قوبل إعلان وزير الثقافة المصري د.فاروق حسني الأسبوع الماضي بتحويل سجن القلعة في القاهرة إلى مزار ثقافي ، بترحيب واسع من المثقفين والسياسيين، خاصة أولئك الذين ذاقوا مرارة السجن والتعذيب في زنازينه الرهيبة.
الكاتب المصري صلاح عيسى الذي كان أحد هؤلاء سجل أوراقا من دفتر العذاب في صحيفة "العرب العالمية".
يقول صلاح:" كنت أسعد الناس بالخبر ، فذات ليلة قبل خمسة وثلاثين عاما كنت معلقا كالذبيحة إلى مشجب حديدي مثبت على حائط الزنزانة، وفي لحظة ما بين الإغماء والنوم ، وفي هلوسة العذاب حلمت بأن الدنيا قد تغيرت، وبأن الزمن الذي لا يعتقل فيه إنسان بسبب رأيه قد جاء". ويضيف:" مرت عهود وتغيرت سياسات، ووزراء داخلية ، والسجن الذي عدت إليه عدة مرات مازال قائما على حاله لم يتغير، يدخله أناس من كل ملة مناضلون وجواسيس، متشددون، ويمينيون متطرفون، وزراء سابقون، وغيرهم".
وتحدث صلاح عن سقوط مجموعة المشير عبد الحكيم، والإعلان الناصري لسقوط دولة المخابرات، مشيرا إلى أنه عاد في تلك الفترة أيضا إلى نفس السجن، ولكن ضمن رفقة مختلفة، وذكر كيف كانت زنزانته مجاورة لغرفة التعذيب، مما جعله يسمع ويعيش عذابات كل من دخلوها.
وأشار صلاح في مقالته إلى واحد من السجانين وكان اسمه "سيد خضير"، فوصفه بالقسوة وبالاستثنائية في طرق المعاملة والتعذيب، التي لا تتفق وتعاطفه مع العصافير التي كانت تحط على أرض باحة السجن أو القطط التي بنت لها بيوتا داخلها ، مذكرا بمقولة لأحد علماء النفس، وهي "إن الحنو على الآخر، والتعاطف مع الضعيف، طبيعة إنسانية لا يستطيع الإنسان منها فرارا، خاصة من تجبرهم ظروف حياتهم، أو طبيعة أعمالهم على ممارسة القسوة على الآخرين، يعوضون ذلك بالمبالغة في العطف على الحيوانات".
وذكر صلاح بالمعاملة الخاصة التي كان يعامل بها "شمس بدران" وزير الحربية في عامي 1966 و1967 ، بعد اعتقاله بسبب الهزيمة، وتحدث عن زنزانة بدران التي كانت أشبه بغرفة فسيحة ذات جدران مزخرفة، وفيها كل وسائل الراحة، إضافة إلى تمكن بدران من رؤية زوجته وابنته "هبة" خلال زيارات خاصة تسمح بها إدارة السجن لعائلة بدران دون غيره، مشيرا إلى حادثة وقعت بينه وبين ابنة بدران في ذلك الوقت ، حيث أعطى الطفلة برتقالة من فاكهة السجن، وشكرته بقولها "شكرا أونكل" وكانت المرة الأولى التي ينادى فيها بهذا اللقب المحترم – حسب تعبيره- مما دفعه لأن يجامل الصغيرة بحكايات سعيا منه لإشباع حاجة التكلم إلى أنسي.
وتساءل صلاح في نهاية مقالته عما إذا كان سيرى هبة مرة أخرى؟ وهل هي موجودة ليصحبها مع وفد من الفتيات ليزوروا معا السجن الذي تحول إلى متحف؟- -(البوابة)