بحضور ولي العهد الاردني السابق الامير الحسن بن طلال بدأ سياسيون عراقيون وضباط سابقون معارضون لنظام الرئيس صدام حسين اجتماعا في لندن يستمر ثلاثة ايام للبحث في امكان اطاحة النظام العراقي، وصفته واشنطن بـ"المهم لمرحلة ما بعد صدام".
وترافق الاجتماع مع تزايد التهديدات الاميركية للعراق بعمل عسكري ضد العراق، فيما توالت ردود الفعل الدولية على هذه التهديدات فقد دعت باريس الى تفاهم دولي قبل اي هجوم، ونفت الكويت اي اتصال بالولايات المتحدة في شأن استخدام اراضيها لتوجيه الضربة، فيما أيدت كانبيرا العمل العسكري من دون اي تحفظ.
اجتماع المعارضة
أفاد معارضون عراقيون ان أكثر من 200 شخصية بينها نحو 70 ضابطا تشارك في الاجتماع الذي يحضره ايضا مسؤول اميركي في العاصمة البريطانية لندن. لكنهم أوضحوا انهم نظموا الاجتماع بأنفسهم من دون رعاية الولايات المتحدة او تمويلها.
وصرح اللواء سعد عبيدي المسؤول عن الحرب النفسية قبل ان ينشق عام 1986 ان المجتمعين سيبحثون في سبل عزل صدام والتوقعات الامنية اذا أمكن اطاحته واخضاع الجيش للادارة المدنية. وقال: "سنبحث في طريقة تغيير النظام (...) ونظرا الى تاريخ القمع المستمر منذ 40 سنة في العراق فان من المرجح بدرجة كبيرة ان تملأ الدماء الشوارع. ويجب ان نمنع هذا من الحدوث".
وينتمي المنشقون الى كل الطوائف الدينية والعرقية ولبعضهم علاقات مع منظمات المعارضة مثل "المؤتمر الوطني العراقي" الذي يؤيد اجتماع لندن.
وتغيب عن هذا الاجتماع شخصية بارزة هي رئيس الاركان العراقي السابق نزار الخزرجي الذي ينتمي الى قبيلة كبيرة في محافظة الموصل الشمالية والذي انشق عام 1995 وهو يعيش الان في الدانمارك.
وقالت مصادر المعارضة ان الخزرجي يعتبر نفسه الخيار الطبيعي للقيادة في العراق بعد صدام. واضافت ان لدى الكثير من خصوم صدام ضغائن مريرة حيال المنشقين العسكريين ويتهمون بعضهم بارتكاب جرائم حرب نيابة عن الزعيم العراقي.
وقال عبيدي مقرا بذلك كما يبدو، انه حان الوقت لان يبتعد الجيش عن السياسة الى الابد بعدما حكم العراق منذ اطاح الاسرة الهاشمية عام 1958 . واضاف: "اننا نعمل بحيث لا يكون هناك عسكريون في الحكومة (...) ونطلب من شعب العراق ان يغفر للجيش وان يسمح لنا ببناء مؤسسة فنية وقومية".
وهؤلاء الضباط مثل منظمات معارضة اخرى يعتقدون ان العراقيين يودون ان يروا رحيل صدام، لكنهم قلقون من الانضمام الى اي انتفاضة جديدة من دون ضمانات تأييد الجيش الاميركي.
وهم يتذكرون كيف ان الرئيس جورج بوش الاب حض الاكراد والشيعة على التمرد في حرب الخليج عام 1991 ولم يفعل شيئا لمنع صدام من استخدام قواته الجوية في سحق الثورات التي لم تدم طويلا.
ومن منظمي اجتماع لندن اللواء توفيق اليسيري وهو ضابط بحرية انضم الى التمرد في جنوب العراق وجرح لكنه تمكن من الفرار الى السعودية. وقال العقيد حامد الزيادي الذي جعله انشقاقه عام 1982 من اوائل ضباط الجيش الذين تخلوا عن الزعيم العراقي: "الجيش سينشق... حتى اقربهم لصدام... البلد ممزق تحت السطح، كل شيء ضعيف".
ويشارك في الاجتماع منشق بارز هو اللواء وفيق السامرائي الذي كان مسؤولا عن المخابرات العسكرية. والسامرائي قريب من زعيم "المؤتمر الوطني العراقي" احمد الجلبي الذي سبق له ان انتقد الولايات المتحدة لرفضها الزام نفسها العمل من اجل الديموقراطية في العراق بدلا من حكم عسكري تحت سلطة زعيم عراقي قوي جديد.
وقال الجلبي الذي يقال ان له مؤيدين في وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" اكثر مما له في وزارة الخارجية: "في وزارة الخارجية وغيرها هناك من يظنون ان الديموقراطية خطر على الاستقرار في المنطقة. لا طائل من وراء ذلك".
وتعهد الرئيس جورج بوش يوم الاثنين باستخدام "جميع الادوات" للاطاحة بصدام الذي تتهمه واشنطن بمحاولة اعادة صنع اسلحة دمار شامل.
وقال متحدث باسم المجلس الوطني العراقي للصحفيين "في نهاية المطاف سيكون الشعب العراقي هو من يبحث عن صدام ويقدمه للعدالة. نتطلع الى ان نكون في العراق عما قريب."
الامير الحسن
وحضر فجأة الى الاجتماع الذي بدأ في وسط لندن الامير الحسن بن طلال ولي العهد الاردني السابق الذي نفت بلاده بقوة الاسبوع الماضي اي دور لها في خطط قيل انه طبقا لها ستستخدم الاراضي الاردنية في شن هجوم اميركي على العراق.
ردود فعل
ووصفت الولايات المتحدة اجتماع لندن بانه "حدث مهم" لاعداد العراق لمرحلة ما بعد صدام حسين.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية ريتشارد باوتشر "كون المعارضين العسكريين العراقيين قد اجتمعوا في نفس المكان فهو يشكل حدثا مهما".
واضاف "انه دليل مهم على مدى اتساع الامتعاض الذي يثيره نظام صدام حسين بين العراقيين في العالم".
واشار باوتشر الى "انها فرصة لاولئك الذين يريدون مستقبلا مختلفا ومستقبلا افضل لشعب العراق نظرا الى الطريقة التي يمكن من خلالها ان ينسقوا جهودهم وان يعملوا معا".
واوضح باوتشر "لا نمول هذا المؤتمر ولكننا نهتم عن قرب بهذا الاجتماع والنتائج التي ستصدر عنه" مضيفا ان "اعضاء من سفارتنا في لندن يشاركون فيه".
وتابع قائلا "نعتبر ان الامر يتعلق باداة فعالة من اجل مساعدة العراقيين على الاقتراب من هدف تحقيق مستقبل افضل للشعب العراقي بعد سقوط صدام حسين".
باول
ومن ناحيته، اعلن وزير الخارجية الاميركي كولن باول في مقابلة مع قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية امس الجمعة ان جميع الخيارات ما تزال مفتوحة ضد العراق.
وقال "هناك انباء وتقارير صحافية كثيرة نشرت (حيال عملية عسكرية ضد العراق) لكنها لا تستند على معلومات دقيقة".
واضاف ان "الرئيس (جورج بوش) لم يصدر اي قرار في ما يتعلق بالعمل العسكري. وهو ابقى جميع خياراته مفتوحة".
واوضح "نحن نتشاور مع الامم المتحدة بشأن قضايا العقوبات (المفروضة على العراق) والمفتشين (المكلفين نزع الاسلحة العراقية) وننسق مع اصدقائنا ونستمع لجميع وجهات النظر".
باريس
في غضون ذلك، تتوالى المواقف الدولية والعربية المتحفظة عن اي عمل عسكري اميركي ضد العراق اوالمؤيدة له. ففي واشنطن، اعلن وزير الخارجية الاميركي كولن باول ان باريس ابلغت الى الادارة الاميركية ان اي عملية لا يمكن ان تشن من جانب واحد وان على واشنطن التأكد قبل اي عمل تقوم به من حصول تفاهم دولي عليه. وقال للصحافيين بعد لقائه نظيره الفرنسي دومينيك دو فيلبان ان الاخير كان واضحا جدا في هذه النقطة. واوضح ان الوزير الفرنسي "شدد على ان بحثنا الوضع في العراق ينبغي ان يحصل عبر مشاورات كاملة مع اصدقائنا" وطلب ايضا من الولايات المتحدة ان "تبلغ الى الاسرة الدولية المخاطر المشتركة في العراق كي يمكن التوصل الى تفاهم على ما يمكن ان يكون ضروريا". واضاف ان "الوزير شدد ايضا على ان شرعية اي عمل قد يحصل ينبغي ان تكون عاملا مهما يؤخذ في الاعتبار".
وقال دو فيلبان ان فرنسا متفقة مع اهداف واشنطن على المدى القصير وخصوصا عودة مفتشي الاسلحة الدوليين الى العراق و"نعتقد ان على الرئيس العراقي ان يقبل سريعا بعودة المفتشين (...) ونعتقد ان من الضروري ان يحصل هذا الامر بسرعة".
كانبيرا
وفي كانبيرا، رأى وزير الخارجية الاوسترالي الكسندر داونر ان " عدم وضع حد لتطوير العراق اسلحة للدمار الشامل سيؤدي الى وضع يشبه سياسة التهدئة التي سمحت بظهور النازية في المانيا (...) اعتقد انه سيكون ضربا من الجنون دعم اي سياسة للتهدئة على امل ان يؤدي عدم قول او فعل اي شيء حيال صدام حسين الى تسوية المشكلة"، في اشارة الى التحفظ الذي ابدته دول اخرى حليفة للولايات المتحدة.
غير ان زعيم المعارضة العمالية سيمون كرين انتقد تصريحات داونر، وقال: "من الغريب ان نرى في الولايات المتحدة الاميركيين يفكرون في تخفيف لهجتهم قليلا حيال العراق، بينما يصعدها داونر".
الكويت
وفي الكويت، نفى وزير الدولة الكويتي للشؤون الخارجية الشيخ محمد الصباح ان تكون بلاده اجرت اتصالات مع الولايات المتحدة في شأن استخدام اراضيها لتوجيه ضربة الى العراق.
وقال ان "مهمة القوات الاميركية في الكويت معروفة وهي الدفاع عن اراضينا وسيادتنا الوطنية". واضاف ان "الكويت لا تقبل اي هجوم على العراق ينطلق من اراضيها"0
باراك
* في صوفيا، رأى رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك ان مكافحة الارهاب يجب ان تشمل بعد افغانستان "العراق وحتى ايران". وقال في كلمة عن "التأثير الاستراتيجي للحرب العالمية على الارهاب" القاها امام سياسيين وديبلوماسيين في العاصمة البلغارية ان "الخطوة التالية يجب ان تكون العراق وحتى ايران".
تطورات اخرى
في واشنطن ، صرحت ناطقة باسم وزارة الخارجية الاميركية ان الولايات المتحدة طالبت العراق برفع قيود السفر الى الخارج المفروضة على الديبلوماسيين البولونيين الذين يمثلون المصالح الاميركية في بغداد. وكانت بغداد قد حظرت على هؤلاء الديبلوماسيين في نيسان/ابريل السفر من البلاد او اليها براً، بينما تصر واشنطن على ان رحلات الطيران التجاري تشكل انتهاكا لعقوبات الامم المتحدة. وكان من نتيجة ذلك اضطرار الديبلوماسيين البولونيين الى البقاء في بغداد فترات طويلة.
وفي تطور اخر، قال متحدث باسم وزير الخزانة الاميركي ان واشنطن قلقة بشدة من مزاعم بان العراق يوثق علاقاته مع اوكرانيا لمحاولة بناء ترسانته من الاسلحة.
وقال المتحدث روبرت نيكولز للصحفيين المرافقين لوزير الخزانة الاميركي بول اونيل في جولته في اربع من الجمهوريات السوفيتية السابقة "الولايات المتحدة قلقة بشدة بشان العراق ونواياه".
واضاف نيكولز بعد اجتماع في كييف بين اونيل والرئيس الاوكراني ليونيد كوتشما "ذلك هو السبب في اننا ناخذ اي مزاعم عن نقل اسلحة الى العراق بغاية الجدية."
وكانت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية قد ذكرت هذا الاسبوع ان العراق يوثق علاقاته مع جمهورية اوكرانيا السوفيتية السابقة في اطار حملة لاعادة بناء ترسانته من الاسلحة.
كما ظهرت تقارير مماثلة من حين لاخر على مدى شهور الان ولكن كوتشما داب على نفيها.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الاميركية في واشنطن هذا الاسبوع ان المسؤولين في الوزارة لم يتوفر لديهم دليل يمكن الوثوق به على ان العراق قد حصل على اسلحة محددة من اوكرانيا ولكنه اضاف ان الولايات المتحدة تعارض نقل اي معدات عسكرية الى العراق من اي دولة.
وقال نيكولز ان اونيل اثار تلك القضية مع كوتشما واكد اهمية اجراء تحقيق متعمق في هذه المزاعم.
وقال نيكولز "حث الوزير الرئيس كوتشما على الانتهاء من التحقيق على وجه السرعة وابلاغ المجتمع الدولي بالنتائج"—(البوابة)—(مصادر متعددة)