قال الناقد والمسرحي اللبناني عبيدو باشا إن العرب مهجوسون بفكرة المؤامرة وكل ما يجري في العالم يتصورونه ضدهم رغم أنهم يمتلكون ما لا يمتلكه الآخر، وإنهم بدأوا الآن يمتلكون ما يمكن أن وصفه في مرتبة المهنة. وأضاف:" إنهم كانوا يمتلكون الروح والآن يمتلكون التقنية وهذان عنصران لا يتوفران في كثير من الأماكن·"
واعتبر باشا نظرية المؤامرة والغزو الفكري وما شابهها، كاريكاتورية ومضحكة، وأن المثقف ينتج دائما أفكارا يخاف منها، وقال :" إن الحديث عن العولمة مسألة شائكة يصعب الإحاطة بها في حوار فهناك عولمة ثقافية، وعولمة سياسية، وعولمة اقتصادية، وعولمة معلوماتية،و علينا أن لا نخشى أو نخاف العولمة ما دمنا نمتلك ما نستطيع ان نفعله سواء في حياتنا اليومية أو في ما نخطط له في مستقبلنا."
وأضاف باشا :"في مواجهة العولمة علينا أن نستخدم خصوصيتنا ولا أحد يمنعنا من ذلك، وفي الآن نفسه علينا التخفيف من نرجسيتنا كمثقفين ولا نبالغ في إبراز أهميتنا، لأننا حين نتحول إلى أناس لهم مواقعهم نشبه الناس الذين كنا نحاربهم."
ويرى باشا أن ما يجري استهدافه الآن هو المدن العربية، فقد تم تدمير بيروت التي كانت مدينة مختلفة، وقبلها تم تدمير جميع المدن العربية بحيث تحولت إلى أرياف، ولذلك لم تعد قادرة على إنتاج الثقافة بالمعنى الفعلي للكلمة. ويضيف:" صحيح هناك عولمة، وأقمار صناعية، وأنترنت لكن مخيلتنا وأحاسيسنا وخطواتنا لا يمكن الاستيلاء عليها، وفي علاقتنا بالآخر ثمة قضايا عامة وسلطة جديدة يجب أن نجد مقدرتنا عليها."
واعتبر باشا أن الثقافة إنسانية بالضرورة لكن إنتاجها عبر مؤسسة سلطوية يحولها إلى ثقافة لا إنسانية. وأكد أن الانتقال من مرحلة الدول الحكومية إلى دول المؤسسات، خطوة أولى في مواجهة كل شيء.
و انتقد باشا المثقفين العرب الذين هم في أغلبيتهم متشائمون،" وكأن التشاؤم جزء من الكارزما التي تسم المثقف" ،حسب تعبيره، وأضاف:" إن صفة مثقف تحولت إلى عملة يتم صرفها ويتاجر بها، وكثير من المثقفين يتقنون ذلك، والمثقف لم يعد بريئا ولا ابيض."
وأضاف باشا في حواره الذي أجرته معه صحيفة "الاتحاد" الإماراتية ونشرته اليوم :"لا يوجد مثقف حقيقي لا يحمل الآخر في رأسه ، وفي عملنا واشتغالنا وإبداعنا نعبر عن علاقتنا بالآخر، ولا يمكن فصل حركتنا عن هذا."
وأكد أن حوار الحضارات موجود ويمتلك آلياته، وأنه أصبح من تقاليدنا اليومية، لأن الخبرة تنتقل، و"من يؤسس يسمح للآخرين بنقد تجاربه، ونقدها يعني إحياءها، وإحياؤها يعني كتابتها بطريقة مختلفة،مما يعني السماح للآخرين بقراءتها قراءة مختلفة هذا هو المنطق المضطرد للأشياء."
ويرى باشا أن التدوين ضرورة ، وأنه يجب ان ندون تجاربنا، و نؤسس كل التجارب التي عشناها خلال الأعوام المئة الماضية، لأن عدم تدوينها- يقول باشا –" يهدد بالوقوع في خطر حقيقي هو منطقة فضاء فارغ، والمدون يستطيع ان يسند حضورنا وحضور الآخرين ويمكن اعتباره النص الذي ننطلق منه الى مناطق ثانية، وأي مساهمة على هذا الصعيد ضرورية ومهمة سواء جاءت في شهادات أو دراسات نقدية أو سيرة ذاتية ."
ولعبيدو باشا ثلاثة كتب انصب اهتمامه فيها على التدوين، هي: (ممالك من خشب) و( وبيت النار) و(الكتاب الراوي) الذي يدرس سير مجموعة من الناس الذين وضعوا البنية التحتية للثقافة المتقدمة في لبنان، وختم باشا حديثه قائلا:" إن التاريخ هو الذي سيسمح لنا بقراءة الأشياء من مواقعها الحقيقية وبإنجازاتها الحقيقية، وإذا لم ندون نحن سيدون الآخرون من وجهــة نظرهم وبطريقتهم الخاصة."- -(البوابة)