باراك يتقمص دعوة شارون للفصل بين الضفة وإسرائيل

تاريخ النشر: 28 أكتوبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

رام الله - عزت الراميني 

إن الحديث عن فصل الضفة الغربية عن الخط الأخضر هو موقف قديم جديد يأخذ الصدارة لدى أي إنعطافة كبرى كالانتفاضة الآن . حيث يدرك الإسرائيليون مدى الخطر وخصوصاً الأمني الذي يمكن للفلسطينيين احداثه في مثل هذه الإنعطافة. 

لقد كان الفصل موقفاً واضحاً تحدث عنه شارون أكثر من مرة إبان انتفاضة عام 87 ، وشكل لديه قناعة سياسية بضرورة تنفيذه من جانب واحد، ألا وهو الطرف الإسرائيلي وبمعزل عن ردود فعل العربية، أو الدولية أو الفلسطينية، بينما كان باراك يرى أن الفصل ضروري ومهم، لكن لا بد من الاتفاق بشأنه والتفاهم عليه مع الجانب الفلسطيني، وهنا كانت المسافة الفاصلة بين شارون وباراك. 

وبمجيء الانتفاضة تغير مفهوم باراك للفصل، وبات مقتنعاً بوجهة نظر شارون وتقمصها، حيث علت نبرته في الآونة الأخيرة برفع وتيرة الحديث عن الفصل، وكان لهذا ردود فعل عديدة على المستويات المختلفة. 

فقد تناولت الصحف الإسرائيلية وكتابها هذا الموضوع بالتحليل والتعليق، وتحت عنوان (الفصل في مفهوم العقوبة) كتب جدعون عيشه في يديعوت أحرونوت (أن من السهل أن ترى الإقتصاد الفلسطيني، يختنق بمجرد صدور قرار سياسي إسرائيلي بالفصل، هذا هو المفهوم الوحيد الذي ينطوي عليه مصطلح الفصل حيث تستطيع إسرائيل أن تفرض عدة عقوبات تحت ستاره، كعدم تحويل أموال الضرائب للسلطة التي تجنيها إسرائيل من المستوردين الفلسطينيين، كما يمكن وقف إمدادات المياه لمناطق في الضفة وغزة، وكذلك إمدادات الوقود والكهرباء، وعدم السماح باستيراد وتصدير البضائع، إضافة إلى وقف حركة الأموال من خلال البنوك). 

إن على من يريد إتخاذ قرار الفصل أن يفكر بالثمن الذي سيدفعه هو أيضاً في هذا المجال، حيث أن الإستيراد الفلسطيني والبالغ 3.4 مليار دولار غالبيته العظمى من إسرائيل، وقطاع البناء الإسرائيلي يعتمد بالدرجة الأولى على العمالة الفلسطينية، دون أية جاهزية لعمالة بديلة، وهذا هو الثمن الأبسط في معادلة الفصل، أما الثمن الكلي فهو كبير، وقد لا يتحمله صاحب القرار بالمعنى السياسي والاقتصادي. وهنا تجدر الإشارة إلى الصادرات الفلسطينية والدخل من التحويلات الخارجية والدخل من الضريبة 2250 مليون دولار ناهيك عن 3400 مليون دولار، وجميع هذه الأموال مرتبطة بآلية الإقتصاد الإسرائيلي، والإرادة الإسرائيلية، لذا فإن التشابك الإسرائيلي الفلسطيني معقد ومركب، وقرار الفصل من جانب واحد سيعمق الإشكالية القائمة بقوة ومنحنيات يصعب التكهن بمداها، فكيف يفكر الفلسطينيون ازاء ذلك؟ 

يقول ماهر المصري وزير التجارة والإقتصاد الفلسطيني: إن مثل هذا الموضوع الحساس يجب أن يتحدد بإتفاق الطرفين، إذ يمكن أن يتم الفصل في الوقت الذي يتم فيه إخضاع المعابر للسيطرة الفلسطينية الكاملة كمعبر الأردن ومعبر رفح إضافة إلى مطار غزة الدولي والميناء البحري، من أجل استخدامها بحرية للتجارة الفلسطينية. ويعتبر المصري أن إقدام إسرائيل على مثل هذا الخطوة هو إجراء من طرف واحد يخالف الاتفاقات، والمقصود منه المزيد من الضغط على الجانب الفلسطيني، وتشديد الحصار الإقتصادي عليه. ويضيف بأن لدى السلطة ما يمكن أن تقوله في هذا الشأن اذا أقدمت إسرائيل على مثل هذا الإجراء، إذ أن لدينا برنامجاً متكاملاً للتعاطي معه. 

أما وزير المالية الفلسطيني محمد زهدي النشاشيبي فيقول ردا على سؤال لـ "البوابة" عن قدرة اسرائيل على تنفيذ قرار الفصل إن ذلك مستحيل بصورة مباشرة وفورية، لأن مستوى التشابك الاقتصادي بيننا وبين الاسرائيليين يصعب فكاكه بقرار متسرع وفوري، فماذا سيفعل الاسرائيليون بمائة وعشرين ألف عامل فلسطيني يعتمد عليهم الاسرائيليون في مجالات حيوية، وهل لديهم بدائل جاهزة على سبيل المثال.  

ويضيف بأن علينا كفلسطينيين أن نأخذ هذا التوجه على محمل الجد، وأن نعد العدة من أجل الاستغناء عن الابتزاز الاسرائيلي لعمالنا واقتصادنا، كأن نعمل على فتح سوق العمل في الدول العربية أمام العامل الفلسطيني.  

أما تيسير خالد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فيقول: نحن أحوج ما نكون الى الفصل السياسي الاقتصادي عن الكيان الصهيوني، وهذا ما نناضل من أجله على قاعدة احترام اسرائيل لقرارات الشرعية الدولية، وتنفيذها الانسحاب إلى ما قبل الرابع من حزيران عام سبعة وستين مع ضمان حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. من هذا المنطلق يجب أن يجري الفصل، أما ما يتحدث عنه باراك فما هو إلا تكريس للضم والاحتلال، ويعكس الأطماع التوسعية لإسرائيل، فباراك عندما يتحدث عن الفصل، يتحدث عن ضم القدس، وضم مناطق الكتل الاستيطانية، وغور الأردن، والسيطرة على معابر الطرق، وأعتبر كل ذلك بمثابة احتلال من نوع جديد، وهو احتلال مناطق واسعة من أراضينا.  

إن باراك يعتقد بأنه قادر على تسويق هذه البضاعة الفاسدة التي سنرد عليها. إن الفصل من منظور باراك وحكومته هو إعلان حرب على الشعب الفلسطيني الذي سيواجهه بكل أشكال المقاومة التي تقرها القوانين والشرائع الدولي ويقرها الحق الطبيعي لشعب يقبع تحت الاحتلال.  

كما أن الفصل الذي يتحدث عنه باراك في الجانب الاقتصادي لا يحمل الا معنى الاحتفاظ بسوق الضفة الغربية وقطاع غزة، وابقائهما ملحقتين بالاقتصاد الإسرائيلي، وهذا ما سنعمل على مواجهته أيضا.  

إن الفصل من منظورنا مطلب على قاعدة الاستقلال السياسي والاقتصادي الكامل والناجز، والذي يضمن حقنا في ممارسة السيادة الوطنية في إطار دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف.  

أما عبد الجواد صالح عضو المجلس التشريعي الفلسطيني فيقول في هذا السياق أيضا بأننانريد الفصل لكن على أساس الوصول الى حقوقنا الوطنية المشروعة بانسحاب إسرائيل، وإنهاء احتلالها لأرضنا، وبإقامة دولتنا المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، هكذا نريد الفصل، أما الفصل الذي يريده باراك فهو عقاب جماعي ضد الشعب الفلسطيني، وهو فصل عنصري في القرن الحادي والعشرين (أبارتهايد). إن باراك يريد ترسيم المستوطنات والقدس ويريد أن يجعل مدن الضفة الغربية وغزة جزرا معزولة بفصلها الواحدة عن الأخرى وبينها المستوطنات، إنه يريد تحويل كل مدينة وقرية الى سجن كبير بحيث يكون الفصل أداة لإعاقة حرية الحركة والتنقل والتجارة بين السكان، إن قرار باراك إذا ما تم فانني أعتبره جريمة حرب ضد الانسانية سنقاومها بكل أشكال المقاومة، وسيتصدى شعبنا لهذه الجريمة بكل امكانياته وقواه.  

إن ما يأسف له أن اشكالية كبيرة كالتي يتحدث عنها باراك وحكومته، لم تواجه من جانب السلطة الفلسطينية ببرامج وخطط، ولم تفكر السلطة ببناء مجتمع اقتصادي متحرر من التبعية لإسرائيل، بل إن المحزن حقا أن خططنا الاقتصادية تعتمد على إسرائيل ... مأساة أن يتحدث مسؤولون فلسطينيون عن فتح أسواق العمل في الخارج لعمالنا وكفاآتنا.  

أيعقل هذا الأمر، وأتساءل: هل نريد تهجير شعبنا وطاقاته بدلا من التفكير باقامة مشاريع تنموية تستوعب عمالتنا المحلية؟ 

إن ما يجري وما تحاول اسرائيل عمله هو خنقنا اقتصاديا، ومنعنا من توسيع مدننا وقرانا لاستيعاب التزايد السكاني في فلسطين. الإسرائيليون يعرفون بصراحة ماذا يريدون، ويخططون بدقة، ولكننا للأسف ليس لنا قيادة تخطط وتبرمج. 

من جهته يقول مسؤول الجبهة الشعبية القيادة العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحامي حسام عرفات: إن خطة باراك للفصل هي بمثابة محطة جديدة في حربه ضد الشعب الفلسطيني، ومحاولة لإرهابه، ودفعه للاستسلام، ومحاولة لقمع انتفاضته الباسلة، وشكل من أشكال الضغط على محور التسوية لاجبارهم على العودة إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط والاملاءات الصهيونية الأميركية، ويؤكد في هذا السياق على أن خيار الجهاد والمقاومة والصمود هو السبيل لإحباط سياسات العدو، وإجراءاته العدوانية، وهو السبيل لانتزاع حقوق شعبنا الوطنية، وإقامة دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس.  

وعلى صعيد آخر فان نائب وزير الدفاع الاسرائيلي أفرام سنيه حامل راية الفصل أحادية الجانب، والذي أقنع بها رئيس الحكومة باراك ينفى إمكانية تنفيذها في مثل هذه الظروف مرة واحدة، ويقول لـ"البوابة" في اتصال هاتفي أن الحكومة الإسرائيلية تدرس بجدية كافة الاستحقاقات المترتبة، من أجل تقليل الخسائر، وضمان الأهداف المرجوة من الفصل على مختلف الصعد.  

هل تقدم إسرائيل حقا على الفصل ومتى؟ سؤال ستجيب عنه الأيام المقبلة.