولات الاقتحام المستمرة للمدن الفلسطينية، وهو الزخم الذي سيزداد في الأيام القليلة القادمة جراء الدعم الأميركي اللامحدود لسياسات شارون الذي تبدى في تصريحات جورج دبليو بوش أول أمس. 

ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن: ما هي الجدوى الحقيقية للمقاطعة العربية لإسرائيل في ظل أن الاختراقات التي كانت تقع أكثر من أن تحصى ووسائل التحايل عليها بالتواطؤ مع جهة هنا أو هناك أكثر من يسيطرعليها ؟ 

في كتابه "أسرار مكشوفة" الصادر نهاية عقد التسعينات، يقول الكاتب الإسرائيلي إسرائيل شاحاك إن الدول العربية بدأت بإجراء مقاطعة للتجارة مع إسرائيل منذ عام 1949، غير أن دولا عربية معينة توقفت عن المقاطعة منذ عام 1967 وبعد حرب الخامس من حزيران مباشرة، واستمر ذلك حتى أصبحت هذه التجارة السرية تشكل أحد دعائم الاقتصاد الإسرائيلي المهمة.  

ويربط شاحاك غزو لبنان عام 1982 بهذه التجارة بشكل مباشر، ويشير إلى أن رواج هذه التجارة يرجع لسببين رئيسيين هما: 

1- فساد بيروقراطي عربي. 

2- مطالب الجماهير العربية لبضائع رخيصة الثمن للمشترين وتوفر ربحاً وفيراً للتجار.. وهناك سبب ثالث ثانوي هو ترويج هذا البضائع الإسرائيلية من قبل نجوم سينما عالميين.  

وينقل شاحاك عن باحث إسرائيلي آخر هو "جيلبير" أن أول تصدع في جدار المقاطعة العربية كان بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، إذ سرعان ما بدأت البضائع الإسرائيلية بالتدفق وغمر الأسواق العربية خلافا لأهداف المقاطعة كلها، ونتيجة لذلك "أصبح جدار المقاطعة كالمنخل" فبشكل فوري عين إسرائيليون في الغرف التجارية العربية لإدارة هذه التجارة، ثم بدأت المناطق- الضفة والقطاع- بالعمل كمركز شحن لتصدير البضائع الإسرائيلية للدول العربية عبر الأردن، وحاول الأردن بالتعاون مع مكتب المقاطعة وقف هذا النشاط عبر بيانات أصدرها ثم عبر سياسة اتبعها تقضي بالإصرار على وجوب إبراز بطاقة على البضائع تقول "صنع في الضفة الغربية، وصنع في غزة"، ثم بعد ذلك أصبح لزاما أن تبين البطاقة اسم المصنع العربي المفترض أنه المصنع المنتج.  

وأقامت إسرائيل على عجل مصانع مهمتها تغيير البطاقة على منتجات مصانعها لكن الأردن الذي مرت البضائع الإسرائيلية بأشكال معينه عبر أراضيه وضع ضوابط فعالة ومحكمة لحماية أسواقه، وقد سجل العام 1975 تراجعا في الصادرات مقارنة مع الأعوام 1967-1975، فقد أعلن مثلا (جورج شولتز) وزير خارجية أميركا الأسبق عن محاولة لتحسين نوعية الحياة في الأراضي المحتلة، وحاول بعض الفلسطينيين من حملة الجنسية الأميركية القيام بفتح مشروع للأسمنت في الضفة الغربية، وكان الشرط الإسرائيلي للموافقة وجوب تصدير جميع الإسمنت للدول العربية عن طريق الأردن، وألا يسوق منه أي شيء في إسرائيل والمناطق المحتلة، فرفض المستثمرون الشرط الإسرائيلي ثم عادوا عام 1991 أي بعد خمس سنوات تقريبا لإثارة الموضوع، وكان الشرط الإسرائيلي هذه المرة أن توضع بطاقة صنع في إسرائيل على البضائع المصدرة عبر الأردن. 

يتابع (شاحاك) قائلا إن إسرائيل تتطلع لسيطرة مطلقة على الأسواق الأخرى، وليس لسيطرة شكلية، وينقل شاحاك عن (جيلبر) ادعاءات بغزو البضائع الإسرائيلية لأسواق لبنان وسوريا دون أن تحمل أي بطاقة إنتاج تدل على أنها صنعت في إسرائيل، ولأن إسرائيل منذ عام 1978 (وحتى العام) 2000 كانت تسيطر على جانبي حدود رأس الناقورة فما على الشاحنات العربية سوى تحميل البضائع من الشاحنات الإسرائيلية دونما حاجة لتقييم جمركي كما يحصل على جسور نهر الأردن، ويدعى (جيلبر) بأنه لا أحد يهتم بالبضاعة طالما أنه لم توجد عليها بطاقة "صنع في إسرائيل" فتصل للسوق العربية والكل يعرف أنها إسرائيلية. وتدخل لبنان أولا ثم سوريا على شكل (بضاعة مهربة)، ويقول شاحاك بأن الاقتصاد كان وراء احتلال جنوب لبنان على مرحلتين 1978 و1982.  

ويشير شاحاك إلى أن بيانات جيلبر أوضحت أن المصدرين الإسرائيليين يعملون وتدفعهم حوافز قويه للبحث عن أسواق جديدة، وهذا ما حدث بعد خسارة الصادرات الإسرائيلية للسوق الإيرانية إثر سقوط الشاه، ويشير شاحاك إلى مقال نشره أحد صقور حزب العمل يؤيد أقوال جيلبر، وهو (هاجاي ايشد) وهو صديق (شارون) ونشر المقال في دافار، وأوضح فيه أن الهيمنة التجارية على الشرق الأوسط يجب أن يفوز بها اثنان من التجار هما اليهود والموارنة، وأكد أن الهيمنة كانت وراء غزو لبنان، لكن بشير الجميل الذي أصبح رئيسا للجمهورية اللبنانية طالب بإعادة الرقابة الجمركية اللبنانية على الحدود مع إسرائيل على الفور. وقد غضب بيغن لذلك. ويقول شاحاك أنه حدس أن اغتيال الجميل لم يكن بعيد الصلة عن هذا الخلاف مع بيغن حول الرقابة الجمركية.  

ويتابع شاحاك قائلاً: لا تستطيع أي حكومة لبنانية تحمل التغلغل الاقتصادي الإسرائيلي في لبنان حتى ولو تسامحت لأي سبب بوجود عسكري على أراضيها، فبسبب هذا التغلغل ستسوق كميات كبيرة من الصادرات الإسرائيلية في لبنان دونما رقابة جمركية وحدودية، ففي مناطق لبنان المحتلة تباع البضائع ببطاقات المصنع الإسرائيلي لكنها لا تكون كذلك في المناطق الأخرى من لبنان مثلا، وهناك مؤسسات وهمية في قبرص واليونان وإسبانيا أسست لتكون وسيطة من أجل هدف وحيد. وهو تمويه حقيقة أنها من صنع إسرائيلي. ويشير "جيلبر"أن حجم التجارة هذه حوالي 1.5- 2.0 مليار دولار باستثناء الأسلحة والمنتجات الأمنية، وقد أعادت إسرائيل إبان حرب الخليج أقنعة غاز عليها بيانات بالعربية كانت قد صدرت إلى ألمانيا ثم أعادت إسرائيل شراءها في حرب الخليج على عجل، فلماذا تصدر أقنعة لألمانيا بالعربية لولا أنها كانت صدرت للبلاد العربية؟ كما يتساءل شاحاك، ويقول إن حجم الصادرات الخفية للدول العربية تصل إلى 10% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية أي حوالي (1) بليون دولار، لكن شاحاك يقول أن الرقم أكثر من الضعف.  

ويشير شاحاك استنادا لبيانات "جيلبر "إلى أن الدول العربية خاصة التي تقيم علاقات سلام مع إسرائيل تزايد حجم استيرادها من إسرائيل في آذار 1990 حين أقيم معرض زراعي بـ تل أبيب سمح لمشاركين من دول عربية معادية بحضوره. ويقول شاحاك بأن قرب إسرائيل من المنطقة العربية ثم القدرة الإسرائيلية التنافسية مع الغرب هو الذي رفع قيمة الصادرات، ويعتقد شاحاك بأن الدول العربية المتاجرة سرا مع إسرائيل تدفع بعضها كلبنان الثمن مخدرات، والبعض يدفع بالعملة الصعبة والبعض بالذهب.  

وبناء على بيانات جيلبر فإن شاحاك يقول بأن كثيرا من الدول العربية المتشددة ضد إسرائيل هي الأكثر تجارة غير مشروعة مع إسرائيل، ولم يبين شاحاك ولا جيلبر ما يدعم هذه الأقوال، لأن هذه الدول حسب أقوال شاحاك تزود إسرائيل بالعملة الصعبة والذهب من خلال التجارة. ويستنتج شاحاك بأن هناك دولا عربية كلما زاد عداؤها لإسرائيل تزداد تجارتها السرية معها بطرق مختلفة، ويقول بأن مصر والأردن هما من حافظتا على عدم استيراد بضاعة إسرائيلية لسوقهما وكذلك السعودية، فلم تستفد إسرائيل اقتصاديا من السلام مع مصر والأردن . 

ويعتقد شاحاك بأن الجزائر مثلا ليس لها نصيب كبير في التجارة السرية مع إسرائيل بعكس تونس، ويعزو ذلك إلى بعد المسافة، ولكن مع المغرب هناك نوع من التجارة والسياحة إذ يسمح لحامل لجواز السفر الإسرائيلي بالدخول وهذا يشجع السياحة بين إسرائيل والمغرب. 

 

ويعتقد شاحاك، بناء على تقديرات وبيانات، بأن بعض الدول العربية تفرض تعتيما على تجارتها السرية مع إسرائيل وذلك لرفع الحرج عن ما ترفعه من شعارات مخالفة لأعمالها التجارية الحقيقية، فهي إما أنها تغض الطرف عن تجارة وإما أنها موافقة صامته، وأكثر أنواع البضاعة المصدرة للدول العربية تلك البضاعة التي لا توجد سوى في الغرب بأسعار عالية جدا ولكنها تصنع في إسرائيل، ويعاد تصديرها من إسرائيل بأسعار زهيدة مثل أنابيب الري بالتنقيط والسخانات الشمسية والأدوات الطبية والأسمدة أو الأشتال المحسنة أو الآلات الصناعية والزراعية المتطورة أو المواد الخام أو المواد الغذائية المصنعة وغيرها.  

ويرى شاحاك من خلال بيانات جيلبر أن اليسار المتطرف في منظمة التحرير وحلفاءه في الدول العربية لا يستطيعون انتقاد الدول العربية المتاجرة مع إسرائيل سرا وخاصة المتشددة منها خوفا من ردة الفعل السلبية، لذلك تفضل الصمت. ويقول أيضا إن المثقفين العرب عامة واليسار بصفة خاصة وبالأخص اليسار المصري هم الأكثر صمتا على تجارة بلادهم السرية مع إسرائيل، وذلك خوفا من بطش دولهم بهم. 

يبقى القول إن ما يكشفه شاحاك في كتابه ليس أمرا لا يأتيه الباطل من كل مكان، وربما تضمن أفكارا هدامة يريدنا شاحاك ومن وراءه أن نصدقها على عواهنها لكي نفقد الثقة بأنفسنا وبقدرتنا على اتخاذ إجراء (وهو أضعف الإيمان على الأرجح) للضغط على إسرائيل، غير أن الواقع العربي المتردي وما نشهده من اختراقات على المستوى السياسي(زيارة وزير خارجية موريتانيا إلى إسرائيل مثلاً) تؤكد أننا مخترقون إلى الحد الذي لا يجدي معه أي إجراء ما دام بعضنا يستمرئ لعب دور "الكوبري" للهيمنة الإسرائيلية—(البوابة)