اتصل بي ذات مساء وحدّد معي موعداً يزورني فيه أثناء عملي في المشفى، كانت تبدو في صوته نبرة قلق واضطراب، حاولت أن أستفسر منه فأجابني: سأعرض عليك الأمر عند لقائنا.
استقبلته في الموعد المحدّد، كان برفقة زوجته المنتقبة، جلس على الكرسي المقابل لمكتبي بينما أشاح لزوجته بيده فجلست في أقصى غرفة الكشف على كرسيٍّ منزوٍ.
رحّبت بهما، واستذكرتُ معه أياماً خلت من طفولتنا قضيناها معاً في أزقة المخيّم، فرغ من احتساء الشاي، ثمّ بدأ يعرض عليّ شكواه: (في الفترة الأخيرة كانت تُعاني من صداعٍ في الجهة اليسرى ينتابها على فترات، ومنذ شهرٍ تقريبا أصبح الصداع يلازمها بشكلٍ مستمر...) ثم استرسل في شرح أعراض المرض، وعلمتُ أن صاحبة الشكوى هي زوجته، وأنه يتحدث بلسانها، بينما هي الحاضرة الغائبة معنا ! ..
كان منهمكاً في الحديث معي بينما تدور عيناي متنقلة بين مسبحته السوداء ولحيته الطويلة وثوبه القصير.
توارى صوته تدريجياّ ولم أعد أرى سوى شفتيه تتحركان عندما شردت بذهني متفكراً..
هل من الورع تهميش المرأة لدرجة أنه لا يُسمح لها بالحديث مع الرجل لضرورة ملحة في حضرة زوجها؟!
كانت تتوافد علينا في أوروبا قوافل الدعاة من البلدان العربية المختلفة، لإحياء الإسلام في نفوس الأقليات المسلمة بعدما ضاع منهم الدين، وذابت شخصيتهم في مجتمعاتهم الغربية عبر الأجيال.
استضفت -وكنت أعزب- أحد هؤلاء الدعاة وزوجته في بيتي، وانتقلت للمبيت عند أحد أصدقائي، وعند انقضاء مهمته شكرني، وأخبرني أنها المرة الأولى التي يجلس فيها مع زوجته على الطعام سويّاً منذ زواجهما قبل أربع سنوات، حيث جرت العادة عندهم في بيت العائلة الكبير أن يأكل الرجال أولاً ثم تليهم النساء ! ..
وحمدتُ الله أن هذه المعلومة كانت حكراً عليّ، ولم يعلم بها المسلمون الأوربيون من أهل البلد.
إن أكبر ظلم نقترفه تجاه هذا الدين الحنيف وتعاليمه السمحة يوم نُلصق به ما ليس فيه من رواسب عاداتنا وتقاليدنا الخاطئة، ثم نعامل البشر على أنها جزء أصيل من هذا الدين.
إن الطائر لا يمكنه الطيران بجناحٍ واحد، ولا يمكن لليد أن تغسل نفسها بنفسها ما لم تساعدها اليد الأخرى، وكذلك مجتمعاتنا لا يمكن لها النهوض من كبوتها بنصفها الرجولي بينما تُعطّل النصف الآخر.
إن خصوصية حياتنا كشعب فلسطيني تحت الاحتلال تُحتّم علينا أكثر من غيرنا أن نرتقي بالمرأة، ونعطيها الثقة، ونعتمد عليها في كثيرٍ من مفاصل الحياة، ونهيئها ليوم قد تكون وحيدة فيه بالميدان، وعلى كاهلها مسئولية أسرةٍ بأكملها.
بدأ صوت صديقي يعود تدريجياً بعدما عدتُ إليه من جولتي الذهنية.
قاطعتُه معترضاً: ( إذن المريضة هي زوجتك التي تجلس هناك ..)
قال لي: (نعم)
قلتُ له: (اذهب واجلس مكانها ودعها تأتي إلى هنا وتتحدث عن شكواها بنفسها).